الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

مستقبل مرتزقة تركيا بعد هدوء الأوضاع في ليبيا يقلق الجزائر

الجماعات الإسلامية المسلحة في ليبيا ترسم أهدافاً أبعد من الحدود الليبية.. وتتفوق على الطموحات التوسعية للدولة التركية

الجزائر- علي ياحي

لا تُخفي الجزائر مخاوفها من تنامي الجماعات الإرهابية في ليبيا؛ خصوصاً بعد أن أقدَمت تركيا على جلب إرهابيين من سوريا للقتال مع قوات “الوفاق” ضد الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر. وفي وقتٍ تبحث فيه الجزائر عن حلٍّ سياسي للأزمة بين الإخوة الفرقاء، يبقى مصير “المرتزقة” القادمين من الشام مثارَ قلق في ظل تصاعد الاعتداءات الإرهابية في منطقة الساحل.

اقرأ أيضاً: هل تنجح الجزائر في كبح “عنجهية” تركيا في ليبيا؟

كما لم توارِ الجزائر امتعاضها من دخول عناصر إرهابية إلى ليبيا قادمة من سوريا بتنظيم وإشراف تركِيَّين، تُبدي أيضاً مخاوف حقيقية من انتشار السلاح في ليبيا، واستحواذ جماعات وتنظيمات مسلحة وإرهابية عليه؛ حيث صرح وزير الخارجية الجزائري صبري بوقادوم، بأن الوضع الأمني المتوتر الناجم عن زيادة التدخل العسكري في ليبيا لم يؤجج سعير الحرب فحسب؛ بل أسهم في تسليح المجموعات الإرهابية التي أضحَت تهدد أمن المنطقة، وتعرقل مسار التسوية السياسية لهذه الأزمة.

مشاهد الاقتتال والدمار تتواصل في ليبيا مع استمرار تدفق الأسلحة والمقاتلين

أجندات متطرفة

ويعتبر أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر؛ بشير بودلال، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، أن المقاتلين غير النظاميين الذين جلبتهم تركيا إلى ليبيا منذ نهاية ديسمبر 2019، وازداد عددهم بشكل مطَّرِد ليصل إلى رقم مخيف يفوق تعداد بعض الجيوش النظامية. ورغم خضوعهم حالياً لمنظومة القيادة والسيطرة والتوظيف التركية؛ فإن خطورتهم تتمثل في حملهم أفكاراً متطرفة ولديهم أجندات تفوق مصالح الدولة التركية ذاتها، قائلاً إن من المخاطر التي تهدد أمن واستقرار دول مثل تونس ومصر ودول الساحل؛ خصوصاً الجزائر، توظيفَ واستعمال المرتزقة والمقاتلين.

ويواصل بودلال: “أهم أسباب تغيُّر العقيدة العسكرية الجزائرية، واحتمال مشاركة الجيش في مهام خارج الحدود هو هاجس وجود آلاف المرتزقة على حدود البلاد”؛ مشحونين بأيديولوجيا متطرفة، وأجندات معادية للدول الوطنية، والأخطر من ذلك تماهيها مع مخططات شديدة الخطورة تستهدف الأمن القومي العربي، موضحاً أن تركيا على ما يبدو أعطت ضمانات لدول إقليمية حول سيطرتها على هذه الجماعات والتيارات واستعمالها حصراً في مهام متعلقة بنفوذ ومصالح الدولة التركية، غير أن تاريخ هذه الجماعات يبين قدرتها على تغيير تحالفاتها وخروجها عن السيطرة نحو تهديدها الأمن الإقليمي والدولي ونشرها الفوضى والاضطرابات، موضحاً أن ليبيا أصبحت بوجود المرتزقة “فضاءً شديد الاضطراب والتعقيد مؤهلاً بشكل مؤكد لتصدير الفوضى نحو جوارها الإقليمي، وربما فضاءات أبعد”.

اقرأ أيضاً: الجيش الجزائري يغير عقيدته ويسمح لقواته بالتحرك خارج الحدود

ويرى بودلال أن هناك غياباً للدولة في ليبيا مقابل نشاط نحو 300 ميليشيا لديها تداخل وعلاقات مع الجماعات الإرهابية المتمركزة بمنطقة الساحل، وكذا مع شبكات تهريب السلاح والمخدرات والبشر، مشيراً إلى أن أمن المنطقة تأثر سلباً بالوضع في ليبيا؛ خصوصاً أن الجماعات الإرهابية في ليبيا، بما فيها “داعش” و”القاعدة” والجماعة الليبية المقاتلة، تستفيد من جغرافيا ليبيا ومواردها، وأن أهدافها تتجاوز ليبيا؛ لتشمل إعادة رسم التوازنات الاستراتيجية في شمال إفريقيا.

وختم بودلال حديثه بأن الجزائر تستعد لكل الاحتمالات؛ بما فيها الخيار العسكري الذي تم التمهيد له استخباراتياً وتقنياً وتشريعياً، وينتظر القرار السياسي التنفيذي.

رسائل وإشارات

وتوجد قوات الجيش الجزائري المرابطة على الحدود مع ليبيا، وكذا مع مالي والنيجر؛ في حالة استنفار قصوى، تحسباً لأي انزلاق أمني في ظل تنامي نشاط الجماعات الإرهابية؛ حيث يتم تنفيذ مناورات ميدانية بالذخيرة الحية بشكل دوري، وبإشرافٍ مباشر من القيادات العليا في المؤسسة العسكرية؛ لتبعث برسائل إلى الجماعات المسلحة والإرهابية تشير إلى استعداد الجزائر لمواجهة أي تهديد، وأخرى إلى دول تواصل جلب المرتزقة والمقاتلين، بأنها منزعجة من استمرار التصعيد؛ خصوصاً أن لجنة العقوبات الأممية أعلنت أن أنقرة أرسلت بين 7 آلاف و15 ألف مقاتل سوري مرتزق إلى ليبيا، مضيفةً، في تقرير لها، أن ليبيا تحولت إلى سوق كبيرة للأسلحة؛ بسبب خروق حظر التسلح.

الجيش الجزائري رفع من حجم المناورات العسكرية في الصحراء منذ اندلاع الأزمة الليبية في 2011

وفي السياق ذاته، حذَّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، قائلاً: “علينا إدراك تداعيات الأزمة في ليبيا التي تتعقَّد وتنتشر في جميع أنحاء المنطقة؛ حيث تعبُر الأسلحة والمقاتلون الحدود باستمرار”، مشيراً إلى شبكاتٍ إرهابية تنتشر في جميع أنحاء ليبيا وشمال إفريقيا، وعبر الساحل إلى منطقة بحيرة تشاد، وتظهر في جمهورية الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، موضحاً أن “الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل تهاجم قوات الأمن المحلية والدولية بانتظام؛ بما في ذلك قوات حفظ السلام التابعة لنا من بعثة الأمم المتحدة في مالي”.

اقرأ أيضاً: أردوغان “يتوسَّل” قصر الرئاسة الجزائرية لمحو خسارة “الشام” والاتحاد الأوروبي

يؤكد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية؛ علي ربيج، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، أن محاولة إنكار تركيا علاقتها بالمرتزقة الذين يصلون إلى ليبيا، يجعل الأمر صعبًا إثباته من الناحية القانونية، “إلا في حالة تحرك الأمم المتحدة برفع دعوى قضائية لدى المحاكم الدولية تحمِّل أنقرة مسؤولية جلب هؤلاء المرتزقة”، قائلاً: إن مستقبل المرتزقة القادمين من سوريا إلى ليبيا سيكون مثل سابقيه في العراق وسوريا وغيرهما من مناطق النزاع؛ أي بمجرد انتهاء الأزمة والوصول إلى تفاهمات بين أطراف النزاع في ليبيا، “سيتحول هؤلاء إلى وجهاتٍ أخرى؛ لأنهم ببساطة يسعون لجني الأموال على حساب حياة الأبرياء”.

أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية علي ربيج

وواصل ربيج: في ما يتعلق بمنطقة الساحل، الدولة الليبية باتت في مأزق أمني؛ بسبب انهيار المؤسسات الأمنية، حيث إنها لم تعد تسيطر على حدودها ولا أراضيها؛ ما يجعل دول الجوار، ومن بينها الجزائر، تأخذ على عاتقها مسؤولية حماية الحدود، مضيفاً أن المنطقة مفتوحة على كل السيناريوهات؛ خصوصاً أنها جاذبة للعناصر الإرهابية، وعليه فهي مرشحة لأن تكون بؤرة توتر في المستقبل.

 وختم ربيج بأنه حتى في حال هدأت الأوضاع في ليبيا، فإن منطقة الساحل لن تعرف الاستقرار.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

علي ياحي

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة