الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون دولية

“مسار العائلة المقدسة” على قائمة التراث العالمي

يحيي المصريون كل عام ذكرى رحلة العائلة المقدسة من خلال مهرجانين يشارك فيهما المصريون (مسلمين وأقباطاً)

كيوبوست

أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، الاحتفالات الشعبية المرتبطة بمسار العائلة المقدسة في مصر، ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، وذلك خلال اجتماع لجنة التراث الثقافي غير المادي، المنعقد في المغرب، لبحث 46 طلباً بضم عناصر جديدة للقائمة.

ومسار العائلة المقدسة في مصر؛ رحلة انطلقت بها السيدة مريم العذراء برفقة ابنها الطفل يسوع وخطيبها القديس يوسف (يوسف النجار) من مدينة بيت لحم الفلسطينية إلى مصر، هرباً من بطش الحاكم الروماني هيرودس، وفقاً لإنجيل متى. وعلى مدار ثلاث سنوات ونصف، تنقّلت العائلة المقدسة بين عدة مناطق في مصر، وحصلت معهم عشرات المعجزات.

هربًا من هيرودس الأول

تفيد الرواية الدينية أن حكماء من المجوس، جاءوا إلى القدس بحثاً عن يسوع الطفل، وتوجهوا إلى هيرودس الأول ليسألوه عن مكان الطفل الوليد، معلنين أنه سيكون “ملك اليهود”، ما أصاب هيرودس بجنون العظمة، والخوف من أنّ الطفل سيهدد عرشه، لذلك أراد قتله وشرع بمذبحة الأبرياء، إذ أمر بقتل جميع الأطفال دون السنتين، على أمل أن يكون الطفل يسوع من بينهم.

اقرأ أيضًا: في ناغورنو كاراباخ.. الكنوز المسيحية مهددة بالخطر!

لكن يسوع نجا بفضل ملاك ظهر إلى القديس يوسف في حلم، وأوحى له بأن يأخذ يسوع وأمه إلى مصر، التي كانت تقع ضمن الإمبراطورية الرومانية لكن خارج سيطرة هيرودس، وكان السفر إليها سهلاً وآمناً نسبياً.

لوحة للفنان والمستشرق البريطاني إدوين لونج تظهر وصول العائلة المقدسة إلى مصر

ومع أن المؤرخين يعتقدون أن هيرودس مات عام 4 ق.م، إلّا أن الرواية الدينية تفيد بأن العائلة عادت من مصر بعد موت هيرودس. وتضيف الرواية أن العائلة عادت إلى مدينة الناصرة في الجليل الفلسطيني، وليس إلى بيت لحم، لأن منطقة “يهوذا” كان يحكمها “هيرودس أرخيلاوس” وكان باطشاً وعنيفاً، بينما كانت منطقة الجليل محكومة من قبل “هيرودوس أنتيباس”، الذي كان أكثر رحمة. وفي العام السادس الميلادي، عزل الرومان “هيرودس أرخيلاوس”، استجابة لتذمُّر الناس من بطشه، فانتقلت العائلة إلى بيت لحم.

مواقع المسار

في مصر، تنقّلت العائلة المقدسة بين عدة مناطق، وتوقفوا عند 25 محطة تمتد لمسافة 3500 كيلومتر ذهاباً وإياباً، وتقع في 8 محافظات، من سيناء شرقاً حتى أسيوط جنوباً، وشيّد في معظم تلك النقاط، خلال القرون التالية لرحلة العائلة المقدسة، كنائس وأديرة أو آبار مياه في المواقع التي توقفوا فيها، كما أضيفت مجموعة من الأيقونات القبطية.

وتُولي الحكومة المصرية اهتماماً بالرحلة، فقد دشنت مشروعاً طموحاً، أطلقت عليه “مسار العائلة المقدسة”، في سبيل تحفيز السياحة الدينية، وكانت البداية مع افتتاح “وزارة السياحة والآثار” و”التنمية المحلية” في عام 2021 موقع سمنود بمحافظة الغربية.

ودخلت العائلة المقدسة إلى شمال صحراء سيناء من مدينة رفح، ثم إلى مدينة الفرما القديمة في بورسعيد، واتجهت جنوباً عبر مدينة بوباستيس القديمة (تل بسطة حالياً)، حيث تسبَّب يسوع في انفجار نبعٍ موجود حالياً على شكل بئر، لتروي العائلة عطشها.

اقرأ أيضًا: الكنيسة البيزنطية.. كنز غزة التاريخي الذي يواجه الإهمال والضياع

وصلت العائلة إلى قرية مسطرد (تندرج ضمن القاهرة الكبرى)، حيث استقبلهم الأهالي بالترحاب، ويعتقد أنّ العائلة استحمت وشربت المياه في مكان يطلق عليه المحامة، بعد ذلك، شقّت العائلة المقدسة طريقها إلى مدينة بلبيس في محافظة الشرقية، حيث استظلوا تحت شجرة الجميز، التي أطلق عليها اسم “شجرة مريم العذراء”.

كما عبرت العائلة المقدسة النيل إلى مدينة سمنود في محافظة الغربية. وفي منطقة سخا التي تبعد عن سمنود 20 ميلاً، حفر يسوع بئر ماء آخر، عبر لمسه لحجر فاندفع منه الماء. بعد ذلك اتجهت العائلة غرباً إلى وادي النطرون، الذي بُني فيه في القرن الرابع الميلادي دير “أبو مقار”، ودير “الأنبا بيشوي”، ودير “البراموس”، ودير “السيدة العذراء- السريان”، وفيه عُثر على لوحاتٍ جدارية ترجع للقرون الوسطى.

دير السريان في وادي النطرون

ومن وادي النطرون اتجهت العائلة إلى مدينتي المطرية وعين شمس، حيث استظلت العائلة بشجرة أخرى تعرف بـ”شجرة مريم”، وما تزال الشجرة موجودة، كما فجّر يسوع عين ماء وشرب منه وباركه، ثم غسلت فيه السيدة العذراء ملابس الطفل يسوع، وصبت الماء على الأرض فنبت في تلك البقعة نبات البلسم العطري، ويصنع منه الميرون المقدس.

شجرة مريم التي استظلت بها العائلة المقدسة- ناشيونال جيوغرافيك العربية

وصلت العائلة المقدسة إلى القاهرة القديمة، ومكثوا في كهف، يُعتقد أن العائلة قضت فيه وقتاً طويلاً، وهو من بين أقدس المحطات في المسار، وبُني في الموقع كنيسة أبي سرجة، فيما أصبحت المنطقة مقصداً للحجاج المسيحيين. وكانت آخر محطات العائلة في القاهرة؛ حي المعادي، أُقيمت فيه كنيسة المعادي، ومن هناك انطلقت العائلة بقاربٍ من البردي في نهر النيل إلى الجنوب باتجاه الصعيد، فيما ظهرت صفحة الكتاب المقدس على سطح المياه مشيرة إلى المقولة الشهيرة “مبارك شعبي مصر”.

ومرّت العائلة المقدسة بعدة مناطق حتى وصلت إلى جبل الطير التابع لمركز سمالوط في المنيا، حيث بنيت كنيسة السيدة العذراء ذات الطراز البازيليكي، والتي تضم مغارة صغيرة احتمت بها السيدة مريم والطفل يسوع.

اقرأ أيضًا: مواطن المسيحية في الجزيرة العربية قبل الإسلام

وبعد جبل الطير، قطعت العائلة المقدسة نهر النيل إلى الجهة الغربية إلى قرية الأشمونين، ثم إلى منحدرات جبل قسقام، أكثر مواقع المسار قداسة، ويعتبره أقباط مصر بمثابة “بيت لحم الثانية”، إذ يُعتقد أن العائلة مكثت فيه أطول مدة خلال مسارها؛ بلغت ستة أشهر، وبني فيه دير المحرق، الذي يضم كنيسة، وفيه ظهر ملاك للقديس يوسف أخبره أن هيرودس قد مات، وبإمكانهم العودة.

دير جبل الطير- Anthon Jackson

وعندما همّوا بالعودة، انحرفوا قليلاً باتجاه الجنوب، فوصلوا جبل درنكة في محافظة أسيوط، وبُني فيه دير السيدة مريم، ثم عادوا إلى فلسطين متبعين نفس المسار تقريباً، وسكنوا في مدينة الناصرة ولاحقاً إلى بيت لحم.

يُذكر أن مسار العائلة المقدسة أصبح محط اهتمام العالم المسيحي، تحديداً منذ أكتوبر 2017م، عندما اعتبره بابا الفاتيكان “رحلة حج مسيحي”، وأيضاً لمّا أُدرجت زيارة المسار ضمن زيارات الفاتيكان الرسمية، في مايو عام 2018م.

احتفالات مسار العائلة المقدسة في مصر

يحيي المصريون كل عام ذكرى رحلة العائلة المقدسة من خلال مهرجانين، يشارك فيهما المصريون (مسلمين وأقباطاً).

ويسمى المهرجان الأول “عيد مجيء العائلة المقدسة إلى مصر”، وهو حدث ليوم واحد يقام بشكلٍ عام في بداية شهر يونيو، والحدث الثاني، الذي يسمى “ميلاد العذراء”، هو وليمة تقام في العديد من القرى والمدن، بين شهري مايو وأغسطس.

جانب من الاحتفالات القبطية في قرية دير أبو حنس بمحافظة المنيا- NORBERT SCHILLER

وتشمل أنشطة المهرجانات المتعلقة برحلة العائلة المقدسة؛ الغناء والألعاب التقليدية، والرسم على الجسد، وإعادة تمثيل الرحلة، والمواكب الدينية، والعروض الفنية ومشاركة الأطعمة التقليدية. وتمتلئ الاحتفالات بالمعاني الثقافية واللمسات المميزة للمجتمع المصري، وترتبط بتطوع أهل القرى والمدن لتقديم الخدمات التطوعية للزوار وتبادل الهدايا من خلال الكنائس والأديرة، وداخل العائلات، والمشاركة في الطقوس.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات