الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دوليةملفات مميزة

مركز ستوكهولم للحريات يكشف بالأرقام: حرب إردوغان على دور النشر ووسائل الإعلام

حملة حكومية تركية على دور النشر تذكر بحرب التتار

ترجمة كيو بوست عن مركز ستوكهولم للحريات

لا يمكن معرفة ما هي حصيلة عمليات القمع الموجهة من طرف الرئيس الإسلاموي رجب طيب إردوغان على الكتب ودور النشر والصحافة في تركيا بشكل دقيق، لكن ما هو معروف أن عددًا قليلًا من الإعلاميين كتب عن حرب إردوغان على المؤلفين والناشرين والمحررين، الذين أسكتوا عندما حاصرت الحكومة دور النشر وشركات التوزيع، وأغلقتها بحجج واهية.

وتقف تصرفات الحكومة في تناقض حاد مع ما تفعله مع دور النشر والمكتبات التي تبيع الكتب “الجهادية”، في محاولة لتسويق روايات القاعدة وداعش، وأيديولوجياتهما، بدون أية عوائق فعلية. في الواقع، استهدفت الحملة الحكومية التي نفذها إردوغان دور النشر التي تقدم إجابات شافية ضد الخطابات المتطرفة للجماعات الجهادية. ويعد حصار وإغلاق شركة كانياك القابضة -أي الشركة المالكة لأكبر دار نشر وتقوم بطباعة وتوزيع كتب تكافح التطرف- هو أحد الأمثلة التي تشرح الدوافع الحقيقية وراء سياسة إردوغان المعادية لدور النشر تلك.

اقرأ أيضًا: منظمة حقوقية: تركيا “أكبر سجان” للصحفيين في العالم للسنة الثالثة على التوالي

حاصرت الحكومة التركية نشاطات كانياك في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، وأغلقتها بالكامل في يوليو/تموز 2016، بما فيها شركة النشر العريقة إيشيك ياينشيليك، التي تمتلك لوحدها 8 دور نشر في مجموعتها. نشرت هذه الشركة 2972 كتابًا للبيع في السوق، بعد أن تعاقدت مع 714 مؤلفًا. تنشر هذه الدار أعمالًا أدبية مثل الروايات والشعر والسير الذاتية وكتب السفر وكتب اليافعين والشباب. كما تنشر إيشيك كتبًا بلغات مختلفة من بينها الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والروسية والعربية، إذ وصل عدد الكتب المنشورة بلغة غير التركية في هذه الدار لوحدها 893 كتابًا في السوق.

الهجوم على دور النشر

في الواقع، إن توزيع هذه الدار لمجموعة من الكتب التي ألفها فتح الله غولن -الناقد الكبير لسياسات إردوغان- جعلها هدفًا أساسيًا للحكومة التركية، لأن الأخيرة لا تريد أن ينشر أي شيء يخالف معتقدات إردوغان الإسلاموية. وتنشر الدار مجموعة من المجلات الشهرية ونصف الشهرية والربعية بمجموع 662 ألف طبعة حتى عام 2015. وكان أول هجوم للحكومة التركية على الدار استهدف المجلات التي تنشرها، بما فيها غير الناطقة بالتركية.

الموزع الرئيس لإيشيك هو سلسلة مكتبات “أن تي”، التي تحوز على 69% من محموع مبيعات الشركة في أنحاء تركيا. وقد شملت الحملة الحكومية متاجر هذه المكتبة في أنحاء البلاد، ما يعني أن إردوغان لم يستهدف دور النشر فحسب، وإنما تعمد أيضًا خنق شبكة واسعة من المكتبات وشركات التوزيع، بما فيها الشركة المسؤولة عن توزيع صحيفة زمان التي تقدر مبيعاتها بـ1.2 مليون نسخة يوميًا.

اقرأ أيضًا: حملات اعتقالات واسعة تحول تركيا إلى ديكتاتورية

وصلت مبيعات إيشيك في نوفمبر/تشرين الثاني إلى 58 مليون ليرة تركية (21.5 مليون دولار)، أما عائداتها في عام 2014 فبلغت 81.4 مليون ليرة (60.6 مليون دولار)، وهي الفترة التي بدأت الحكومة فيها بالتضييق على الشركة. كان من المفترض أن تدير الحكومة الشركة حتى انتهاء التحقيقات بدون أي تغيير في نشاط الشركة، لكن ما حدث كان العكس؛ إذ انخفضت العائدات مع إدارة الحكومة لها بنسبة 80.2% عام 2016، إلى 6.2 مليون ليرة، بعد أن كانت 31.3 مليون ليرة خلال الفترة نفسها من السنة السابقة.

عندما أغلقت إيشيك، فقد 228 شخصًا وظائفهم، بما فيهم أولئك الموهوبين الذين كانوا يعملون فيها. ولا بد من التذكير بأن ما حدث مع إيشيك هو مثال على ما حدث مع 41 شركة نشر وتوزيع أغلقت تعسفيًا في ظل حالة الطوارئ التي أدت إلى تدمير جميع وسائل الإعلام ودور النشر والمدارس والجمعيات والمؤسسات.

 

ملاحقة الكتب في المكتبات

ولم يكن هذا كافيًا بالنسبة لإردوغان؛ إذ أصدرت وزارة الثقافة أوامر بملاحقة الكتب المنشورة وإحراقها، كما عممت إلى 1130 مكتبة في البلاد أوامر بسحب كل الكتب المنشورة بواسطة دور النشر المغلقة وإنزالها من الرفوف.

خلال عام 2017، سحبت الحكومة 169141 كتابًا جرى طباعتها في دور النشر التي أغلقت، بما في ذلك سحبها من المواقع الإلكترونية والأرشيفات الرقمية للمكتبات؛ إذ سعت الحكومة إلى محو كل ما يمكن أن يؤدي إلى تلك الكتب، أو كل ما يمكن أن يشير إلى أن هذه الكتب موجودة أساسًا. علاوة على ذلك، استهدفت الحكومة المؤلفين الأفراد؛ فعلى سبيل المثال، أصدر قاضٍ جزائي في إسطنبول أوامر بمنع نشر 692 كتابًا وعملًا لغولن، وأمر بجمعها وسحبها من المكتبات.

اقرأ أيضًا: تركيا تستغل قضية خاشقجي لضرب معارضيها بالداخل

لم يقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ حاصرت حكومة إردوغان ممتلكات دور النشر، وأجبرت العاملين فيها على أن يكونوا عاطلين عن العمل بحجة أنها أعمال لا ترضي حكام تركيا. إضافة إلى ذلك، جرى محاكمة الكثير من العاملين في دور النشر بتهم تتعلق بالإرهاب، وسجنت الكثيرين منهم. على سبيل المثال، أصدر المدعي العام في إسطنبول أوامر اعتقال بحق 60 موظفًا في إيشيك في 7 مارس/آذار 2018، وجرى اعتقال 41 منهم. وفي الجولة الثانية من الحملة، في 23 مارس/آذار، صدرت أوامر باعتقال 55 موظفًا آخرين في إيشيك. كان الهدف من حملات الاعتقال الواسعة هو تغذية الخوف من السجن، وإرسال رسالة واضحة بأن الاعتقال سيطول كل العاملين في دور النشر مهما كانت رتبهم.

ولم تقف الحملة عند حد إغلاق دور النشر، وإنما وصلت إلى اجتياح مباني الشركات؛ فعلى سبيل المثال، هاجمت الشركة مقر دار النشر المسماة “بيلج” في إسطنبول، في مايو/أيار 2017، وصادرت ما مجموعه 2170 كتابًا. وفي سبتمبر/أيلول 2017، سحبت وزارة التعليم آلاف الكتب المنهجية لطلبة الصف السابع لاحتوائها على فصل يتحدث عن حرية الصحافة وتأثير الإعلام في المجتمع، خصوصًا أن الكتب تضمنت مناقشة بسيطة لوضع الإعلام في تركيا. وتقدر تكاليف عملية تدمير الكتب بقرابة 50 مليون ليرة (16 مليون دولار) في عام 2016 لوحده، إذ جرى تدمير كتب تزن 13 ألف طن!

 

الخوف من “بنسلفانيا” و”درب التبانة”

هناك مجموعة من الأمثلة التي يمكن ذكرها وتثبت أن حكومة إردوغان تتصرف مثل التتار (المغول) في القرن الـ13، حيث أحرق هؤلاء كتبًا قيمة وثمينة في بغداد. ووصلت ذروة الحملة العدائية التي نفذتها تركيا ضد الكتب في ديسمبر/كانون الأول 2016، حيث دمرت وزارة التعليم التركية 892 ألف كتاب مدرسي يحتوي كلمة “بنسلفانيا” على أساس أنها تروج للدعاية الإرهابية. وكانت الحجة أن فتح الله غولن يعيش في بنسلفانيا الأمريكية، رغم أن الكلمة وردت في بعض الكتب ضمن سياقات أخرى؛ كان أحدها حديثًا عن المؤلف الأمريكي جيمس ميشنر، الذي ذكر الكتاب المدرسي أن مكان ميلاده هو بنسلفانيا!

اقرأ أيضًا: تقرير لوكالة رويترز: تركيا هي السوق الأكثر استهلاكًا للأخبار الكاذبة في العالم

في أكتوبر/تشرين الأول، اقترحت وزارة التعليم إزالة مصطلح “درب التبانة” من المناهج الدراسية كافة، بحجة إزلة التشابه بين المعلومات العلمية وشبكة المدارس التي ترتبط بغولن. وتحمل مجموعة من المدارس العلمية في تركيا اسم “سامانيولو”، التي تترجم من التركية إلى الإنجليزية بمصطلح “درب التبانة”، قبل أن يجري إغلاق هذه المدارس في 2016. وفي حادثة أخرى، منعت الحكومة كتبًا لمادة الرياضات لأنها تحتوي على أسئلة تتضمن الأحرف الأولى من اسم فتح الله غولن، إذ اشتملت على أسئلة شملت عبارة “من النقطة فاء حتى النقطة غين”، ما اعتبرته الحكومة إشارة غير مباشرة إلى غولن!

ولا يعتبر هذا الأمر مضحكًا؛ لأنه في حال القبض عليك وبحوزتك أحد هذه الكتب، فسوف تتهم بالإرهاب! ويعد امتلاك الكتاب دليلًا في المحاكم التركية على ارتكاب جريمة قد تصل عقوبتها إلى السجن لفترات طويلة، وقد ظهر ذلك أكثر من مرة في صور بثها التلفزيون الحكومي للكتب التي جرى العثور عليها في منازل المعارضين ومكاتبهم.

عبر التاريخ، هناك سجل حافل لأمثلة على دول تشن الحرب على العلوم والتفكير النقدي أو التحليلي. لم ينج أي من هذه الأنظمة، فيما تفوق التفكير على الإغلاق والحصار. مع ذلك، تضررت المجتمعات من مثل تلك السلوكيات، وتأذت الكثير من الشعوب، وتدمرت حياة آلاف الأشخاص. سوف تستمر الندوب التي أحدثها الهجوم على العلوم في تركيا فترات طويلة، لكن النظام التركي التابع لإردوغان سيتلاشى يومًا ما، وسيكون علينا التعامل مع العواقب الوخيمة لسياساته.

 

المصدر: مركز ستوكهولم للحريات

حمل تطبيق كيو بوست على هاتفك الآن، من هنا

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة