الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

مستقبل “مالي” بينَ مطرقة الجهاديين وسندان فاغنر

دول إفريقية كثيرة بدأت تتجه نحو روسيا خشية خذلان الغرب وهذا ما حدث في موزمبيق وإثيوبيا والسودان وأخيراً مالي

كيوبوست- عبد الجليل سليمان

ما إنْ أحكم المجلس العسكري قبضته على السلطة في جمهورية مالي؛ حتى نادى مُرتزقةَ فاغنر أن اهبطوا باماكو واضربوا في أرض مالي تنقيباً عن الذهب واليورانيوم، فيما نشطت المجموعات الجهادية مستغلة الفراغ الأمني جراء التنافس الروسي الغربي الناشئ في منطقة الساحل، حيث أسفر هجوم إرهابي، مطلع مارس الماضي على معسكر موندورو، وسط البلاد، عن مقتل 27 من عناصر الجيش المالي، فضلاً على مقتل جنديين في هجومٍ منفصل بمنطقة غاو شمال البلاد، كما لقِي جُنديان مصريان حتفهما جراء تعرض قافلة لوجستية تابعة لبعثة الأمم المتحدة لهجومٍ بعبوة ناسفة.

اقرأ أيضاً: خشية التحاقهم بفاغنر.. الاتحاد الأوروبي يُجمِّد التدريبات العسكرية للجنود الماليين

ويُذكر أنّ قراريْ باريس وبروكسل بسحبِ القوات الفرنسية المشاركة في عملية برخان، والقوات الأوروبية (تاكوبا) من مالي خلال أشهر، ونشرها في دولٍ أخرى بمنطقة الساحل، أثارت الكثير من المخاوف بإمكانية عودة الجهاديين بقوة وزعزعة أمن واستقرار المنطقة برمتها، وهذا ما لفت إليه كلٌّ من نانا أكوفو أدو رئيسة غانا، والحسن واتارا رئيس ساحل العاج، فيما وصف بعض المراقبين الانسحاب الفرنسي بالتكتيكي، لإثبات عدم قدرة مجموعة فاغنر على الحفاظ على درجة الردع الأمني التي كانت توفِّرها فرنسا في مواجهة المتطرفين.

مؤيدون للمجلس العسكري في مالي يعبرون عن فرحتهم بخروج القوات الفرنسية- وكالات

خسارة سياسية واستراتيجية

وفقاً لمحمود الدنّعو، الصحفي المُتخصص في الشؤون الإفريقية، في حديثه لـ “كيوبوست”، فإنّ روسيا لم تكن لتتسلل إلى مناطق النفوذ الفرنسية التقليدية في مالي وإفريقيا الوسطى بشكلٍ خاص، لولا سوء إدارة باريس للعلاقة مع مستعمراتها السابقة في إفريقيا، وعدم انتباهها لحساسية العلاقة، حيث لم يكن منطقياً أن تمكث القوات الفرنسية لتسعة أعوامٍ متتالية، دون أن تدرب الجيوش الوطنية، وتسلحها تسليحاً جيداً، بما يشي برغبتها في البقاء لتحقيق مصالحها الذاتية، الأمر الذي أفقدها الثقة، وشكك في الأهداف الحقيقية لوجود قواتها.

محمود الدنّعو

يضيف الدنعو، صحيح أن وجود القوات الفرنسية في الساحل خلق نوعاً من التوازن رغم فشلها في تحقيق انتصارات ميدانية حاسمة، إلّا أن الأهم من ذلك هو تنامى المشاعر العدائية ضد الوجود الفرنسي طويل الأمد، حيث اعتبره البعض احتلالاً بطريقة مختلفة، وهذه خسارة استراتيجية وسياسية فادحة.

إلاّ أن من يتحمل القدح المعلى في تردي الأوضاع الأمنية والاقتصادية في مالي، هو المجلس العسكري برئاسة أسيمي غويتا، فالرجل لا يمتلك رؤية اقتصادية لإنقاذ الشعب من الفقر، ولا خطة عسكرية لمكافحة الإرهاب، والخروج بالبلد من النفق المُظلم -بحسب الدنّعو- الذي قال لـ”كيوبوست” إن الانقلاب العسكري وضع البلاد بين فكي كماشة فاغنر والمتطرفين.

اقرأ أيضاً: بين الحرب والحوار.. هل تحقق مقاربة (بازوم) في الساحل ما فشلت فيه برخان؟

عودة الدُب الروسي

بالنسبة للمجلس العسكري الحاكم في باماكو، فقد عمل منذ انقلاب أغسطس 2020 على الرئيس إبراهيم كيتا، ومع تعزيز قبضة الكولونيل أسيمي غويتا، من خلال انقلابه الثاني في مايو 2021، أبدى مواقف عدائية راديكالية تجاه الوجود الفرنسي في مالي، واتجه للتعامل مع مجموعة فاغنر الروسية التي تزايد نشاطها بوتيرة متسارعة في عموم القارة الإفريقية، في الأعوام الأخيرة، ما يؤشر إلى أنّ دولاً إفريقية كثيرة تتجه نحو روسيا خشية خذلان الغرب، وهذا ما حدث في موزمبيق وإثيوبيا والسودان، وخلافها.

مشهد لسحب وحدة برخان من منطقة تساليت على الحدود المالية الجزائرية- وكالات

بطبيعة الحال، فإنّ الشعور المُتنامي بالقلق إزاء إمكانية انهيار الدولة في مالي له ما يبرره، فقدرة المجلس العسكري الحاكم على مواجهة تحديات الارهاب والاقتصاد ليس مشكوكاً فيها فحسب، بل تكاد تكون منعدمة تماماً، وإلّا لما استدعى نحو 400 عنصر قوام مجموعة فاغنر في مالي بهدف الحماية الشخصية في الغالب، إذ لا يُمكن أن تفرض هذه المجموعة الصغيرة من المرتزقة الأمن في مساحة تتجاوز 900 ألف كيلو متر مربع، وتقضي على الجهاديين.

اقرأ أيضاً: ساحل العاج.. الحرب على الإرهاب من خلال التنمية

 ستبقى في الجوار

من وجهة نظر الصحفية والمحللة السياسية، أفراح تاج الختِم، فإن ديدن الانقلابيين في إفريقيا هو حماية أنفسهم حتى لو أدَّى ذلك إلى التفريط في الأمن القومي للدولة، ولن يكون مجلس أسيمي غويتا استثناءً عن القاعدة، فها هو يضغط على فرنسا التي تمتلك 5 آلاف جندي، فضلاً عن قوات تكوبا الأوروبية مُقابل بضع مئات من المرتزقة، الأمر الذي سيُحفِّز المتطرفين على التمدد في المزيد من الأراضي في مالي، وعبر الحدود، إلى الدول المجاورة ذات الإمكانيات العسكرية المحدودة، مثل النيجر وبوركينا فاسو.

أفراح تاج الختم

تضيف تاج الختِم في حديثها إلى “كيوبوست”، لا شك إن القوات الفرنسية التي سيتم سحبها من مالي لن تغادر إلى باريس، بل ستبقى في الجوار، ربما في موريتانيا وتشاد، بجانب النيجر التي أكد الرئيس الفرنسي ماكرون في فبراير المنصرم أن الجنود الأوروبيين المتمركزين في مالي سينتشرون في النيجر، فيما كشفت رئاسة أركان الجيش الفرنسي عن أن ما بين 2500 إلى 3 آلاف جندي فرنسي سيبقون في منطقة الساحل بعد الانسحاب من مالي، خلال ستة أشهر، وهذا لا يؤشر فقط إلى إمكانية عودتهم إلى باماكو حال تحسن العلاقات، بل إلى ما يكتنف الانسحاب الفرنسي من مناورة تكتيكية لإرغام المجلس العسكري الحاكم على التخلي عن فاغنر، والعودة بالبلاد من طريق روسيا الوعر، بحسب تعبيرها.

اقرأ أيضاً: بعد الانسحاب الفرنسي.. كيف ستبدو خارطة الإرهاب في مالي والساحل؟

تختتم تاج الختِم، مشيرة إلى أن دولاً عديدة غرب إفريقيا، بجانب مالي، النيجر، تشاد، نيجيريا، ساحل العاج، النيجر، بوركينا فاسو، تعاني تهديدات إرهابية محتملة، في مقدمتها؛ بنين، وتوغو، وغانا، الأمر الذي يتطلب مساهمات دولية مقدرة ليس بإرسال القوات فقط، وإنما بتدريب الجيوش الإفريقية، وتسليحها، والعمل على تكريس الاستقرار السياسي، والديمقراطية، ومساعدة الحكومات في خطط التنمية، وتحقيق الأمن الغذائي، إذ يُعتبر الفقر والبطالة السببين الرئيسيين في التحاق الشباب الإفريقي بالحركات الجهادية المتطرفة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة