ترجماتشؤون خليجيةمقالات

مسؤول أمريكي سابق يكشف كيف تدير أمريكا أزمات حلفائها كالأزمة الخليجية ؟

موقف أمريكا الحقيقي من الأزمة الخليجية

لا يمكن فهم الموقف الأمريكي من أزمة قطر الراهنة بمنطق التصريحات السياسية المباشرة، فالموقف الأمريكي أعمق من ذلك بكثير، فكيف تدعم الإدارة الأمريكية مقاطعة دول الخليج لقطر، في الوقت الذي لازالت تتعاون مع قطر وتقيم على أراضيها قاعدة” العديد”؟  تحت عنوان “مع أصدقاء كهؤلاء”، يحاول رئيس تحرير موقع  The American Interest،  “آدم جارفينكل” وهو مسؤول رفيع سابق في الخارجية الأمريكية، أن يشرح كيف يفكر العقل السياسي الأمريكي في الأزمة الخليجية الراهنة، وهي قراءة غنية تشرح تراكم السياسات الأمريكية في المنطقة منذ هجمات 11 سبتمبر.

ترجمة ” كيو بوست”

الأزمة القطرية القديمة الحديثة مثيرة إلى حدٍّ كبير من منطلقات عديدة، هي في مجملها مناطق مغلقة؛ لا يمكن تجاهل أن مسببات الأزمة ولو جزئيا يقع على عاتق سياسة صنع القرار الأمريكي. وهناك الغموض الذي يكتنف في دور كل شخص في المنطقة. ولكن أحد الجوانب المسببة للأزمة غير ملاحظ تقريباً: ويسلط الضوء على ما سيأتي تالياً من معضلة “الأصدقاء الطغاة”. هنا حليف الولايات المتحدة، والتي تستضيف أهم قاعدة جوية أمريكية في منطقة العديد في قطر، وهو ما يخلق مشاكل مستمرة لحلفاء الولايات المتحدة الآخرين، والأسوأ من ذلك أنها تعطي راحة ومساعدة لعدد من التنظيمات الإرهابية التي تهدد دول صديقة، والولايات المتحدة بحد ذاتها، وهي تفعل ذلك منذ سنين، وما زالت إلى الآن حليفة.

الحقيقة هي أنها ليست بالمعضلة المميزة أو الجديدة على صناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، وخلال الحرب الباردة حافظت الولايات المتحدة على علاقاتها مع العديد من الأنظمة الحاكمة باعتبارهم أقل “شراً” لمواجهة معضلة احتواء الاتحاد السوفييتي.

في تلك الفترة، لم تمر هذه السياسة دون انتقاد، وكان هناك تصرف برغماتي مشابه تم تطبيقه لأسباب أخرى ومع ذلك، جلب هذا التصرف الانتقاد.

إن الفهم العميق للأزمة القطرية وكيفية تقاطعها مع الولايات المتحدة يعني بكل وضوح أنها مصالح سياسية، وبمراجعة مسببي الأزمة القطرية وعلاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية ستثبت أن الأخيرة طرف في الأزمة.

لنعد قليلا إلى الوراء، أيام قليلة بعد الهجوم الإرهابي على الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر، خرج رئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابق جورج بوش، بخاطب للأمة قال فيه: “هناك على الأقل شيئان يجب ملاحظتهما، أولاً: الاستنتاج بأن الهجوم تم من قبل ممثل من خارج الدولة، لكنه تلقى مساعدة من داخل الدولة، مضيفاً: “كل أمة، في كل منطقة الآن لديها قرار يجب أن تصنعه، هل أنتم معنا أم مع الإرهاب؟”. (كان هذا اقتباس من الخطاب). قبل أسبوع من ذلك صرحت العضو في مجلس الشيوخ الأمريكي هيلاري كلينتون: “كل أمة يجب أن تكون معنا أو علينا، هؤلاء الذين يأوون الإرهابيين أو يمولونهم سيدفعون ثمن ذلك”.

ثانياً، الرئيس بوش طالب بـ”الوضوح الأخلاقي” في وجه هذه الأزمة القومية؟، وكتب “جي كيه تشيستيرتون” في حينه: كان لهذا الخطاب وقعٌ موسيقي في آذان الجمهور الأمريكي المتشدد، الذي يفضل أن تغرق النزاعات الدولية على هيئة مسرحية تعاطفية، بروح الكنيسة “خطاب ديني”.

كان هناك مشكلة واضحة مع مصطلح “الوضوح الأخلاقي”، الأنظمة الثلاثة التي لعبت أدواراً حيوية على مر السنين، غذت نوعا من التعصب الديني السياسي والذي قاد لأحداث الحادي عشر من سبتمبر. السعودية ومصر وباكستان، كانوا حلفاء للولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يجعل حكوماتهم إما معنا أو ضدنا على الأرجح، أو خليطاً من كلاهما مثلما كانت إدارة جورج بوش تحاول تحوير “الوضوح الأخلاقي” خارج ذلك.

لدينا مصطلح ساخر في الإنجليزية مناسب للتعبير عن حالة الإحباط التي وصل إليها الذين يظهرون أنهم بجانبنا وهم غير ذلك؛

“بأصدقاء كهؤلاء من يحتاج لأعداء؟”. هذا التعبير معروف بشكل واسع على أن يقال الجزء الأول من العبارة فقط ليكون كافياً لفهم ماذا يعني. وهذا بشكل مؤكد كان يمثل الوضع الذي وجدت الولايات المتحدة نفسها به بعد هجمات 11/9- باستثناء عدد كبير من الجمهور الأمريكي، وبعضاً من المسؤولين في الإدارة الأمريكية أيضا، عرفوا قليلاً من المعلومات عن الدور الذي لعبته الدول الثلاث في 11/9. لاحظوا أن الحرب ضد العراق بدأت في آذار 2003، وهذا ما أدى إلى إلهاء وتشويش الأمريكيين غير المثقفين بأن العراق مسؤولة عن أحداث 11 من أيلول أكثر من السعودية ومصر وباكستان.

هذا ما خلق ديناميكية غريبة، حكومات الدول الحلفاء الثلاث تخوفوا من الغضب الأمريكي المتصاعد في الأيام والأسابيع التي لحقت الهجوم، وهو ما جعلهم يبذلون جهوداً لإثبات تحالفهم معنا. وإدارة الرئيس الأمريكي تدرك أنها بحاجة لكل دولة لتكون جزء من الحل لهذه المشكلة الجديدة والحادة، وأصبحت مهتمة أكثر بإخفاء خطاياها السابقة عن العامة، النتيجة كانت مسرحية درامية ساخرة من التناقض المقبول. إذا كان ذلك معرفاً كـ”وضوح أخلاقي” فذلك هو الوضوح الأخلاقي مع ثلاثة انحناءات كبيرة (دلالة على الاحترام).

كل من هذه الحالات الثلاث – السعودية ومصر وباكستان- كانت مختلفة، فقد كان من السهل على الحكومة المصرية أن تقدم نفسها وكأنها تقف إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية بسبب دورها الأقل مباشرة والأكثر بعداً في أحداث هجوم 11/9.

ورغم أن نظام مبارك قد اتخذت إجراءات مشددة ضد التيار السلفي ما بعد ثورة السادات وجمال عبد الناصر بعد أن وجدوا فيه تهديداً حقيقا، إلا أنهم أيضا حاولوا إجهاض محاولات الأزهر بالقيام بدوره، كما حاولوا إخضاع القيادات المصرية السنية المنتشرين في أنحاء الدولة، وهذه الضغوطات التي مارسوها انقلبت عليهم، ولم تساعد في تحجيم حركة الإخوان المسلمين، بل ساهمت في ظهور مجموعات أكثر تشدداً وعنفاً كحركة الجهاد الإسلامي المصري والتي قادها في مرحلة ما د.أيمن الظواهري.

الظواهري وعصابته وصمت مصر بالأرهاب، الأمر الذي قاد الدولة للانكسار بشكل أقوى، وهو ما غرس بشكل أعمق وجود “الدعوة” و “مهابرات” التي جرت مصر إلى الدمار. في النهاية، “مهابرات” والظواهري ذاع صيتهم. وكان للظواهري دوراً أكثر من أسامة بن لادن، فكان المحرك الرئيسي لهجوم 11/9. بعد أن قامت قواته بالانضمام لقوات أسامة بن لادن مشكّلين “القاعدة”. والتي كان مقرها الأول في السودان، وبعد ذلك في عام 1996 في أفغانستان.

معضلة باكستان كانت ولا زالت مختلفة جداً؛ علاقة باكستان بحلفائها أصبحت صعبة ومخيبة للطرفين. التحالف الأمريكي الباكستاني كان متيناً ولكنهم كانوا حلفاء سيئين، والسبب ليس صعباً فهمه، لم يتشاركوا نفس الأعداء. فسياسة الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب الباردة كان هدفها دائماً احتواء الاتحاد السوفييتي وإحباط طموحاته على عكس باكستان التي لم تكن ستحصل على مرادها وهو الجائرة الكبرى من الجنوب الآسيوي ألا وهي الهند. بالنسبة لباكستان، لم يكن الاتحاد السوفييتي أكبر مشاكلها، بل كانت الهند.

قبل عام 2001، تسبب عدم التناسق الحاصل بين العلاقات الباكستانية الأمريكية في المنطقة جميعها بمشاكل مشتركة للجهتين، من سياسة مكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل وحتى معدلات المساعدات الإنمائي. كما و شهدت العلاقات الأمريكية الهندية تحسناً تدريجياً متلاحقاً، وهو ما غيّر طبيعة العلاقات الباكستانية الأمريكية نحو الأسوأ. ولكن وبعد أحداث 11سبتمبر، تغيرت الأمور مجدداً مهددةً بجر العلاقات إلى أسوأ مما كانت عليه. وفي عام 2004، تراجعت فرصة الحد من تدهور العلاقات بسبب العالم الفيزيائي عبد القادر خان، الذي ساهم في نشر خطايا باكستان في أعين الولايات المتحدة الأمريكية التي وجدت أن باكستان متواطئة مع الإرهاب في أفغانستان.

وفي وقت لاحق قريب من 11 أيلول، أرسلت إدارة الرئيس بوش أمينها العام “ريتشارد آرميتاج” إلى باكستان لقراءة الفوضى الحاصلة خلال رئاسة الرئيس الباكستاني بيرفيز مشرّف. مشرّف تلقى الرسالة، وبناء عليها أصبحت السياسة الباكستانية صديقة لفكرة “الحرب على الإرهاب”، بصورة نظرية أحياناً وغير مطبقة على أرض الواقع، فالجيش والمخابرات الباكستانية التي هي جزء من الحكومة الباكستانية كانت ولا تزال تتعاطى بحيطة وحذر من تطبيق جميع ما هو في مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما زال قائماً حتى الآن.

وكان السبب الأول يتعلق بوجود تعاطف حقيقي مع الفكر الإسلامي الراديكالي داخل المؤسسة الباكستانية، وهو اتجاه تعزز خلال فترة ولاية محمد ضياء الحق. هذا السبب لم يعد سائدا لأن التساهل بالتفكير الراديكالي انعكس سلباً على باكستان بصورة كبيرة، فبين عامي 2008 و 2011 تعمق الإرهاب وعمت الفوضى العامة في عمق باكستان نفسها.

والسبب الثاني والأهم، أن أفغانستان شكلت دفاعاً باكستانياً ضد الهند، وهو ما يتطلب أن تكون متضمنة سياسياً من قبل إسلام آباد بأقصى درجة ممكنة، ولكن وفي  الوقت ذاته، تشكل أفغانستان مصدر خطر دائم أمام الوحدوية، نتيجةً لطبيعة العلاقة العرقية- اللغوية. فالبشتانيون يشكلون أغلبية في أفغانستان، وعدداً قليلاً منهم نسبياً متواجدون في باكستان؛ نظراً للكثافة السكانية الباكستانية، أي أن عددهم لا يزال يعد كبيراً في باكستان وأكثر مما هو عليه في أفغانستان، وهو أحد الأسباب التي جعلت حدود خط “دوراند” الذي رسمته بريطانيا أثناء ولاية “راج” نقطة خلاف دائمة بين البلدين.

وخاضت باكستان وأفغانستان حرباً عام 1954 بخصوص هذه المسألة الحدودية، إلى جانب محاولات كابل أن تطيح بالبشتانيون الباكستانيون، فيما اعتبرت الحكومة الباكستانية هذه المحاولات بمثابة تهديد للوجود الإقليمي لباكستان ككل.

منذ عصر” زيا”، ومعظم الاستراتيجيين الباكستانيين يميلون إلى أن أفضل طريقة لتفكيك أو تخفيف جاذبية القومية البشتونية – ومن ثم حماية باكستان من التمزيق والتفكيك من قبل الهند بشأن كشمير – هو التأكيد على أساس إسلامي للحكم في كابول. وهذا ما دفع باكستان، من خلال الجماعة الإسلامية، إلى دعم مجموعة من الباشتونيين الذين ينتمون إلى الإسلاميين، ولكنهم لا يزالون أساساً من القبائل، بما في ذلك شبكة حقاني سيئة السمعة. الأمر الذي دفعها في نهاية المطاف إلى دعم إنشاء نظام طالبان في عام 1996، بما يتضمنه من استضافة طالبان لزعماء القاعدة ومعسكرات التدريب.

وكان صناع السياسة الأمريكيون قد قللوا من حجم وشأن المخاطر المترتبة على علاقة طالبان بالقاعدة ودعم باكستان لهذه العلاقة قبل أحداث 11 سبتمبر. ولكن للأسف بعدها، لم يستطع معظمهم أن يفهموا العلاقة العرقية- الهندسية اللغوية الغريبة، وهي نظرية هندسية متجانسة تم وصفها أعلاه، معتقدين أن السياسة الباكستانية ستنقلب بفعل الضغوطات الأمريكية وإغراء الأخيرة لباكستان بالمساعدات.

وبعد بضع سنوات، تحديداً بين عامي 2004 و 2005، حاولت أن أشرح لوزير الخارجية كولن باول ونائب الأمين أرميتاج أن الباكستانيين سيقولون كل ما نود سماعه وسيبدون اهتمامهم بالتعاون المشترك معنا، لكن تصورهم للمصالح الوطنية الأساسية سيحول دون قطعهم لعلاقات نعتبرها نحن الآن خطيرة. وإضافة إلى ذلك، فإن باكستان تدرك أن الوجود الأمريكي في المنطقة مؤقت بينما ستبقى الهند وأفغانستان دائماً في الجوار، وبالتالي لا يمكن إقناع الباكستانيين بفعل ما يهدد وجودهم على المدى الطويل، وهو ما يجعلهم حذرين من الرهان علينا.

وفي وقت لاحق، وأشك أني قد تمكنت من اختراقهم والدخول بينهم، كانوا قد وثقوا بمشرّف، ووجدوا فيه حليفاً وشخصاً يشاركهم مقتهم على الإسلام الديني المتطرف وهو ما كان حقيقياً. وكان من الصحيح أيضاً أن مشرف لم يتمكن من النجاح في تغيير عقلية الجيش والمخابرات الباكستانية بأكملها. وطبعاً هو لن يبقى في السلطة على أية حال. ومما يؤكد ذلك، إنكار الحكومة الباكستانية علمها المسبق بتواجد أسامة بن لادن على أراضيها، بعد أن تمكنت القوات الامريكية الخاصة من معرفة مخبئه في “بوتابد” الباكستانية وقتله في 2-5-2011،

هذه المشكلة لم تنته بعد، ولا يمكن لها أن تنتهي، فطبيعة التقاء الجغرافيا والديموغرافيا الموجودة جعلت المشكلة تطرأ مجدداً متمثلة في قرار إدارة ترامب بتضييق نطاق أفغانستان إلى حد ما غير واضح لمنع تكرار حكم طالبان. والأشخاص كالجنرال ماتيس والجنرال ماكماستر والجنرال دونفورد، يدركون الآن أنه ومع وجود ملاذ في باكستان، سيكون من المستحيل على أي حكومة في كابول – حتى المختصة وغير القابلة للفساد – أن تسيطر وبشكل حاسم على التمرد الذي لا يزال إلى حد كبير ملموساً في العلاقة بين القبيلة البشتونية. ومن المتوقع أن يكون قرار “احتجاز الحصن” فى أفغانستان قد سلط الضوء على العلاقات الامريكية الباكستانية المضطربة. ولكن ما يمكن التنبؤ به بالنسبة لأولئك الذين يفهمون الحقائق الخفية التحفيزية لا يمكن أن يكون متوقعاً أو حتى مفهوماً للذين لا يدركون هذه الحقائق أو حتى لا يمكن لهم فهمها على أية حال.

بعد ذلك، وخلف البوابة الثالثة، السعودية وكما الباكستانيون، ركب النظام السعودي التيار السلفي. لكن الباكستانيون فقدوا السيطرة على التيار السلفي ليصبحوا وجبة عشاء لهم، ومع ظهور “داعش” بدأ الدور السعودي بالتراجع، ولكن هذا استغرق وقتاً طويلاً، خلال تلك الأثناء انتشر “الإسلام الوهابي” ممولاً بشكل أساسي من السعودية خاصة بعد الأحداث التي وقعت في عام 1979، في تلك الفترة  قدمت الأموال كحافز للمنافسة مع “إيران الشيعية” الثورية التي أغضبت وأخلت بالتوازن التقليدي داخل العالم السني الذي يعود تقريبا إلى العصر العباسي. ويعتقد أن السعوديين زرعوا بذور أشجار الوهابية ظناً منهم بأن ثمارها ستعود عليهم بالنفع، إلا أنها بدلاً من ذلك، تحولت إلى حشائش ضارة أشبه بمتجر للرعب.

لقد ناقشنا مطولاً كون هذا الإرهاب نابعاً من “الإسلامية السنية”، أو إذا ما كانت بذوره منبثقة عن الوهابية التي خلقتها السعودية. أي فيما لو كان منبع خطر الإرهاب مصدره الحكومة السعودية، أو من الأمراء… والمواطنين السعوديين الأثرياء. في حال كان الأمر مرفوعاً للقضاء ليفصل فيه، فإن الأمر يكون ذا أهمية، لكن في الواقع التطبيقي لا يهم.

في حال كانت السلطات الحاكمة رافضة لتواصل الجهود التبشيرية كما هو الحال في الرياض لتوقفت، لكنها لم تتوقف وذلك يعود لكون السعودية عالقة في نظام سياسي شبيه بذلك الذي تعاني منه باكستان، ليس هذا فحسب، فالقضية في السعودية ليست جغرافية أو تداخل عرقي أو إثني، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في عدم القدرة على الفصل بين آل سعود وآل وهاب.

شهدت السعودية تغييراً إيجابياً في السنوات الأخيرة، ومن الأرجح أن يستمر هذا التغيير، والذي يعود لإدراك القيادات السعودية الآن مصالحهم وما يلزم لتحقيقها من تغيير، هذا لا علاقة له بأن السعودية توقفت عن كونها السعودية التي نعرفها. وكما هو الحال في باكستان، يوجد حدود هنا، وإذا كنا نتوقع من السعوديين تفجير الاتفاقات والثقافة السياسية الوحيدة التي عرفتها البلاد، والتي تحدد العلاقات السعودية مع بقية العالم الإسلامي الذي يطمح إلى القيادة، لابد لنا بأن نشعر بخيبة أمل. لذلك يجب علينا أن نطمح لتغيير النظام في المملكة العربية السعودية، أليس كذلك؟ بالطبع لا! إن بلاهة الغضب السعودي واضحة لأولئك الذين يفهمون أن البدائل المتاحة الوحيدة أمام “آل سعود” كما هم قائمون اليوم جميعها أسوأ من وجهة نظر المصالح لأمريكية.

ما الذي يعنيه ذلك للولايات المتحدة الأمريكية التي تسير إلى الأمام؟ من الواضح أن المشكلة تكمن في وجود حلفاء يتصرفون في بعض الأحيان بطرق تضر بالمصالح الأميركية ولا تقتصر على البلدان الثلاثة المذكورة أعلاه، بل تشمل أيضا قطر، وتركيا كذلك. الثلاث الأولون شركاء للولايات المتحدة في مجموعة من الأنشطة العسكرية والأخيرتين حليفتين وفقاً للمعاهدات. فكلتاهما دعمتا جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس. قطر سهلت الأمور على مواطنيها الأثرياء لتمويل تنظيم القاعدة كأحد أشكال التطرف الأكثر “اعتدالا” من “داعش”، تحت ستار “الأعمال الخيرية”. وهناك أدلة على أن تركيا قامت وبسرية تامة دعم تنظيم “داعش” ضد نظام الأسد من خلال جهازها الاستخباراتي، لكن الأمر انعكس عليها عندما بدأت داعش بتجنيد المواطنين الأتراك وتفجير القنابل في المدن التركية.

أفضل طريقة لتلخيص كل ما يعني هي باستحضار عبارة “والاس ستيفنز” الحكيمة والجميلة “الجنة في عدم الكمال”. ومقارنة مع الحكومات الضعيفة والصغيرة، فإن القوى العظمى تمتلك خيارات أوسع، ولكن لا يمكنها أن تضع ضمن هذه الخيارات القدرة على اختيار الأصدقاء الكاملين، أو الأعداء المروعين كهذه المسألة قيد الحديث. العالم جميعه اختلط، وحتى العلاقات السياسية الوثيقة الصلة مختلطة بمجملها. هذه أحدى حقائق الحياة التي يدركها الناس الجديون “الخطرون” ويحاولون التعايش والتعامل معها، في حين يبدو أن غير الجديين لا يفعلون سوى المشاكل لغيرهم.

للأسف، الأمريكيون لا يحبذون الغموض، ولا يمتلكون الصبر الكافي سوى في مناسبات نادرة، لذا فإن الشكاوي حول قصور تدفق الحلفاء الأمريكيين سيكون وضعاً دائماً، ومن الممكن أن يؤدي في بعض الحالات إلى مفاوضات سالفة الذكر بين أناس ينقصهم المعلومات، أو حلفاء غير جديين تتمحور رغبتهم في عدم اتخاذ الولايات المتحدة الأمريكية حلفاء، أو أنهم سيصرون على أن الولايات المتحدة الأمريكية تعاملهم وكأنهم حثالة. كان هذا صحيحاً طوال فترة الحرب الباردة. وكما لوحظ عن الإدارات الأمريكية المتعاقبة التي سعت للحفاظ على علاقات مفيدة مع مجموعة من الأنظمة الاستبدادية الأقل شراً في ذلك الوقت من الاتحاد السوفياتي، وهو ما قاد إلى تظاهر الأمريكيين الذين معظمهم من اليسار والوسط المثاليين، والذين احتجوا على هذه العلاقات والتحالفات التي وجدوها لا تليق بالقيم الأمريكية، وهذا ما خلق معضلة “الأصدقاء الطغاة”.

مع انتهاء الحرب الباردة، ضعف منطق التحالف مع الحكومات الأقل شراً، لكن وللأسف، وبسبب الاعتبارات العملية الأخرى، وبحكم العادة، حافظت الإدارات المتعاقبة على علاقاتها مع الدول الاستبدادية “الصديقة” مثل مصر وباكستان والمملكة العربية السعودية على سبيل المثال لا الحصر. ثم حصل هجوم  11 أيلول، وبدأ بعض الناس الذين بدو خطيرين فجأة يتصرفون خلاف ذلك. قال الرئيس بوش، وأكدت على خطابه وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس (20 يونيو 2005 في القاهرة): إن “60 عاماً، وبلدي، الولايات المتحدة، واصلت استقرارها على حساب الديمقراطية في هذه المنطقة هنا في الشرق الأوسط – ولم نحقق أي منهما.” وكان هذا تاريخاً سيئاً ودلالة على سياسة أسوأ.

والحقيقة أن الولايات المتحدة حققت ما يكفي من الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط عبر انتصارها في الحرب الباردة؛ وحققت السياسة الأمريكية نجاحاً جديراً بالذكر من منظور مصالح الولايات المتحدة. لكن الأسوأ بكثير، أن خطاب جورج بوش أشار إلى أن السياسة الأميركية طوال تلك السنوات الستين، قد حالت دون سيادة الديمقراطية في المنطقة، وفيه إشارة إلى أن حالة الثقافات السياسية في المنطقة كانت إلى حد ما خطأ تسببت به أمريكا. وحتى لو لم تندلع الديمقراطية في جميع أنحاء المنطقة بمفردها، فإن حكومة الولايات المتحدة التي يفترض أن تستخدم سلطتها لتحقيق ذلك – لم تستخدم هذه السلطة- كسياسة جديدة مقترحة لتطبيق “استراتيجية قادمة من أجل الحرية”.

هذه الحجة، التي وبشكل مفاجئ تبناها المحافظون وبشكل ذاتي بدلاً من اليساريين كما هو الحال في مناقشة “الأصدقاء الطغاة” السابقة، لم تكن مخطئة: “كانت ضرباً من الجنون”. انتقال الحجة من النطاق المحلي وانتشارها على النطاق الإقليمي والعالمي ليتخلل في تفكير الأمريكيين ليمثل نسخة آمنة من الحنين إلى اليهودية المسيحية كإصدار علماني ناشئ، إذاً الكثير من المسلمين لم يخطئوا عندما رؤوا السياسة الأمريكية الجديدة من خلال منظور ديني. لكن المنشئون والمؤيدون لسياسة “إعادة توجيه استراتيجية الحرية”، لم يكونوا على دراية بأصول حماسهم بهذه الاستراتيجية الخاصة بهم، وعبروا عن هذا التصور من داخل المنطقة فقط وتبين لهم أن المسلمين وثقافاتهم السياسية بحاجة حقيقية إلى التحول.

للأسف، الأمور لم تسرِ على ما يرام. فإن فشل المشاريع الواهمة العديدة التي وضعت لـ”بناء الدولة” (تسمية خاطئة لبناء الدولة)، أظهرت افتقار حكومة الولايات المتحدة إلى القدرة على تحويل الثقافات السياسية الأخرى في الصورة الخاصة بها، خاصة الدول غير الغربية التي ما زالت ولأسباب تاريخية مقسمة وفقاً لحدودها الطبيعية.

وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد، بالرغم من جميع ذنوبه، إلا أنه اتهم ظلماً بالتشهير لقوله: “يمكنك الذهاب إلى الحرب مع الجيش الذي تملك، وليس بالجيش الذي تود أو ترغب أو تتمنى بأن تمتلك في وقت لاحق”. لكن هذا صحيح. تماماً كما هو صحيح في حالة اتخاذ الولايات المتحدة الأمريكية أي قرار أو خطوة عسكرية وفقاً للحلفاء الذين تمتلكهم حقاً في العالم، وليس بناء على ما ترغب أو تتمنى بأن يكون حليفاً وشريكاً لها.

نعم، نحن كنا ولا نزال نمتلك بعضاً من الحلفاء الذين أخطئوا في حقنا سواء بقصد أو عن غير قصد، الأمر الذي ساعد في احتضان التهديد الذي يشكله الإرهاب.

صانعي السياسة الحكماء لا يهمهم تسجيل الأهداف والنقاط السياسية، عبر تحويلهم إلى أعداء، بدلاً من ذلك، الإدارة الحكيمة هي التي تعمل بما تقتضيه المصلحة العامة باعتدال وتحاول تغيير سياستها تجاه “الحلفاء الطغاة”، الأمر الذي يتطلب إقامة بيروقراطية متوافقة، إلى جانب المثابرة والصبر واحترام ظروف الآخرين، ووعيها بحدود الممكن.

لمطالعة المقالة بالإنجليزية من مصدرها أضغط هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة