الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

مستقبل النفوذ الإقليمي لتركيا وإيران في الوطن العربي

رسالة ماجستير تحدد سيناريوهات مستقبل النفوذ الإقليمي لأنقرة وطهران في المنطقة

كيوبوست

حدَّدت رسالة ماجستير أعدها الباحث مصطفى صلاح، بقسم العلوم السياسية في جامعة أسيوط المصرية، بعنوان “تطور العلاقات التركية- الإيرانية منذ عام 2011 وتأثيرها على الأمن القومي العربي”، سيناريوهات مستقبل النفوذ الإقليمي لتركيا وإيران في المنطقة.

واعتبرت الرسالة أن ضعف الدول العربية، وخلافاتها بعضها مع بعض، هو بداية المساهمة في السماح لكل من تركيا وإيران لتحقيق أهدافهما الإقليمية؛ بسبب اتجاه الدول العربية إلى التحرك بصورة أحادية تجاه مواجهة الأخطار التي تهدد أمنها من خلال زيادة قدراتها العسكرية، أو إقامة تحالفات خارجية دونما الاعتبار لمصالح الدول العربية الأخرى وأمنها الإقليمي.

نفذت تركيا عملية عسكرية في سوريا – أرشيف

مستقبل النفوذ الإقليمي التركي

تزايد الاهتمام بالدور التركي في المنطقة العربية؛ لا سيما بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، واعتماد توجهات إقليمية كان لها التأثير المباشر في تدخلها في أزمات المنطقة وقضاياها، كما أن تحديد مسارات السياسة الخارجية التركية مستقبلاً يتوقف بصورة أساسية على عاملين؛ الأول مرتبط بالعوامل الداخلية التي تمتلكها تركيا لتعزيز نفوذها الإقليمي في المنطقة العربية، والثاني يتمثل في الأحداث الإقليمية التي تشهدها المنطقة العربية بما يؤثر سلباً أو إيجاباً على مستقبل نفوذها الإقليمي، وفي ما يلي أهم السيناريوهات المحتملة لمستقبل النفوذ الإقليمي التركي:

  • تعزيز النفوذ الإقليمي التركي وتراجع نفوذ الدول العربية:

يستند هذا المسار إلى افتراض أن الدور التركي سيشهد صعوداً في المرحلة القادمة في حال تمكنها من الحفاظ على استقرارها الداخلي بمختلف مستوياته، ومن ثم تعزيز توجهاتها الإقليمية، كما يفترض تعزيز تأثير النفوذ الإقليمي لكل من تركيا وإيران؛ بسبب تراجع نفوذ الدول العربية الإقليمي، وتوجيه سياستها لمواجهة التهديدات الداخلية. ويجب الإشارة إلى أن هذا الوضع يمثل امتداداً للأوضاع العربية قبل اندلاع الثورات العربية؛ حيث تراجع نفوذ الدول العربية، وهو ما أدى إلى زيادة النفوذ التركي.

اقرأ أيضًا: موجة جدل واستنكار لاجتماع مُغلق بين أردوغان والغنوشي في إسطنبول

ولتحقيق هذا السيناريو لا بد من توافر عدة عوامل، من أهمها التنسيق والتعاون بين كل من تركيا والولايات المتحدة في ما يتعلق بركائز سياسة تركيا الإقليمية؛ حيث إن تركيا تُعد من الدول الحليفة للولايات المتحدة وتعتمد عليها في تنفيذ أهدافها في المنطقة، ومن ثمَّ فإن التعاون بينهما يمكن أن يُسهم في تعزيز أنقرة لنفوذها الإقليمي، فضلاً عن استمرار تراجع النفوذ الإقليمي للدول العربية، وضعف النظام الإقليمي العربي.

  • تراجع النفوذ الإقليمي التركي:

يفترض هذا المسار تراجع الدور التركي الإقليمي وفشل استراتيجيتها الإقليمية القائمة على الدمج بين قضايا الداخل والخارج، وتراجع قدرتها على انتهاج سياسة متكاملة، ومن ثمَّ توجيه سياستها إلى التركيز على إصلاح الأزمات الداخلية، وبناء عليه يمكن أن يشهد النفوذ الإقليمي التركي تراجعاً بسبب العديد من المؤشرات؛ من أهمها زيادة مستوى الصراع الداخلي بين حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي، والأحزاب العلمانية، بالإضافة إلى تصاعد الخلافات الداخلية مع الأكراد، وتفاقم التهديدات الاقتصادية التي ستؤثر على النفوذ الإقليمي التركي.

اقرأ أيضاً: محاولات تركية- قطرية “للتسلل” إلى الجزائر عبر بوابة “القبائل”

من بين هذه المؤشرات أيضاً عدم قدرة حزب العدالة والتنمية الحاكم على إحكام سيطرته على مجريات الأوضاع السياسية الداخلية، وكذلك عدم قدرته على الفوز في الانتخابات؛ وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تعزيز الأحزاب المعارضة لمواجهته. وبناءً عليه تراجع قدرة الحزب على تحقيق نفوذه الإقليمي، فضلاً عن تراجع أهمية تركيا بالنسبة إلى الدول الكبرى؛ وبخاصة الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عدم قدرتها على تقديم نفسها كدولة مهمة في استراتيجية الدول الغربية.

تراجعت شعبية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بصورة كبيرة مؤخراً

وضمن هذا السياق، فإن هناك الكثير من العوامل الداعمة لهذا السيناريو؛ من أهمها توجهات تركيا الإقليمية تجاه المنطقة العربية، بعد أحداث الثورات العربية في عام 2011، حيث إن اختلاف السياسة التركية تجاه التعامل مع دول المنطقة أسهم في تراجع صورتها كدولة تؤسس توجهاتها على مبادئ الحرية والمساواة، وذلك بعدما أظهرت ارتباطاً وثيقاً بالجماعات الإسلامية في الدول العربية التي تعتبرها الدول العربية عاملاً لتهديد مصالحها، كما أظهرت عدم حياديتها تجاه قضايا المنطقة، ودعَّمت هذه الجماعات في ليبيا ومصر وسوريا وتونس.

اقرأ أيضاً: هل بدأت تركيا المتاجرة بأقلية الإيغور الصينية المسلمة

  • محدودية الدور التركي:

يرتكز هذا المسار على افتراض أن النفوذ الإقليمي التركي سيكون هامشياً أو محدوداً؛ بسبب عجز تركيا عن القيام بدور مؤثر في القضايا الإقليمية، ومن ثمَّ القضايا الدولية، وذلك وَفق عدة مؤشرات؛ منها عدم قدرة أنقرة على تحقيق التوازن في علاقاتها الإقليمية والدولية، بسبب ارتباط سياساتها بالجماعات الإسلامية، ومن ثمَّ تصاعد الرفض الإقليمي للنفوذ التركي بصورة تؤثر على نفوذها الإقليمي، وفشل المفاوضات مع دول الاتحاد الأوروبي في ما يتعلق بفرص انضمام تركيا، ومن ثمَّ سيقف هذا في وجه تعزيز نفوذها الإقليمي في المنطقة العربية.

اقرأ أيضاً: الاختراق التركي المقلق في ليبيا

كما يستند هذا المسار إلى تراجع النفوذ الإقليمي التركي في التأثير على مجريات الأحداث في العراق الذي يعد من أهم الدول في الاستراتيجية الإقليمية التركية، ومن ثمَّ فمن المرجح أن يمثل ذلك انعكاساً سلبياً على المصالح التركية، وتراجعاً لنفوذها، فضلاً عن قيام الولايات المتحدة بمواجهة النفوذ الإقليمي لتركيا بعدما كانت تعتمد عليه بصورة كبيرة في حماية مصالحها داخل المنطقة العربية؛ خصوصاً بعدما شهدت علاقاتهما خلافات متصاعدة.

السيناريوهات المحتملة لمستقبل النفوذ الإقليمي الإيراني:

إن الحديث عن مستقبل الدور الإيراني ليس بالأمر اليسير، وذلك لاعتبارات عديدة؛ من أهمها الوضع الداخلي المتغير، والعوامل الإقليمية، بالإضافة إلى العوامل الدولية التي تتصف بعدم اليقين. ورغم هذه الصعوبات؛ فإنه يمكن وضع أطر استشرافية تحدد مكانتها المستقبلية من خلال العديد من المؤشرات. ورغم النجاحات التي حققتها إيران في نفوذها الإقليمي المتصاعد؛ فإن هذا النفوذ يواجه مجموعة من التهديدات التي قد تنعكس بصورة تحِد من تأثيره أو تدفعه إلى التراجع، ولعل أبرز هذه السيناريوهات ما يلي:

  • استمرار النفوذ الإقليمي الإيراني:

يرتكز هذا السيناريو على إمكانية احتفاظ إيران بمناطق نفوذها وبالإنجازات التي تحققت لها في المنطقة العربية، ومن ثمَّ استمرار تأثيرها على صانعي القرار السياسي للدول الخاضعة لنفوذها، ولتحقيق هذا السيناريو لا بد من توافر عدة شروط؛ من أهمها تمكن إيران من الالتفاف على العقوبات الدولية بطرق جديدة وغير مباشرة، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال استثناء بعض الدول من العقوبات الأمريكية على إيران بشكل كامل، ومن ثمَّ انخفاض نسبة السيولة من العملات الأجنبية المتدفقة وإن كانت ستشهد انخفاضاً بنسبة غير مؤثرة.

اقرأ أيضًا: ماذا بعد هجمات “أرامكو”؟

ويفترض هذا السيناريو استمرار إيران في اتجاه تعزيز نفوذها الإقليمي، من خلال استثمار عدم وجود استراتيجية عربية، بالإضافة إلى دعمها بعض الجماعات التابعة لها، والمناهضة لأنظمة الحكم العربية، من خلال تقديم كل أنواع الدعم؛ خصوصاً تلك التي ترتبط معها بروابط أيديولوجية وجغرافية واجتماعية.

يتظاهر الإيرانيون في الخارج مطالبين بإسقاط النظام القمعي – أرشيف

ومن ثمَّ، فمن المتوقع في حال تحقق هذا السيناريو استمرار النفوذ الإقليمي الإيراني، ونفوذه المتصاعد بنفس الدرجة أو بصورة أقل قبل مرحلة فرض العقوبات الدولية عليها؛ خصوصاً مع استمرار علاقاتها وتحالفاتها بما يحقق مصالحها.

  • التراجع التدريجي للنفوذ الإقليمي الإيراني:

يعتمد هذا السيناريو على إمكانية تراجع النفوذ الإقليمي الإيراني بشكل جزئي في بعض المناطق مع تقديم بعض التنازلات وقبولها بالتسوية في بعض الملفات، بالتوازي مع ذلك تخفيض قواعدها ومواقعها العسكرية في الدول العربية، وتقييد نفوذها في اليمن وسوريا والعراق ولبنان، ولتحقيق هذا السيناريو لا بد من توافر عدة عوامل؛ من أهمها التزام الدول بالعقوبات الدولية المفروضة على إيران بصورة جزئية؛ تجنباً للمواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية، واقتناع الجانب الإيراني بخطورة الاستمرار في انتهاج مثل هذه السياسات التي ستؤدي إلى فرض مزيدٍ من الضغط الإقليمي والدولي، ومن ثمَّ محاولة التوصل إلى اتفاق جديد لمواجهة نفوذها الإقليمي.

اقرأ أيضاً: هل يكشف المستقبل القريب عن قنبلة نووية إيرانية؟

  • تراجع النفوذ الإقليمي الإيراني بصورة جذرية:

يرتكز هذا السيناريو على فرضية أساسية قوامها أن تؤدي العقوبات الأمريكية والرفض الإقليمي للنفوذ الإيراني إلى إحداث خلل كبير في الاقتصاد الإيراني، وهو ما قد يدفع إيران إلى التفاوض مجدداً والقبول بتقديم تنازلات كبيرة. ولكي يتحقق هذا السيناريو لا بد من توافر عوامل عديدة؛ من أهمها انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني، وفرض مزيد من العقوبات الدولية عليها، وهو ما تحقق بالفعل مع قيام روسيا بالضغط على إيران في سوريا؛ تمهيداً للاستحواذ المطلق على الأوضاع السياسية الإقليمية والدولية الخاصة بالأزمة، خصوصاً بعد انتهاء النفوذ الإقليمي الإيراني هناك.

اقرأ أيضاً: من تاريخي إلى “كارثي”: قصة الاتفاق النووي مع إيران

كما يتطلب هذا السيناريو استمرار الاحتجاجات الداخلية الشعبية بصورة قوية تحت تأثير العقوبات الاقتصادية والضغط على النظام السياسي للالتفات إلى الشؤون الداخلية، وتشكيل التحالفات العربية لمواجهة النفوذ الإقليمي الإيراني في المنطقة العربية، كما حدث في اليمن بعد تشكيل التحالف العربي لدعم الشرعية، بالإضافة إلى الرفض الشعبي العربي للنفوذ الإيراني داخل الدول العربية؛ لما له من تأثير على تصاعد الأزمات والفوضى لتحقيق مصالحها.

  • التوازن الإقليمي متعدد الأطراف:

بالنظر إلى العوامل الإقليمية التي تشهد تحولات كبيرة، يمكن القول إن المحاور والتحالفات الإيرانية هي الأخرى تخضع لنفس المؤثرات، حسب ما تقضيه الأهداف الإيرانية، ومن ثمَّ فإن أمام إيران عدة اتجاهات لتتمكن من الاستمرار في ممارسة نفوذها الإقليمي؛ أولها: محور الممانعة أو المقاومة والمتمثل في سوريا، وحزب الله اللبناني، والحوثيين في اليمن، والحشد الشعبي في العراق.. وغيرها من الحركات والجماعات الشيعية الناشطة في المنطقة. وثانيها: المحور الإيراني بالتعاون مع جماعة الإخوان المسلمين، والمتمثل في حركة حماس الفلسطينية، وحزب النهضة التونسي، والإخوان في مصر، والحزب الإسلامي العراقي بالتعاون مع قطر وتركيا. وثالثها: المحور الهجين والذي يضم تنظيمات مختلفة في الهوية والانتماء والدين. ورابعها: المحور الدولي مع روسيا والصين ودول أمريكا اللاتينية وكوريا الشمالية. وتجب الإشارة هنا إلى أنه عند بحث وتحليل هذه التباينات في تحالفات إيران نجد أنها نجحت في تكوين تحالفات تختلف من حيث القوة والضعف، وإن كان البعض منها يناقض السياسة الإيرانية.

نماذج الرؤوس النووية الإيرانية خلال استعراض عسكري في طهران- أرشيف

اقرأ أيضاً: إسرائيل تخترق أنظمة العمل في ميناء إيراني

ويرتكز هذا السيناريو على أساس أن إيران ستمارس دوراً مؤثراً في المنطقة العربية؛ ولكن في ظل توازن قوى استراتيجي متعدد الأطراف، ويعتمد هذا الاتجاه على العديد من العوامل؛ من أهمها أن هناك العديد من القوى الإقليمية العربية وغير العربية تؤثر بصورة مباشرة في قضايا الإقليم، وتمتلك هذه القوى القدرة على التأثير في مجريات الأوضاع في المنطقة، ومن ثمَّ لا يمكن تجاهل الإمكانيات التي يمتلكها كل طرف تجاه التفاعلات والمخرجات القائمة والمحتملة داخل المنطقة العربية.

  • التعاون بين الدول العربية وإيران:

يفترض هذا السيناريو حدوث تعاون وتنسيق بين كل من إيران والدول العربية؛ بسبب إيقاف إيران أنشطتها النووية واقتصار برنامجها النووي على الأغراض السلمية، وتأكيد التزامها بالضمانات السياسية والأمنية التي تحقق هذا التعاون وعدم دعم الجماعات الشيعية التابعة لها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وربما تسعى إيران إلى تعزيز علاقاتها مع بعض الدول العربية؛ بهدف إحداث حالة من التشتت والتشرذم في الاستراتيجية العربية، ومنعها من بلورة رؤية عربية موحدة في مجال الدفاع والأمن الإقليمي، إلا أن هناك العديد من العوامل المؤثرة على تعاونهما؛ من أهمها انعدام الثقة المتبادلة بينهما، وغياب التعاون والتنسيق المشترك.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة