الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربيةمجتمع

مركز رمسيس ويصا واصف للفنون.. منسوجات إبداعية من عمق القرية المصرية

إبداعات فناني القرية تتجسد على لوحات منسوجة تطوف العالم وتُعرض في المتاحف الدولية المختلفة

كيوبوست

على بعد عدة كيلومترات لا تتجاوز أصابع اليدين من استوديو مصر التاريخي في منطقة الهرم بالقاهرة، اختار المهندس المعماري المصري رمسيس ويصا واصف أن يؤسس مركزه للفنون، وتحديداً في منطقة الحرانية قبل أكثر من 70 عاماً، المركز الذي بدأ في وسط قرية مصرية بعيدة عن قلب العاصمة بنحو 30 كم في الريف المصري بدايات الخمسينيات من القرن الماضي، بات اليوم محاطاً بعماراتٍ شاهقة بنيت بشكل غير منضبط حضارياً على الأراضي الزراعية في الوقت الذي لا تزال تحتفظ فيه عائلته بمشروعه حتى اليوم.

رحلة المهندس الراحل رمسيس ويصا واصف لم تكن مفروشة بالورود، فالرجل الذي عمل أستاذاً بكلية الهندسة بجامعة القاهرة اختار أن يؤسس مركزاً لفنون السجاد والنسيج في قلب الريف، فبدأ رحلته ببناء استراحة صغيرة داخل المساحة التي تمتد نحو ألفي متر، لتكون مستقراً له مع بناء أماكن للنسج، وحديقة واسعة تحيط بالمكان الذي أنتج مئات القطع المعروضة في متاحف عالمية ومبانٍ لسفارات وفنادق كبرى داخل وخارج مصر.

حتى قبل سنوات قليلة من ظهور البناء العشوائي في منطقة الحرانية، كان يمكنك أن تشاهد منها الأهرامات و”أبو الهول” بالإضافة إلى هرم سقارة مع المساحات الشاسعة من الأراضي الزراعية التي تحيط بقاطنيها، وهو ما جعلها وجهة مفضلة للفنانين سواء بعض الأعمال الفنية التي جرى تصويرها فيها أو حتى اتخاذها كموقع للإقامة والرسم، حيث يتواجد مرسم الفنان آدم حنين على بعد خطوات من مركز رمسيس ويصا واصف.

البحث عن الموهبة الفطرية

اختار رمسيس ويصا واصف، الذي أسس قسم العمارة بكلية الفنون الجميلة، قريةَ الحرانية آنذاك لتكون مكان تطبيق لنظريته في استغلال الموهبة الفنية الفطرية الموجودة لدى الأطفال، فاستعان بصديقه وزميله المعماري حسن فتحي لتصميم مكان العمل للنساجين، وهو المكان الذي لا يزال موجوداً حتى الآن، واعتمد في التصميم فلسفة التكامل بين الإنسان والطبيعة، فجاء بناء المركز من قوالب الطين المجفف المنتشرة بكثرة في القرية.

رحلة عامين في بناء المركز كانت كافية لتعلُّق عددٍ من أطفال القرية بالمهندس رمسيس ويصا واصف للبدء بالجيل الأول من أبناء المركز، أطفال تتراوح أعمارهم بين 8 و12 عاماً يعيشون في القرية، بحث المهندس المصري فيهم عن الموهبة الفنية الفطرية، إيماناً منه بأن هذه الموهبة ولدت مع الإنسان، وتحتاج فقط إلى من يكتشفها ويقوم بتنميتها، من هنا انطلقت رحلته داخل المركز الذي خصص لصناعة السجاد، وتحول الأطفال الذين بدأوا أعمالهم على النول بخيوط بسيطة، ومن دون توجيه مطلقين العنان لإبداعاتهم الفنية التي نمت بشكل متزايد مع الوقت لفنانين يقدمون روائع حقيقية، يوماً بعد الآخر.

حصد رمسيس ويصا واصف عدداً من الجوائز

موهبة الأطفال الذين كبروا في العمل وشكلوا الجيل الأول حققت شهرة كبيرة للمركز عالمياً خاصة مع استمرار النساجين الذين تحولوا مع مرور الوقت لفنانين مبدعين، يحددون ويبتكرون ما يريدون تصميمه، ويذيلون السجاد بتوقيعاتهم لمحترفين مخضرمين، بوقتٍ تعتبر فيه كل قطع السجاد بالمركز قطعاً فريدة غير مكررة لكون النساج ينفذ لوحته من دون وجود رسومات على الورق يجري تنفيذها.

عمل رمسيس ويصا واصف على استخراج الفنان الفطري من داخل أبناء الحرانية

رحلة جيل

تعمل الرسامة سوزان رمسيس نجلة مؤسس المركز في المرسم، ويديره زوجها الفنان إكرام نصحي. تتحرك سوزان بين النساجين، وتتابع عملهم بشكل منتظم، وفي بعض الأحيان يعود إليها بعض النساجون والنساجات بشأن بعض التفاصيل الفنية خلال العمل، بينما تتواجد باستمرار في  مرسمها الخاص إلى جوارهم.

تقول سوزان لـ”كيوبوست” إن والدها لم يفضل أن تبدأ العمل في المركز قبل إنهاء دراستها، ومع بداية عملها كانت مهمتها تدريب الجيل الثاني في المركز، وهو ما بدأ في سبعينيات القرن الماضي حيث اختارت مجموعة من الأطفال باشرت العمل معهم، مشيرة إلى أنها وجدت مشكلة عندما فكرت في الاستعانة بأبناء الجيل الأول ليكونوا في الجيل الثاني بسبب وجود تدخلات من الآباء والامهات في إبداع أطفالهم، ومحاولة نقل الخبرة دون ترك الأطفال لاكتسابها بنفس الطريقة التي نشأ بها هذا الجيل، وهو الهدف الأساسي من المركز.

يحاول النساجون تقديم أعمال متميزة

وأضافت أنها بدأت باستقبال جيلٍ جديد من غير أبناء العاملين، وبالفعل على مدار سنوات نجحت في العمل معهم وانطلقوا يقدمون أعمالاً متميزة، مشيرة إلى أن ثمة منسوجات قدموها حظيت بردود فعل متميزة للغاية داخل وخارج مصر.

نجحت فكرة رمسيس ويصا واصف في التحقق على أرض الواقع عبر جيلين؛ الأول شهده في حياته، والثاني قادته ابنته بعدما حرصت على اتباع نفس النهج، لتقدم جيلاً آخر لا يزال مستمراً حتى اليوم في العمل، وتقديم إبداعاته بشكل مستمر من دون التقيد بمواعيد أو أفكار يجب تنفيذها بتوقيتات محددة، مع استمرار زراعة النباتات الطبيعية التي تستخدم في الصبغات بما يجعل السجاد لا يتغير لونه مع مرور الزمن، وهي أحد المميزات الرئيسية للمنتجات المذيلة بتوقيع المركز.

يقدم النساجون أعمالاً تلقى شهرة عالمية

ورغم وجود مراكز مشابهة في المنطقة تعمل على تقديم نفس المنسوجات، فإن الإتقان والاهتمام بجودة الأعمال بجانب الرهان على الجانب الفني الفطري في حياة الإنسان خلق للمركز مكانة متميزة ومختلفة، لا يزال يحتفظ بها حتى الآن.

بدأت السيدة بسيمة عملها في النسج على النول منذ طفولتها، جاءت للسيدة سوزان وطلبت منها العمل بحسب ما تروي لـ”كيوبوست” لتبدأ رحلتها في عالم النسيج حتى الآن، فخلال 5 عقود قدمت أعمالاً كثيرة بأفكار متنوعة جعلتها قادرة على عمل أي تصميمات للمنسوجات. توضح بسيمة أنها تعمل على النول باستمرار بدون ضغط حتى يمكنها أن تقدم أفضل ما لديها، مشيرة إلى أنها ليست مقيدة بساعات عملٍ يومية.

انتشار الأعمال

يعمل اليوم في المركز الجيل الثاني، بحسب الفنان إكرام نصحي مدير مركز رمسيس ويصا واصف، الذي يقول لـ”كيوبوست” إن المركز عندما بدأ عام 1952 كان به 14 ولداً وبنتاً، والآن يعمل به 22 نساجاً من الجيلين الأول والثاني الذين يقدمون أعمالاً إبداعية، مشيراً إلى أن التصميمات كافة لا تكون مرسومة، بل هي في خيال النساج  ويتم تنفيذها، ويطلق العنان لخياله وتصوره عنها.

وهنا تكمن الصعوبة، فلا يمكن معرفة شكل العمل إلا عند الانتهاء منه بسبب طريقة العمل على النول التي لا تتيح رؤية التصميم بالشكل الكامل للسجادة إلا بعد الانتهاء من تنفيذه.

يحاول النساجون تقديم أعمال متميزة

يقول إكرام نصحي أن متحف الحضارة في باريس اقتنى 8 قطع من أيدي النساجين المصريين، وهناك أعمال أخرى تعرض في مواقع عدة حول العالم، بالإضافة إلى المشاركات المستمرة في المعارض، وأحدثها مشاركة بمعرض في الولايات المتحدة وتحديداً في أريزونا، لافتاً إلى أن الاهتمام بالمركز ينصب على العمل الفني وجودته، وليس على حجم الإنتاج ومعدلاته، خاصة وأن طبيعة العمل تستلزم فترات طويلة نسبياً.

فخر بالأعمال

أما رحلة نجلاء في المركز فبدأت منذ طفولتها، عندما كانت تأتي مع والدتها برفقة أشقائها للعب في الحديقة أثناء عمل والدتها، لكنها الوحيدة من بين أشقائها التي فضلت الاستمرار في النسج حباً فيه، بحسب حديثها لـ”كيوبوست”، مشيرة إلى أنه بالرغم من سفرها مع والدتها وعودتها وزواجها وغيابها بعد الزواج لنحو 7 سنوات، فإنها عادت مرة أخرى، وكانت حريصة على العمل.

تزين شهادات التقدير والتكريمات مركز رمسيس ويصا واصف

نجلاء التي ظهرت السعادة على وجهها؛ وهي تتحدث عن أعمالها الموجودة خارج مصر سواء في متاحف أو سفارات مصرية بالخارج أو حتى في فنادق كبرى بالقاهرة، تعتز بمهنتها وبقضاء الساعات في المشغل، وهي تنسج التصميمات الجديدة سواء وقعتها باسمها الثلاثي، إذا كانت كبيرة الحجم أم باسمها الثنائي حال ما كانت صغيرة.

يستقبل المركز زائريه خلال الأسبوع في مواعيد محددة لمشاهدة المعرض المفتوح واللوحات الموجودة بتوقيع النساجين المهرة والتي تعبر عن أفكار متنوعة، بوقتٍ يرحب فيه المركز بطلاب المدارس الذين يأتون للرسم من اللوحات المعروضة بالفعل داخل أرجائه.

تختتم سوزان واصف حديثها بالتأكيد على صعوبة أن يقوم نفس الشخص بتخريج جيلين؛ لأن هذا الأمر يحتاج إلى عشرات السنوات، مشيرة إلى أن اختلاف طبيعة البيئة المحيطة، والأجواء العشوائية، وتغير طبيعة المكان من الطابع الريفي القروي إلى طابع المدينة، وغيرها من الأمور، لم تخلق فرصة لتقديم جيلٍ جديد، خاصة وأن وسائل التكنولوجيا الحديثة وغيرها من التقنيات لم تعد تعطي الأطفال القدرة على الإبداع.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات