الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

مسجد الأمة في غانا.. تمويه “أردوغاني” جديد للتغلغل في إفريقيا

هل تجد تركيا موطئاً لنشر الإسلام السياسي في القارة التي يميل مسلموها بالفطرة إلى التصوف؟

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

لم يكن مسلمو غانا، المعروفة سابقاً بـ”ساحل الذهب”، البالغ عددهم نحو 19% من إجمالي عدد سكان البلاد، (31) مليوناً حسب آخر إحصاء أُجرى عام 2019، يتوقعون أن يأتي يوم يهرع فيه رئيسهم المسيحي “نانا أكوفو أدو”، إلى حفل افتتاح مسجد للمسلمين في حي كاندا (كاوكودي) في العاصمة أكرا، ويقرأ من سورة “الجمعة” في حفل الافتتاح “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”.

إلا أن ذلك حدث بالفعل الأسبوع الماضي عند افتتاح مسجد ومجمع الأمة في العاصمة الغانية أكرا، كنسخةٍ طبق الأصل من مسجد السلطان أحمد التاريخي، الذي يعود إلى العصر العثماني، والمعروف أيضاً بالمسجد الأزرق.

اقرأ أيضاً: بعد سيطرة الإخوان وزعماء القبائل.. هل يصبح شرق السودان مقراً للجماعات الإرهابية؟

وشارك في مراسم افتتاح المسجد، الذي يعتبر أكبر مسجد في البلاد قاطبة، وثاني أكبر مسجد في غرب إفريقيا بعد مسجد “مساليكول جنان” بالعاصمة السنغالية داكار، بتكلفة بلغت 10 ملايين دولار، ودعم كامل من مؤسسة الديانة التركية وجمعية “عزيز محمود خودائي”، بجانب الرئيس الغاني ونائبه محمد باوميا، رئيسا النيجر الحالي والسابق، محمد بازوم وإيسوفو محمدو، على التوالي، ورئيس الشؤون الدينية التركي علي أرباش، وكبار المسؤولين الغانيين، وممثلون للبعثات الدبلوماسية الأجنبية إلى غانا.

الرئيس الغاني نانا أكوفو أدو (الثاني من اليسار) يقص شريط افتتاح مسجد الأمة

ما المقابل؟ “عودة الجدل”

لكن لم يمر هذا الحدث الفريد بالنسبة إلى مسلمي هذه الدولة الإفريقية الغنية الواقعة على خليج غينيا على ساحل الأطلنطي، دون عودة الجدل حول التغلغل التركي إلى دول غرب إفريقيا، ونشر العقيدة العثمانية وأيديولوجيا جماعة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي في هذه المنطقة من العالم، عبر ما يُعرف بآليات القوى الناعمة؛ حيث اعتبر خبراء في شؤون غرب القارة الإفريقية، في حديثهم إلى “كيوبوست”، أن التمدد التركي في المنطقة ليس عملاً خيرياً محضاً، وإنما يُخبئ بين تفاصيله أبعاداً عقدية تتمثل في نشر الإسلام السياسي بصيغته العثمانية، كما ينطوي على أهداف جيواستراتيجية ومصالح اقتصادية؛ فتركيا ليست دولة للمؤسسات الخيرية حتى تبني مسجداً بطراز معماري رفيع يتسع لـ15 ألف مصلٍّ ويضم مدرسة ومكتبة وعيادة وصيدلية ومشرحة، لأقلية مسلمة في دولة غنية بالموارد الزراعية والمعادن النفيسة والإمكانات السياحية الهائلة، دون مقابل.

اقرأ أيضاً: “الأمن الشعبي”.. هل يقطع السودان الذراع المسلحة لجماعة الإخوان المسلمين؟

نقطة من البحر التركي

محمود الدّنعو

يعتقد محمود الدّنعو، المحلل السياسي المهتم بشؤون دول غرب إفريقيا، ومنطقة الساحل والصحراء، أن افتتاح مسجد الأمة بالعاصمة الغانية أكرا، وإن كان حدثاً فريداً بالنسبة إلى الغانيين المسلمين؛ إلا أنه يُعتبر نقطة من بحر الوجود التركي في الغرب الإفريقي، فهذا الوجود يظهر جليِّاً في مضاعفة عدد السفارات التركية إلى القارة من نحو 13 سفارة فقط عام 2000، إلى 45 عام 2021، وفي ذلك وحده إشارات واضحة إلى سعي تركيا لتوسيع نفوذها الجيوسياسي في إفريقيا.

ليس ذلك فحسب، يواصل “الدّنعو” حديثه إلى “كيوبوست”، وإنما أيضاً تمكنت أنقرة منذ عام 2015 وحتى اللحظة الراهنة من إبرام اتفاقيات أمنية وعسكرية مع أكبر وأغنى دول في منطقة الساحل والصحراء؛ مثل تشاد ونيجيريا وكوت ديفوار وغامبيا وغينيا وبنين والنيجر وموريتانيا، فضلاً عن أن تقارير أمنية كثيرة تؤكد سعي حكومة حزب العدالة والتنمية التركي إلى إطلاق قاعدة عسكرية على الحدود بين النيجر وليبيا؛ الأمر الذي يُسهم في مزيدٍ من السيطرة والتحكم على الأوضاع في ليبيا، خصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار وجود مفارز من الجيش التركي ضمن قوات حفظ السلام الدولية في كلٍّ من مالي وإفريقيا الوسطى.

جانب من افتتاح المسجد والمجمع الإسلامي- وكالات

بالنسبة إلى العلاقات التركية- الغانية، وإن بدأت مؤخراً نسبياً مقارنةً بدول غرب إفريقيا ذات الأغلبية المسلمة؛ لكنها تطورت بشكلٍ لافت ووتيرة سريعة عقب حلول أردوغان ضيفاً على “أكرا” عام 2016، في جولةٍ شملت أربع دول بغرب إفريقيا، حينها صرَّح الرجل بأن الزيارة تهدف إلى تعميق “الشراكة الاستراتيجية” بين تركيا وإفريقيا، وتنمية العلاقات مع أعضاء الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، يستطرد “الدنعو”، ويضيف: لم تمضِ بضعة أشهر على تلك الزيارة حتى حلَّت الوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا)؛ ذراع أردوغان القوية، في العاصمة “أكرا”؛ فمنحت في اليوم التالي مباشرة معدات تعليمية حديثة، وقدمت دعماً مالياً سخياً إلى مدرسة “دا أواتول” الإسلامية الحكومية الابتدائية، التي تضم نحو 300 طالب، ثُم انتشرت منها إلى المدن والأرياف الغانية، توزع العطايا بين المجتمع المسلم في شهر رمضان الكريم.

اقرأ أيضاً: أبوبكر شيكاو الإرهابي الأكثر وحشية.. هل مات منتحراً؟

لم تكتفِ (تيكا) بالعمل وسط المسلمين فقط، وإنما استهدفت الجميع، فرصفت شارعاً رئيساً بالعاصمة، افتتحته، بجانب رئيس بلدية العاصمة، السفيرة التركية في غانا نسرين بايزيد، وأُطلق عليه شارع “جمهورية تركيا”.

يشير الدّنعو إلى أن تركيا ربما تتمكن من تكريس حالة عارمة من التعاطف وسط المجتمعات المسلمة بغرب إفريقيا؛ بسبب حضورها الفعلي هناك من خلال ما تسميه مد يد العون للفقراء والمظلومين حول العالم، عبر إطلاق حملات التطعيم والعلاج وتقديم المواد العينية والأضاحي في المناسبات الدينية؛ بل أرسلت بعثة طلابية شاركت في أنشطة وفعاليات متنوعة ودعمت دور الأيتام والمسنين والعجزة، وأنشأت مدرسة لتعليم الأطفال الصغار.

مسجد ومجمع الأمة من الداخل- وكالات

في سياق تعليقها على افتتاح مسجد ومجمع الأمة بأكرا، أحصت الصحفية المهتمة بالشؤون الإفريقية “ريتا مدني”، العديدَ من الأذرع الحكومية التركية التي تتلبس هيئة المجتمعات المدنية، وتنشط بهذه الصيغة في دول الغرب الإفريقي، والقارة بشكلٍ عام؛ أهمها وكالة التعاون والتنسيق (تيكا) التي تملك نحو 22 مكتباً للتنسيق بالقارة الإفريقية، وقد نفَّذت (تيكا)، التي يعتقد كثيرٌ من المراقبين أنها تعمل لصالح المخابرات التركية، العديدَ من المشروعات في بلدانٍ إفريقية مختلفة، بالتنسيق مع شركة “صادات” التي يُعتقد أنها مَن ترسم الخطط والبرامج التركية في ما يتعلق بالتغلغل إلى إفريقيا؛ خصوصاً إلى مناطق النزاعات والحروب، حيث تنشط ببيع الأسلحة وتقديم عروض خدمات الحماية الأمنية، وبرامج التدريب العسكري، وتتولى كذلك مهام إبرام الصفقات العسكرية، ودعم حركات الإسلام السياسي، وإثارة المشاعر الدينية وإحياء مشروع الإخوان المسلمين في المنطقة. بينما تنشط مجموعة البيرق التركية -وفقاً لريتا مدني- في التخطيط للاستحواذ على الموانئ الإفريقية، وقد نجحت مؤخراً في الاستحواذ على ميناء كوناكري في غينيا لـ25 عاماً، باستثمار يفوق 700 مليون دولار.

اقرأ أيضاً: “أزمة سد النهضة”.. هل بات الخيار العسكري وشيكاً؟

استهداف الوجدان الجمعي

ريتا مدني

بالنسبة إلى مدني، فإن المنظمة التركية الأكثر خطورة هي ما تُعرف بمؤسسة “المعارف” التعليمية التي أطلقتها حكومة حزب العدالة والتنمية لتتولى إدارة المدارس المصادرة من جماعة الخدمة التابعة للمعارض فتح الله غولن؛ حيث حازت على نحو 23 مدرسة في إفريقيا، تعمل وَفق خطط مدروسة على (تتريك) قطاع واسع من الإفريقيين، بتنشئة جيل جديد موالٍ لأنقرة يتم إعداده للوصول إلى مناصب سياسية وأمنية رفيعة في الدول المستهدفة.

تعتقد “مدني” أن المساجد والمجمعات والمدارس الإسلامية التي تطلقها تركيا بين الفينة والأخرى، لا تعدو كونها محاولة لذرِّ الرماد في العيون، والتغطية على أنشطتها الأساسية في القارة الإفريقية عبر إثارة العاطفة الدينية، وبجانب الدين تستهدف حكومة أردوغان الوجدان الجمعي للإفريقيين، مستغلةً عشقهم المفرط لرياضة كرة القدم؛ حيث أنشأت شركة تركية أكبر مجمع رياضي للعبة في العاصمة الكاميرونية (ياوندي)، وُيعتبر مجمع (جابوما) نقلة معمارية نوعية في ما يتعلق بمعمار ملاعب كرة القدم في القارة.

اقرأ أيضاً: السودان في ذكرى الانقلاب.. 30 عاماً من الفساد والإرهاب بسبب الإخوان

أما مشروعات البنية التحتية، فتستهدف عموم الشعوب الإفريقية بكل أديانها وأعراقها؛ لأن الجميع يستفيد منها، ولعل أكبر مشروع أسهمت فيه تركيا في هذا الصدد، هو مشروع القطار السريع (ميترو داكار) بالسنغال، فضلاً عن مشروعات البنية التحتية بالنيجر؛ مثل بناء مطار العاصمة نيامي الجديد بتكلفة 154 مليون يورو، وإنشاء شبكة “متروباص” في العاصمة المالية باماكو.

استثمار نعم.. إسلام سياسي لا

صحن مسجد الأمة- وكالات

ومع ذلك -تضيف مدني- لن تجد تركيا موطئاً لنشر الإسلام السياسي في القارة التي يميل مسلموها بالفطرة إلى التصوف؛ حتى إن بعضهم يعتبر جماعة الإخوان مارقة عن صحيح الدين، وأنها جماعة سياسية تستهدف السلطة الدنيوية، ولا يهتمون بأفكارها وشعاراتها؛ لكن ربما تجد في المقابل مزايا أخرى تتعلق بحصولها على فرصٍ واسعة للاستثمار في الزراعة والمعادن الثمينة والنادرة، مثل اليورانيوم والألماس وغيرهما، وكذلك في الموانئ والقطاع السياحي، وتحقيق مكاسب اقتصادية ضخمة بالاستثمار في هذه القارة الواعدة.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة