الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

مسألة الإيمان وحيرة الإنسان أمام الحقيقة الكبرى

كيوبوست

عمار علي حسن♦

لا أنسى هذا الرجل ذا اللحية الكثة، التي وقف يحاججني أثناء ندوة بمعرض القاهرة الدولي للكتاب قبل سنوات، رافضاً ما سمعه مني وغيري عن التصوف، واصفاً هذا المسلك بأنه بعيد عن “صحيح الإسلام”. يومها قلت له: أريد أن أسألك وتصدقني القول. قال: سأفعل إن شاء الله. سألته: هل، وأنت الرجل الذي تقول إنك متمسك بالشرع وهدي الدين على أصوله، لا ترد على ذهنك أحياناً أمور، وأنت جالس وحيداً أو حين تخلد إلى النوم، عن الله والكون والوجود؟ قال: نعم، يحدث هذا. سألته: هل تجد فيما تعرف من الكتب القديمة والجديدة التي تصفها بأنها “شرعية” إجابة كافية شافية لا تفتح في رأسك باب الأسئلة من جديد؟ أجاب: نعم، لا أجد، وهذا ما يجري لي أحياناً. وسألته من جديد: ألم تجد نفسك في بعض الأوقات سابحاً في إجاباتٍ مختلفة عما قرأته في الكتب التي تقرأها؟ أجاب: لا أنكر أنني لا أتجنب السؤال عن كل هذه الأمور؟ قلت له: وتفكر في إجابات أخرى رغم إرادتك؟ قال: أفكر بالطبع. ابتسمت وقلت له: أنت تكتفي بالتفكير، ثم تطرد المسألة من رأسك، قانعاً بما تعرف، أو خوفاً من أي بلبلة أو زلزلة، بينما هناك من يطرح في ثقة أسئلته وإجاباته على الورق، وحين ينشرها ليقرأها الناس، تصف ما كتب بأنه مروق أو فسوق أو تحلل أو انفلات أو تشكيك. يا عزيزي، التصوف ليس في نهاية المطاف سوى مقاربة أخرى، أو محاولة للخروج من الحيرة، أو استجابة لنداء النفوس التي تتعطش دوماً إلى أن تصل إلى اليقين بنفسها.

د.عمار علي حسن

وفق هذا الحوار أقول إنه ربما يريح التسليم صاحبه، فيجلب لنفسه عنوة الرضاء عما يقرأه في كتب الأولين، تفسيرا وفقها وفي أصول التوحيد، حيث ذات الله تعالى وصفاته، وقد لا يشغل نفسه بأي من هذه المسائل، ويقبل على إيمان دون تفكير، لكن ماذا عن متعطش لمعرفة الأسباب والغايات، البدايات والنهايات، التي لا يعطي كثير مما كُتب قديماً أو حديثاً إجابات شافية؟ ولا حتى العلم رغم ثورته الرهيبة يبدو قادراً، على الأقل إلى الآن، أن يحسم الأمر؟

يبدو كل من يشغلون أنفسهم بمثل هذه الأسئلة نسخاً مكررة من “عبد ربه التائه” الشخصية الأبرز في “أصداء السيرة الذاتية” لنجيب محفوط، أو “عمر الحمزاوي” بطل روايته “الشحاذ” الذي وجد نفسه غارقاً في تفكير عميق عن المآلات الكبرى للوجود، بعد أن قضى سنواتٍ طويلة من عمره لا يسأل، ولا ينتظر إجابة، ويقبل على عمله كآلة لا تكف عن طلب مكاسب دنيوية، من المال والمكانة والذيوع، دون أن يدري أبداً أنه سيتوقف لحظة أمام جحيم الأسئلة الأساسية، التي هرب منها، وظن أن الهروب قدره الأخير، وفيه راحته التامة.

غلاف كتاب “أصداء السيرة الذاتية”

إنها أسئلة تطارد الإنسان كظله، وكلما هرب منها وجدها أمامه أو خلفه أو فوقه أو حوله وربما تحته. والأسئلة المقصودة هنا ليست تلك المعنية بالتفاصيل، إنما بالكليات والأسس من قبيل: هل هو مسرح كل منا يؤدي فوق خشبته التي تسع الأرض جميعاً دوره المرسوم له؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا يحاسب الإنسان على فعله، وهو قدر مقدر له؟ أم أن كل منا هو الذي يصنع دوره على هذا المسرح الكبير، يكتبه بشتى تفاصيله ويؤديه عن طيب خاطر؟ وهل حياتنا الدنيا هذه قد حدثت بالفعل في علم الله وأن ما نعيشه هو الماضي بالنسبة له سبحانه، لاختلاف نسبية الزمن عنده عن حساباتنا للوقت، أو لأنه يعلم نهاية كل شيء قبل أن يبدأ؟ وهل الله خلق العالم ثم تركه بعد أن أمد الإنسان بالعقل الذي يهديه إلى سواء السبيل، وسمح له يفعل ما يريد حراً، ثم يحاسبه على ما فعل؟ أم أن الله يتدخل، ولو أحياناً، لينصر الحق ويمحق الباطل؟ وهل الإنسان يرضى بهذا التدخل أم يرفضه؟ وأي حيرة تتملك الذين يظنون أنهم مع الله ويدعونه ليرفع عنهم الظلم فلا يحدث هذا، ويظلون دوماً يرسفون في أغلال وقيود صنعها لهم من يرونهم في غير طريق الله؟ أم أن هؤلاء الشاعرين بالظلم قد أخطأوا الطريق منذ البداية دون أن يدروا؟ ولماذا كانت فترات انتصار الحق وإقامة العدل على الأرض قليلة إن قورنت بالسنين الطويلة التي انتشى فيها الباطل بزهوة التمكن والتحقق والنصر؟ وهل هذا راجع إلى افتقاد الساعين إلى الحق والعدل ركائز القوة التي تمكنهم؟ أم هو لأسباب أخرى؟ وهل على الإنسان التسليم بالحياة المقسومة له؟ أم عليه أن يفكر في إبداع غيرها؟

هنا يحاول الأدب بمختلف ألوانه، ومعه الفلسفة، أن يسلكا طريقاً مغايرة، فالأول يصنع عوالم أخرى، يبدعها الكاتب أو يخلقها، إنها حيوات أخرى لبشر، وحتى لو التقط من دنيا الناس من يصلح بينهم ليكون شخصية في قصة أو رواية، فما يضاف إليها من خيال الكاتب يجعلنا أمام مسارات لم تدب سوى على الورق.

والفلاسفة تمردوا على الإجابات الجاهزة، والتصورات الثابتة، التي رسختها النصوص الدينية، وأطلقوا تفكيرهم العميق بحثاً عن أجوبة أخرى، لعلهم يساهمون في تقريب الإنسان من حقيقته، إو إنقاذه مما يعتقد أنه حقائق لا شك فيها ولا جدال. ولذا فلا غرابة في أن تطاردهم لعنات أو إيذاء من لا يريدون النبش في الركام المكدس عبر القرون من اليقينيات المزعومة أو الموهومة أو ما يراه أغلب الناس مقدساً.

اقرأ أيضاً: إلى مَن يهمه الأمر.. دراسة الفلسفة ليست ترفاً!

وأهل العلوم البحتة يحاولون بطريقتهم أن يسلكوا المسارات التي يمنحها لهم التجريب في سبيل إماطة اللثام عن كثيرٍ من المسكوت عنه، أو حتى المتداول دون تمحيص ودرس، من بين الصور والتصورات والرؤى التي يحسب أصحابها أنها تملك التفسير القاطع لكل من على الإنسان أن يطمئن إليه.

لكن هؤلاء جميعاً لم يغيروا كثيراً المسارات الإيمانية الستة التي اتبعها الناس، من غير المجانين، على مدار الأزمنة وفي كل الأمكنة، وهي تتدرج صعوداً على النحو التالي:

1- اللامؤمنون أو الملحدون: وهم الذين يرفضون ما تقوله الأديان عن خلق الله للكون وما فيه، ويرون أن كل ما نراه الآن هو بفعل التطور الطبيعي، الذي امتد عبر مليارات السنين، جراء التكيف المستمر للكائنات الحية مع الظروف الطبيعية. وبذا فإن الموت بالنسبة لهؤلاء هو نهاية الأمر، ولا شيء بعده، وأن الأديان اختراع بشري في نصوصها وتصوراتها الكلية، وتفاصيلها التي تناسلت عبر الزمن، وأنها محض تطور للأساطير القديمة، وأن الإنسان لجأ إلى هذا الخيار ليفسر دوماً الغموض الذي يحيط به، ويجد حلا للتيه والحيرة المقيمة التي تسكنه حين يشغل نفسه بتفسير ما يحدث له ولغيره ويجري في الطبيعة حوله من تصاريف وأحوال يعجز عن الوقوف عليها بالأدوات التي يملكها.

لكن الإلحاد الذي نقصده هنا ليس هو الذي يكون محض ادعاء أو تعبير عن التيه والتخبط أو التفلت المؤقت، أكثر منه قرار نهائي يعبر عن إرادة صاحبه التي انعقدت بعد طول تفكير وتأمل على أن الله غير موجود. فمثل هذا النوع من الإلحاد قد يسلكه أولئك الذين يمرون بظروف نفسية سيئة، خاصة من بين المظلومين الذين ينظرون إلى العالم على أنه غابة تفرض فيها الضواري قوتها الغاشمة، ويكون التفوق فيها للأقوى والأشرس حتى إن لم يكن الحق معه. ومن هؤلاء الذين انتظروا إنصافاً فلما تأخر أو تبدد فقدوا الثقة في وجود قوة قادرة على فرض العدل.

اقرأ أيضًا: الدكتور عبدالله الغذامي لـ”كيوبوست”: تراجع التشدد في المجتمع أسهم في تراجع الإلحاد

والإلحاد المقصود هو الذي يقوم على رؤية فلسفية أو تصور متماسك في رأس صاحبه، يبنيه على مسار علمي أو فكري ما، يجعله يرى الكون بلا خالق، وليس بعد الوجود الذي نراه سوى العدم، الذي منه جاء كل شيء وتبلور على النحو الماثل بين أيدينا.

2- إيمان النفعيين: ويمثله أولئك الذين يتعاملون مع الإيمان بشكل عملي أو براجماتي، فيقولون إنه أفضل كثيراً من الكفر، فإذا آمن المرء بالله ومات على إيمانه، فوجد أن ما وعدت به النصوص الدينية من آخرة يحاسب فيها الإنسان على عمله، فهو قد ربح، وإن لم يكن كذلك فإن إيمانه لن يكون خسارة أبداً، فهو حقق له نوعاً من السواء النفسي والطمأنينة، وجلب لها الرضا عن الذات، وجعله يسلك سلوكا حسناً فتوافرت له محبة الغير في الدنيا، وهي ركيزة قوى كبرى، وهو لن يشعر بعد موته بشيء، فلن تكون هناك مساحة لندم أو لوم على ملذات قد فاتته، وحتى لو فات بعضها فالأديان نفسها لم تحرمه من بقية، بينما أعطته لذة نفسية أو روحية عظيمة.

ولا يقتصر نظر هؤلاء إلى الانتفاع من الإيمان على ذواتهم إنما يمتد إلى المجتمع الإنساني قاطبة، وكأنهم يترجمون في هذا الشأن القول المعروف للأديب الروسي فيودور دوستويفسكي: “لو لم يكن الله موجوداً فكل شيء مباح”. فلو آمن الناس إيماناً جازماً بأنهم جاءوا من عدم، وإليه يذهبون بعد الموت، ولا توجد حياة أخرى، فيه ثواب وعقاب، لازدادوا توحشاً، وتردت البشرية إلى حالة أردأ كثيراً من الغابة في قوانينها، فالإنسان الذي لا يتوقف بحثه عن مزيد من القوة إلا بالموت، على حد قول توماس هوبز، سيدهس في طريقه كل أحد، وأي شيء، وأي قيمة في سبيل بلوغ أهدافه، التي وقتها ستكون كلها مشروعة تماماً، أو غير محكومة بإطار أو مرجعية.

دوستويفسكي

من هنا فإن الإيمان بالله الذي يفصل بين الناس يوم القيامة أو يوم الدينونة، يؤدي إلى تهذيب الكثير من أفعال البشر، ويمنح الإنسان اقتناعاً حاضراً بضرورة محاسبة نفسه ومساءلتها، وفي هذا ما يقي الآخرين شروره، ويقيه هو في الوقت نفسه شر غيره.

3- إيمان العوام: وهو يميل إلى أن يكون مسألة فطرية، يكون معها المرء مؤمناً بأن هناك خالق للكون والكائنات الحية والجمادات، وأنه أرسل رسلا وأنزل كتباً، وهو سبحانه يثيب ويعاقب، فأعد الجنة لأهل الخير، والنار لأهل الشر. ولعل خير تعبير عن هذا هي تلك المرأة الريفية البسيطة التي كانت كلما صعدت إلى سطح دارها في البكور، نظرت إلى جوف السماء البعيد، وقالت في امتنان واطمئنان: صباح الخير يا رب.

 لكن أغلب عوام كل دين أو معتقد يؤمنون بأن ما يعتنقونه هو الصواب وغيره الخطأ، وأن الطريق الذي يسلكونه هو المستقيم وغيره المعوج، وأنهم على الحق وغيرهم على الباطل. وهؤلاء يربطون تدينهم بأشخاص ممن يرونهم أهل معرفة دينية أو ورع وتقوى أو حاملي رسالة أو مهمة. وهناك من بينهم، رغم ذلك، من يتسامح مع المختلفين معه في الدين، وقد لا يراهم خالين من الفضيلة أو الخيرية، ويرى أن بعضهم قد يدخل الجنة في النهاية.

4- إيمان الخاصة الملتزمين: وهم أولئك الذين أمعنوا التفكير وانتهوا إلى أن هذا الكون لا بد أن يكون له صانع أول يحركه ويتحكم في مشيئته، وأنه خلق كل شيء، وأرسل للناس رسلاً، وأنزل كتباً، تحوي تعاليم يجب الالتزام بها، وهي التي تحدد الحلال والحرام، وتبين الطاعة والمعصية، وتظهر الصواب والخطأ، وتعين الحق الباطل، وأن الإنسان سيحاسب في الآخرة على ما قدمت يداه في الدنيا، وسيكون هذا بميزان عدل تام في يد حكيم خبير.

ويتفق هؤلاء مع العوام من زاوية الاعتقاد في أن دينهم هو الحق، وغيره ليس كذلك، وبعضهم يتعصب لما يؤمن به، وينبذ من يخرج عليه، وبعضهم يتسامح مع الغير ولو قليلاً، أو ينظر إليه باعتباره موضوعاً للدعوة أو التبشير في سبيل هدايته.

اقرأ أيضًا: د.قطب مصطفى سانو لـ”كيوبوست”: تجديد الدين مهمة يضطلع بها العلماء

ويتدرج هؤلاء في موقفهم أو وضعهم أو حالتهم هذه بين تشدد واعتدال، يفرض عليهم سلوكاً معيناً، وأحياناً يعطيهم سمتاً محدداً، وفق كل دين أو معتقد. وهم يدركون أن هناك غيباً لم يكشفه العلم بعد، وقد لا يكشفه مهما ارتقى، وليس عليهم إلا التسليم به كما هو، سواء بما انتهوا إليه من التفكير، أو ما أمدتهم به النصوص الدينية، حين تحدثت عن الإيمان بالغيب، أو عن الروح التي هي من أمر الله، ولم يكتشف البشر، حتى الآن، ماهيتها.

لكن ربط بعض هؤلاء إيمانه بالنصوص أو الأشخاص قد يجعله يهتز في بعض الأحيان، حين تتضارب في رأسه النصوص، ويختل في نظره الأشخاص. ويحضرني في هذا المقام المكالمة الهاتفية التي تلقيتها ذات مساء من شاب أزهري كفيف، عرف نفسه ليلتها بأنه ملحد بعد التزامه سنوات بالدروس الدينية والتعاليم والفروض والسنن، ثم أبدى تعجبه من أن رجلاً مثقفا مثلي -هكذا وصفني- يؤمن بوجود الله، فلما ناقشته، اكتشفت أنه يرد ما يراه إلحاداً إلى زعزعة ثقته في بعض النصوص، وفي شخصيات أخرى صوروها له في الأزهر أنهم ربانيون لا يخطئون أبداً. وطال بيننا النقاش فقلت له: أنا لا أربط الإيمان بنص أو شخص، إنما هو في نفسي وعقلي وقلبي قضية أعمق من هذا كثيراً، وأتعامل مع النصوص بوعي وتدبير، وأرى أن الأثر الإلهي حاضر في كلياتها، أو آياتها الكونية، وأن العقل له حرية التفكير في هذا، وكذلك في النظر إلى توافق النصوص الخاصة بالتشريع، التي وافقت المجتمع الذي نزل فيه النص، مع المصالح العامة المتغيرة والمتجددة مع تطور المجتمعات البشرية. وانقطع عني هذا الشاب سنوات، ثم عاد وقال لي: يبدو أنني وجدت في كلامك علامات على الطريق.

5- إيمان الخاصة غير الملتزمين: وهم الذين فكروا أيضاً بعمق، فانتهوا إلى أن كل الذين يرونه ويعرفونه ليس عبثاً، ولم يوجد نفسه، لأن اللاشيء لا يمكنه أن يخلق الشيء، وأنه لا بد من علة غائية، ومسبب لكل الأسباب التي تأتي بعده وتطرح نفسها. لكن هؤلاء لا يربطون إيمانهم بأشخاص أو أدوار أو أقوال، وبعضهم ينظر بعين النقد إلى النصوص والروايات التاريخية، ويرى أن التسليم بها كشرط للإيمان قد يسبب للإنسان زعزعة أو بلبلة هو في غنى عنها. ويوصف إيمان هؤلاء بأنه “فوق الأديان” المتداولة، أو أبعد منها، ولذا لا تهز ثقتهم في وجود الله، الذي ليس كمثله شيء ولا أحد، أي نص أو رواية يمكن أن تكون محل أخذ ورد، أو محوراً لشك وارتياب. ومع هذا فبعض هؤلاء لا يجدون غضاضة في النصوص التي تتوافق مع رؤيتهم، أو تحض على الخيرية والفضيلة أو ترسم معالم آيات كونية، تقرب كل ما حول الإنسان إليه.

6- إيمان خاصة الخاصة: وهم أولئك الذين تجردوا من كل حمولات مسبوقة، أو مسارات متداولة حول الإيمان بالله، فذهبوا إليه متخففين منها، ساعين هم أنفسهم إلى معرفة ذاتية، يذوقون حلاوتها، ويجنون ثمارها الطيبة، لا يثنيهم من خالفهم عما وثقوا فيه. وبعض هؤلاء يرون أن الله واحد والطرق إليه متعددة، وأن الإيمان أوسع من أن يضيقه نص أو قول أو تصرف منسوب لشخص أو مؤسسة، وأن الطبيعة ليست في تضاد مع الله، بل الله سبحانه وتعالى قد يكون هو “الطبيعة العاقلة القادرة”.

اقرأ أيضًا: “ازدراء الإسلام”.. حرية تعبير أم اعتداء على الدين؟

لا يعني هذا أن هناك حدودا فاصلة تماماً بين هذه المسارات الخمسة للإيمان، إنما بينها تشابهات وتقاطعات أحياناً، لاسيما أن إيمان المرء نفسه ينقص ويزيد، متقلباً بين اقتراب من الشك، وارتقاء إلى اليقين، وبينهما درجات أو برازخ لا تنتهي، وهو أمر معقول أو مطلوب. فالانتفاع بالإيمان ليس ببعيد عن أذهان العوام والمؤمنين الملتزمين، ولا حتى بعيد عن الخاصة منهم. والالتزام بما يفرضه الإيمان على صاحبه من تعاليم أو طقوس يمكن أن نجده حتى عند الخاصة، إن اقتنعوا به، أو تآلفوا معه بحكم العادة أو تسليمهم بفائدة العبادة.

وأهل الحقيقة لا يقفون كل الوقت في وجه أهل الشريعة، وإن كانت نظرتهم إلى الشرع مختلفة. وأهل الشريعة لا يمكن لهم جميعاً الاكتفاء بها دون سعي وراء الحقيقة، مدركين أنهم ليسوا آلات صماء، تتلقى التعاليم وتلتزم بأدائها دون تفكير فيها، أو تفكير في مسائل أخرى بعيدة عنها، وأن الإنسان يجب ألا يهمل ما يهديه إليه عقله، وما تتطلبه مصلحته إن كان فيها خير له أو لغيره.

لكن الذين يفعلون هذا يظلون دوما هم السراة أو الصفوة أو قلة القلة، ومنهم جاء بعض الرهبان والمتصوفة والمتبتلين المنقطعين للتأمل، والذين فكروا تفكيراً حرا لا يقيده شيء ولا أمر، وغاصوا في أرواحهم حتى أعماقها السحيقة، فانتهوا إلى الاقتراب من إجاباتٍ على الأسئلة الكبرى، أو حتى محاولات راسخة للاقتراب من الحقيقة، ودونوا ما فكروا فيه أو غاصوا في كتابات أو أطلقوها في أقوال شفهية، حين قرأها أو سمعها غيرهم، لاسيما من الملتزمين المتزمتين أو بعض العوام، رموهم بالفسوق والمروق أو الكفر.

ورغم أن ما أنتجه هؤلاء من أقوال أو أفعال يظل ملاذاً لكثير من الحائرين، فإنه لا يخلو هو أيضاً من تعبير عن حيرة، إذ لا يزعم أي من هؤلاء أنه قد صار إلها، يعرف الحقيقة كاملة، من الأزل وإلى الأبد. فالناقص والغائب، يفرض عليهم دائماً أسئلته التي لا تنتهي، وقد لا يتمكن المرء منهم من الإجابة على أغلبها حتى يغمض عينيه للمرة الأخيرة ذاهباً إلى العالم الآخر.

ويمكن أن يعبر هؤلاء عن حيرتهم هذه في غموض ما يقولونه أو يكتبونه، سواء قصدوا هذا حتى لا يكشفوا ما وقر في ضمائرهم أمام عوام الناس فيرمونهم بالكفر، أو لم يقصدوا، إنما كانوا يدورون حول الأسرار الكبرى، محاولين أن يهتكوا بعض أستارها الثقيلة، فإن وصلوا كان أمراً عظيما بلا شك، وإن لم يصلوا، فيكفيهم شرف المحاولة.

لا يرضى هؤلاء بالوصول إلى الأسرار عبر مختبرات العلم، أو البحث عن مضاهاة النص الديني بما تمت البرهنة عليه في الطبيعة، ولا التفكير المنطقي المتسلسل الذي يبدأ بالجزئيات إلى الكليات، ومن السبب إلى المسبب، إنما يبحثون دوماً عن الإشراقات أو الإلهام، ولأن إتيان هذا ليس بأيديهم يظلون طوال الوقت في مشاكسة المعاني، عبر لغة تستغلق على أفهام العوام، وإن كانت في مكنونها تعبر عن عمق إيمانهم بحقيقة أصيلة كبرى في هذا الكون، وهي أن الله موجود، وهو أحن على الإنسان من حنان الأم بولدها، وأقرب إليه من حبل الوريد.

لقد أبدع هؤلاء بتأملاتهم العميقة قاموساً مختلفاً للروح، من يطلع عليه يجده حافلاً بالأسرار، يعلو فيه الرمز على المعنى المباشر، والإشارة على العبارة، ويخاطب الوجدان أكثر مما يخاطب العقل، ويعبر في مجمله عن رغبة أصحابه في الوصول إلى الحقيقة عبر المجاهدة التي قد تجود بالإشراقات المبهرة، ويأتي معها النور والعجائب.

♦روائي، وباحث في علم الاجتماع السياسي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عمار على حسن

روائي، وباحث في علم الاجتماع السياسي

مقالات ذات صلة