الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

مستقبل الحروب

الولايات المتحدة تتجه نحو مقاربة الربط المباشر في منظومة القيادة والسيطرة

كيوبوست- ترجمات

هنالك مثل قديم يقول “لا تضع كل البيض في سلة واحدة”، وهذه حكمة جيدة؛ خصوصاً في ما يتعلق بالأمور العسكرية. فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، تستعمل طائرات بوينغ جامبو معدلة تُسمى ” jstars” كمراكز تحكم طائرة لغرض المسح الجوي والعمليات. وهذه الطائرات محملة بالتجهيزات المعدة لغرض قيادة المعركة عن طريق رصد وتحديد الأهداف وتتبعها وتوجيه قطعات عسكرية أخرى للتعامل معها، وقد قامت هذه الطائرات بمهامها على أكمل وجه لعقود خلت؛ ولكن الزمن قد تغيَّر، فهذه الطائرات تترك بصمة إلكترونية واضحة على أجهزة الرادار، وتشكل “هدفاً كبيراً بطيء الحركة”، كما يقول عنها ويل روبر، رئيس المشتريات في القوات الجوية الأمريكية.

وتتزايد شكوك مشابهة حول الأقمار الصناعية والسفن الحربية وغيرهما من القطع العسكرية الكبيرة العاملة في مهام القيادة والسيطرة في القوات العسكرية الأمريكية. ركز جنرالات الجيش الأمريكي خلال العقدَين الماضيَين جلَّ اهتمامهم على مواجهة الأشكال المختلفة من الحرب غير التقليدية، ولذلك تمكنت هذه القلاع العاملة في السماء، وفي البحر، من أداء مهامها بشكل جيد. وفي غضون ذلك تمكن خصوم الولايات المتحدة من تطوير قواتهم التقليدية؛ بما في ذلك الأسلحة القادرة على تدمير هذه القلاع. وقد تمكنت الصين وروسيا من تدمير أقمار صناعية في مداراتها، وطورتا، ولا تزالان تطوران، منظومات صاروخية مضادة للطائرات والسفن بعيدة المدى.

اقرأ أيضاً: خبير روسي: هل تصمد روسيا أمام الحرب التكنولوجية الأمريكية؟

نتيجة لذلك، تحاول الولايات المتحدة أن تبتكر مقاربات مختلفة لمسألة القيادة والتحكم. وأطلقت وزارة الدفاع اسم “القيادة والسيطرة المشتركة الشاملة” على هذه المقاربة التي تهدف إلى التخلص من نقاط الضعف في منظومتها من خلال مضاعفة نقاط الربط المباشرة التي تربط بين القطع العسكرية بشكل مباشر، بدلاً من الربط من خلال مركز تحكم، ربما يتعرض إلى التدمير بصاروخ واحد جيد التوجيه.

ولا يقتصر هذا الطموح على الحد من نقاط الضعف في المعدات المتطورة مرتفعة التكاليف؛ بل يهدف إلى بناء شبكة ضخمة تربط بين “جميع أجهزة الاستشعار، وجميع مصادر النيران”، حسب تعبير مسؤولين عسكريين. وعند اكتمالها سوف تغطي هذه الشبكة حتى المستشعرات الصغيرة؛ مثل مناظير الرؤية الليلية عند الجنود، وعوامات السونار العائمة في البحار، ومصادر النيران؛ كبطاريات المدفعية والطائرات المسيرة المحملة بصواريخ “هيل فاير”.

القدرة على الاستشعار

أحد المستفيدين المحتملين من مقاربة “القيادة والسيطرة المشتركة الشاملة” هو شركة “أندوريل أنداستريز”؛ وهي شركة مقرها في كاليفورنيا، تقوم بصناعة أجهزة الاستشعار اللازمة في منظومة الربط بين المستشعر ومصدر النيران، وتشمل منتجاتها طائرات تجسس عمودية مسيرة، وأجهزة الرادار، ومنظومات بصرية تعمل بالأشعة تحت الحمراء تُقام كأبراج تعمل بالطاقة الشمسية، ومستشعرات أرضية بحجم كتاب يمكن تمويهها بشكل صخور. وقد قامت القوات الجوية الأمريكية بإجراء تجربة ربطت فيها هذه المنتجات مع طائرات مقاتلة، وبطاريات مدفعية، وصواريخ أرض جو، وطائرات مسيرة من طراز “هنتر كيلر”. وكما يقول كريستيان بروز المدير السابق لموظفي لجنة القوات المسلحة في الكونغرس، ومدير الاستراتيجية في شركة “أندوريل” حالياً، فإن تنوع التجهيزات التي تحتوي عليها هذه المنظومة يسمح باستبدال القطع التي تفشل في تحقيق الفائدة المرجوة منها في ظرف معين، والتعويض عنها بأخرى ملائمة لهذا الظرف.

اقرأ أيضاً: إذا اندلعت الحرب بين روسيا والولايات المتحدة.. لمن ستكون الغلبة؟

إنها ليست لعبة

وتأتي هذه المستشعرات بأشكال أكثر تنوعاً من تلك التي تصنعها شركة أندوريل. ويمكن أن نأخذ فكرة عما قد تكون عليه هذه التجهيزات من خلال الروبوت ذاتي الحركة يشبه الكلب الذي صنعته شركة “غوست روبوتيكس” في فيلادلفيا. فبالإضافة إلى الأشعة تحت الحمراء ومنظومة الفيديو يمكن تجهيز هذا الجهاز ذي الأرجل الأربع الذي يعرف باسم “v60 q-ugv” بمستشعرات صوتية تستطيع تمييز صوت خطوات البشر والحيوانات، وماسح للموجات المليمترية (الرؤية من خلال الجدران) ومستشعرات للإشعاع والمواد الكيميائية، والإشارات الكهرومغناطيسية. وبفضل أجهزة الملاحة التي تم تطويرها من أجل السيارات ذاتية الحركة يستطيع جهاز “v60 q-ugv” التجول في المناطق الوعرة، وتسلق السلالم، والاختباء من الناس. وفي اختبار قامت به القوات الجوية، تمكن هذا الروبوت من تحديد منصة إطلاق صواريخ متحركة وإعطاء موقعها مباشرة إلى فريق المدفعية.

روبوت “v60 q-ugv” العسكري ذاتي الحركة من إنتاج شركة “غويت روبوتيكس”- “ذا إيكونوميست”

مجرد الاتصال

الذكاء الاصطناعي هو أحد المكونات الرئيسية في كل ذلك؛ فمن بين مهام كثيرة يستطيع الذكاء الاصطناعي اختيار التجهيزات الأفضل لتدمير التهديدات التي قد “تظهر فجأة في أرض المعركة”، كما يقول تود هاريسون، المحلل المختص في الشؤون الدفاعية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، الذي يشبه عملية الاختيار هذه بالطريقة التي تقوم بها تطبيقات الهواتف الذكية باختيار السائق الأكثر ملاءمة للشخص الذي يطلب سيارة تاكسي. وكلما كانت عملية معالجة الذكاء الاصطناعي أكثر لا مركزية كان ذلك أفضل؛ لأن ذلك يقلل من كمية البيانات التي يجري إرسالها، ومن ثمَّ يقلل كمية البيانات التي يمكن للعدو اعتراضها أو سرقتها.

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت حرب المعلومات الإلكترونية أخطر أسلحة الصراعات؟

كما أن استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل أكبر في عمليات القيادة والسيطرة المشتركة الشاملة سوف يقلص من الوقت اللازم لإعطاء الأوامر بتوجيه الضربات؛ فالإجراءات الحالية تتطلب نقل البيانات الأولية من المستشعرات إلى مركز عمليات يجمع هذه البيانات ويدرسها قبل أن يأمر الضباط القياديين بتوجيه الضربات. هذه الإجراءات قد تستغرق عشرات الدقائق يتمكن خلالها الهدف من الإفلات أو المقاومة، كما يقول جيف كلاين ضابط البحرية المتقاعد الذي يشغل حالياً وظيفة باحث في كلية الدراسات العليا البحرية في كاليفورنيا. والذكاء الاصطناعي قادر على اختصار هذا التأخير؛ ففي عرضٍ جرى في سبتمبر الماضي، تمكنت وحدة مدفعية يتحكم بها الذكاء الاصطناعي وتتلقى تعليماتها من مشعرات القوات الجوية من إسقاط صاروخ كروز خلال زمن وصفه الدكتور روبر بأنه “صاعق”.

منظومة القيادة والسيطرة المشتركة الشاملة تؤمن تواصلاً مباشراً بين مختلف الوحدات العسكرية حول العالم- وكالات

إن نظام القيادة والسيطرة المشتركة الشاملة المعزز بالذكاء الاصطناعي لا يعِد بتوفير قرارات أسرع فحسب؛ بل يمكنه على سبيل المثال أن يكلف طائرات بمهام قصف تتطلب تزوداً بالوقود أثناء التحليق باتجاه الهدف، فيأخذ في الحسبان أموراً؛ مثل سرعة الرياح، والدفاعات الجوية المعادية، وارتفاع الطيران ووزن الحمولة، وإمكانية إخفاء الطائرات عن شاشات الرادار المعادية، كما يمكن للذكاء الاصطناعي الاستفادة من جميع الإمكانات المتوفرة التي يمكن أن يغفل عنها مصدرو الأوامر من البشر.

ولعل الأهم من ذلك أن نظام القيادة والسيطرة المشتركة الشاملة سوف يبتكر مسارات عمل لم يكن متاحاً للقادة أن يدركوا وجودها من دونه. فالذكاء الاصطناعي يمكنه على سبيل المثال تتبع المعلومات الإلكترونية الحكومية التي لا تُحصى، واقتراح الإجراءات الأمثل لعملية ما. ويمكنه أن يفيد قائد عملية ما أن البناء المزمع قصفه يمكن إخلاؤه بفضل القدرة على تشغيل نظام إنذار الحريق ومرشّات المياه فيه، أو يمكنه أن يستنتج أن تعطيلاً مؤقتاً للكهرباء وشبكة الاتصالات في منطقة ما سوف يغني عن توجيه ضربة عسكرية. كما يمكنه أيضاً تحديد التأثيرات الجانبية لعملية ما، والتحذير، على سبيل المثال، من أن ضربة معينة قد تؤدي إلى تلوث مصادر المياه المحلية.

اقرأ أيضاً: سلاح القرصنة الإلكترونية الإيراني يتطور.. وهذه هي أبرز الملامح!

يتصور المتحمسون لمنظومة القيادة والسيطرة المشتركة الشاملة نظاماً واسع النطاق؛ فمن خلال غربلة صور الأقمار الصناعية يمكن للذكاء الاصطناعي أن يشير إلى تغيرات مقلقة في نشاط مرفأ ما، على سبيل المثال. كما يمكن أن تنبه المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي منظومة الذكاء الاصطناعي إلى وجود تحركات غير عادية للجنود في دولة ما. بطبيعة الحال يمكن لهذه المنظومة أن تستوعب التقارير التي يعدها جواسيس بشريون.

رئيس هيئة الأركان المشتركة جون هايتن يقول إن تطوير منظومة القيادة والسيطرة المشتركة الشاملة هو إحدى أولوياته القصوى

ولكن هنالك العديد من العقبات التي تحول دون نجاح كل ذلك؛ ففي المقام الأول سيكون من الصعب تطوير برنامج تشغيل للمنظومة غير قابل للاحتراق، أمراً في غاية الصعوبة. كما أن أعداداً هائلة من التجهيزات والمعدات التي تحتوي على تقنيات سرية؛ سواء أكانت قديمة أم جديدة، يجب أن تربط مع بعضها بطريقة سهلة ودون استخدام هوائيات أو أية معدات أخرى قد تودي بقدرة هذه المنظومة على التخفي.

أيضاً هنالك عوائق بشرية، فمنظومة القيادة والسيطرة المشتركة الشاملة سوف تربط بين منظومات فرعية تعود إلى القوات الجوية والجيش ومشاة البحرية والقوات البحرية والقوات الفضائية ووكالات الاستخبارات، وقد بدأ بالفعل الصراع حول أي من هذه القوات سوف تتوج على قيادة هذه المنظومة والتحكم بها.

من غير المرجح أن يستلم الجيش زمام قيادة المنظومة، فخبرته في التعامل مع شبكات البيانات بعيدة المدى تقل كثيراً عن القدر المطلوب للتحكم في هذه المنظومة وقيادتها.

اقرأ أيضاً: عودة الجاسوسية الروسية.. أهلاً بكم في الحرب الباردة الجديدة

أما البحرية ففي وضعية أفضل؛ فهي حالياً تشغل شبكة مهمة تشمل غواصات وسفناً وطائرات وأقماراً صناعية، إلا أن سمعتها المتمثلة في ميلها إلى العمل باستقلالية ربما تلعب دوراً في تقليل فرصها.

وبالتالي، فإن القائد المحتمل هو القوات الجوية؛ فهي قادرة على العمل على مساحة الكوكب بأسره، وهي تمتلك نظام عقدة الاتصالات المحمولة جواً “Battlefield Airborne Communications Node”، وهي منظومة تقوم بترجمة ونقل البيانات بين مختلف محطات الاتصالات المختلفة دون الحاجة إلى تعديلها أو إلى أن تكون هذه المحطات على مرأى بعضها من بعض. ونجاح القوات الجوية في تشغيل منظومتها يمكن أن يساعدها في بناء نظام عصبي أثيري لمنظومة القيادة والسيطرة المشتركة الشاملة.

عقدة الاتصالات المحمولة جواً “BACN”- وكالات

بالطبع ستكون هنالك حاجة إلى مبالغ طائلة. وعلى الرغم من أن أعضاء الكونغرس يحبون المعدات العسكرية الكبيرة التي تحمل معها وعوداً سياسية في دوائرهم الانتخابية؛ فإنه يصعب بيع الأصول غير الملموسة، مثل بروتوكولات البيانات، وربما تنشأ عقبة أخرى في وجه المنظومة؛ لا سيما أن الحديث بدأ يتزايد عن الخوف من وجود منظومة عسكرية وأسلحة يسيطر عليها الذكاء الاصطناعي، قد تتولى بنفسها يوماً ما القرار بشأن ما يجب مهاجمته على طريقة أفلام “تيرمينيتر”. يصر المسؤولون على أن هذا السيناريو ليس وارداً على الإطلاق، بالإضافة إلى ذلك، فقد تبنت وزارة الدفاع في العام الماضي ميثاق أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الذي يفرض، من بين أشياء أخرى، أن يبقى البشر مسيطرين ومسؤولين عن منظومات الذكاء الاصطناعي. والسؤال هو: هل ستصمد هذه القيود إذا تمكن أعداء أمريكا من تحقيق تفوق من خلال منحهم حرية أكبر للذكاء الاصطناعي لديهم.

اقرأ أيضاً: عن الحرب الباردة التكنولوجية القادمة مع الصين وهواوي

وربما يطرح حلفاء أمريكا مشكلات من نوع مختلف؛ فبعض الدول، خصوصاً الأوروبية، لديها قيود حول استخدام معدات جيوشها في عمليات متعددة الجنسيات، ولن تكون برمجة منظومة القيادة والسيطرة المشتركة الشاملة لمراعاة هذا التباين كما يقول هنريك برايتنباخ، رئيس مركز الدراسات العسكرية بجامعة كوبنهاغن. بالإضافة إلى ذلك، تحتوي شبكات معلومات بعض الحلفاء على مكونات صينية ربما تحتوي على بوابات خلفية تسمح بالتجسس على المنظومة أو تخريبها.

كما أن الجهود التي يبذلها خصوم الولايات المتحدة الرئيسيون لتطوير برامج شبكاتهم العسكرية تزيد من تعقيد المسألة. فليس من الواضح بأي شكل من الأشكال أن أمريكا سوف تتفوق في سباق التسلح هذا؛ فمطورو الذكاء الاصطناعي في الصين يستطيعون تدريب خوارزمياتهم باستخدام مجموعات لا مثيل لها من البيانات التي تم جمعها بفضل ضعف قوانين حماية الخصوصية في البلاد وتعداد سكانها الكبير.

الجيش الأمريكي يوقف مشروعاً لتطوير عملية منظومة “win-t”- “جنرال دايناميكس سيستمز”

أثناء تدريبات في القطب الشمالي، وأثناء القتال في أوكرانيا وسوريا، تمكنت القوات الروسية من اعتراض وتعطيل الإشارات الأرضية وإشارات الأقمار الصناعية، وحددت مواقع الأجهزة المعنية ونقلت الإحداثيات إلى أنظمة الاستهداف. وهذ التطور الكبير قد أقنع الجيش الأمريكي بضرورة تجميد جزء كبير من أعمال التطوير التي يجريها على شبكة اتصالات جديدة تعرف باسم “win-t”. يقول السيد هاريسون: “يجب أن تصبح هذه الشبكة أكثر تماسكاً وقوة وحماية مما هو مخطط لها”.

إذن يجب على خبراء التكنولوجيا الأمريكيين أن يربطوا المعدات العسكرية للبلاد بشبكة “قاتلة” قوية، إلى درجة أن محاولة تعطيلها ستكون مثل “محاولة تفجير بالون بإصبع واحد”، كما يقول تيموثي غرايسون، رئيس التكنولوجيات الاستراتيجية في وكالة الأبحاث التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية. ومع ذلك يجب عليهم إبقاء هذه الشبكة تحت سيطرة بشرية مطلقة.

المصدر: ذا إيكونوميست

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة