الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون خليجية

مركز دبي التجاري العالمي.. كيف استطاع أن يسوق للمدينة على مستوى العالم؟

في سبعينيات القرن الماضي وقف برج مركز دبي التجاري العالمي على مشارف المدينة وأقنع العالم بأن دبي منفتحة على التجارة

كيوبوست- ترجمات

تود رايز

هنالك قصة تُروى عن مركز دبي التجاري العالمي مفادها أن رجل أعمال جاء إلى المدينة في أوائل السبعينيات ودخل إلى قصر الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، وطلب قطعة أرض ليبني عليها. وافق الشيخ راشد على طلبه، وأرسل مسَّاحاً ليرشد الرجل إلى الموقع. في اليوم التالي عاد الرجل إلى القصر ورفض العرض بكل ما لديه من أدب ولباقة؛ لأنه كان يتوقع قطعة أرض أقرب كثيراً إلى مركز المدينة.

مضت أشهر قليلة لاحظ فيها رجل الأعمال السرعة الكبيرة التي تتمدد بها دبي. عاد مرة أخرى إلى القصر راجياً، وقال إنه فشل في رؤية شهامة الشيخ راشد، وأنه يرغب في الحصول على قطعة الأرض التي رفضها سابقاً. قال له الشيخ راشد إن تلك القطعة أُعطيت لغيره، ولكنه عرض عليه قطعة أخرى. ومرة أخرى ذهب الرجل إلى الموقع الجديد الذي كان أبعد بكثير من سابقه. أدار وجهه باشمئزاز، ولم يعد قط. قطعة الأرض هذه كانت الموقع الذي بُني عليه مركز التجارة العالمي.

اقرأ أيضاً: مدينة الاحتفالات دبي تصبح ملاذاً للسياح بينما أوروبا تعاني الإغلاق!

وقع رجل الأعمال في ما وقع فيه تانتالوس في الأسطورة اليونانية، الذي كان يقف تحت شجرة وافرة الثمار؛ ولكنه لم يمد يدَه ليقطف منها، ولم يكن الوحيد الذي يسخر من التوسع المستقبلي لدبي. كانت المدينة في ذلك الوقت لا تزال تتمحور حول مياه ما يعرف بخور دبي. وعندما بُني مركز التجارة العالمي كان غالباً ما يصوَّر وكأنه بناء تقطعت به السبل في بقعة نائية من الصحراء التي كانت بطريقة ما تعاني وجود المستنقعات وكثرة البعوض. عندما رأى الكاتب جوناثان رابان البرجَ عند دخوله المدينة قادماً من أبوظبي قال عنه إنه “متعجرف”.

يمثل مركز التجارة العالمي الآن بوابة العبور إلى أهم توسعات دبي، شارع الشيخ زايد أو ما يعرف بـ”E11″ الذي تتراصف على جانبَيه ناطحات السحاب التي تشكل الموضوع الرئيسي لآلاف الصور اللامعة التي تقدم للمستثمرين: صفان من ناطحات السحاب المتنافسة في ما بينها على جانبَي طريق سريع مؤلف من 12 مساراً. بشكله الخارجي الذي يشبه شعرية من العاج يمثل مركز التجارة العالمي الفصل الافتتاحي في ملحمة شارع الشيخ زايد. ولكنه لعقود خلت كان أشبه ما يكون بلوحة إرشادية تؤشر إلى المكان الذي سيصل إليه تطور دبي العمراني، ويتجاوزه في نهاية المطاف.

لطالما كانت دبي ميناءً مهماً للتجار الأجانب- “الغارديان”

واليوم لا يزال المكان يحتفظ بهيبته، على الرغم من أن ارتفاعه البالغ 150 متراً يؤهله بصعوبة ليحمل اسم ناطحة سحاب. وعن قرب تشعر كأنك تستطيع أن تلف ذراعَيك حوله. عندما كان يصل أي مهندس معماري مشهور إلى دبي غالباً ما كان يسأل عن رأيه في العمارة في المدينة. وإذا كان عاقلاً بما فيه الكفاية فإنه سيعبر عن إعجابه بمركز التجارة العالمي. سيصبح مكاناً ذا شأن في يوم من الأيام. واليوم أصبح معناه مشتقاً من حقبة أخرى.

في عام 1974 كانت دبي مكاناً مختلفاً تماماً عما هي عليه اليوم. كان النفط قد اكتُشف في الإمارة قبل ثماني سنوات فقط، وكانت البلدة التجارية التي عرفت أول طريق أسفلتي فيها عام 1960 تتحول بسرعة إلى مدينة عصرية. تنافست البنوك وسلاسل الفنادق العالمية للحصول على إطلالة على الخور. وبدأ الأوروبيون والعرب والأمريكان والآسيويون يصلون بالطائرات والسفن للاستفادة من مدينة تضاعف عدد سكانها في أربع سنوات.

شاهد: فيديوغراف.. دبي مركز عالمي لنقل اللقاحات وتوزيعها

ومع ذلك كان بإمكانك أن تشاهد القوارب الخشبية القادمة من باكستان وإيران والهند محملةً بالأرز والأطعمة المعلبة، وكان السكان يقصدون الأسواق القديمة لشراء بعض حاجياتهم، كأن تراهم يطلبون من أحد الخياطين أن يقلد أزياء لندن لهذا الموسم أو يسعون لإصلاح جهاز راديو قديم. أصبحت حركة المرور لا تُطاق، وبدأ سكان دبي الأكثر ثراء يصابون بحمى الضواحي، ورأى مسؤولو المدينة أنها بحاجة إلى مضاعفة حجمها أربع مرات كي تلبي الطلب. ورأت صحيفة “فاينانشال تايمز” أن دبي “مدينة تحت الضغط”، وأشارت إلى أن “المقيمين الغربيين يشتكون من انقطاع الماء والكهرباء وخدمات التليكس”.

كان الشيخ راشد -الذي كانت الصحافة البريطانية تحب أن تطلق عليه اسم “الأمير التاجر”- قد زار الكثير من العواصم المالية وشهد الاندماج الذي يتم فيها بين العمل والترفيه. فطلب من مهندسه المعماري الموثوق جون هاريس، أن يصمم مركزاً للمعارض التجارية. وبعد بضعة أشهر عاد هاريس ومعه مخطط لمجمع من عدة مبانٍ من ست طبقات؛ ولكن الشيخ راشد أراد برجاً، وخرج هاريس -الذي كان قد دخل إلى الاجتماع باقتراح لمركز معارض- من الاجتماع وهو يحمل تفويضاً لتصميم “مركز تجارة عالمي”، وهو امتياز فعلي للعلامة التجارية المشهورة عالمياً الآن.

مشهد لشارع الشيخ زايد من الطابق 154 من برج خليفة.. أطول مبنى في العالم حتى الآن- “الغارديان”

زار هاريس مركزي التجارة في نيويورك وطوكيو، وشرع في بناء برج من 33 طابقاً هو الأعلى في دبي في ذلك الوقت. وأثناء بناء البرج أصر الشيخ راشد على أن يكون أطول، فانتهى به المطاف ليكون برجاً من 39 طابقاً.

إذا كان لناطحة سحاب أن تقنع العالم بأن مدينتك حقيقية، فإن مركز التجارة العالمي قد أقنع دبي بأنها مفتوحة للتجارة. فقد احتوى المجمع على عناصر يفترض أنها ضرورية في مدينة عالمية.. فندق فخم، وثلاثة أبراج من الشقق الفاخرة، ومركز معارض، ومواقف للسيارات، وملاعب تنس. تصل إلى المبنى قادماً من الصحراء عبر طريق مرتفع يحمي الأرضية الرخامية من الرمال ويوحي بأن المبنى قد تجاوز الطرق القديمة في البناء؛ بل إن المدينة أصبحت وراءه. إدارة على مدى 24 ساعة، حراس أمن، نادٍ لرجال الأعمال، وكالة سفر، مكتب بريد، ودار سينما، وكلها كانت تعد بمعاملاتٍ تجارية سلسة. لم يعد تكييف الهواء علبة معدنية معلقة على النافذة، بل بيئة يتم التحكم بدرجة حرارتها بحيث تبقى عند 22 درجة مئوية.

اقرا أيضاً: كيف ستعيد دبي تشكيل العالم عبر بناء الجزر الاصطناعية؟

كان مركز التجارة العالمي نسخة مبكرة من مفهوم “مدينة ضمن مدينة”. بإمكان المرء أن يعيش ويعمل ويلعب فيه. وتم احتساب كل المساحات الداخلية -ناهيك بحدائق الواحة- بعناية في رسوم الإدارة التي يدفعها الشاغلون. وكان يمكن تحويل أرضية مركز المعارض إلى حلبة تزلج على الجليد، أو حلبة ملاكمة محاطة بمنصات ومقاعد.

تم دمج الترفيه مع العمل بسلاسةٍ تامة، واقترح مستشارو التسويق صالة كبيرة في طابق الميزانين “غنية بالديكورات الشرق أوسطية وتقدم قهوة مجانية” مع مساحات مشتركة تتوفر فيها مكاتب وخطوط هاتفية محلية وخدمات إخبارية، ولوحات إعلانية لمساعدة الزائرين على التكيف مع محيط غير مألوف بالنسبة إليهم. وشدد مستشارو الشيخ راشد لهاريس على أهمية الراحة والترفيه في خدمة التجارة.

كان اقتصاد دبي يرتكز على عائدات التجارة إلى أن تم اكتشاف النفط عام 1966- “الغارديان”

في غضون ذلك، قدم فندق هيلتون خدمة “الميني بار” وخدمة الغرف؛ وهي خدمات قياسية اليوم. ولكن في ذلك الوقت كان رجال الأعمال يصلون إلى دبي ليكتشفوا أنهم حجزوا سريراً في غرفة وليس غرفة في فندق. تروى كثير من القصص عن الممولين والمستشارين البريطانيين الذين وصلوا إلى دبي في الستينيات والسبعينيات، واضطروا للنوم على الأرض والاستحمام في حمامات مشتركة قبل التوجه إلى اجتماعات العمل. مع افتتاح مركز التجارة العالمي أصبح هنالك وفرة مؤقتة في الغرف الفندقية الفاخرة، وأصبح بإمكان رجال الأعمال الدوليين أن يأكلوا سرطان البحر المستورد من ولاية ماين الأمريكية في المجمع الذي كان يحتوي على محطة كهرباء خاصة به.

شاهد: فيديوغراف: دبي مدينة خضراء.. ومشروعات صديقة للبيئة‎

كان المجمع بمثابة مدينة عاملة؛ خصوصاً بعد افتتاح 500 شقة فاخرة قام بتجهيزها فندق هيلتون تسمح للزائر بالعيش كضيف يدفع مقابل رفاهيته. صمم المجمع المملوك لحاكم دبي كي يعمل بشكل مستقل عن بقية المدينة؛ حتى إن الشيخ راشد كان يمتلك الشركة التي تدير المبنى، والتي قامت بحملات تسويقية في الصحف البريطانية للترويج لهذه المنشأة الكبيرة على أنها “المركز الطبيعي” للعالم العربي.

وإذا كان المجمع يعمل كمدينة مستقلة، فهو لم يكن معزولاً عن بقية المدينة؛ فقد كان يتصل من خلال أكبر مستديرة في دبي بمشروع ميناء راشد الضخم، وهو مشروع بناء مدته 15 عاماً. انتشرت بين البرج والميناء الحظائر (الشبرات) والمستودعات المؤقتة وأكوام التراب وخيام العمال، والبقايا المنسية من مراحل البناء السابقة، وكل ذلك يقوم به جيش صغير من رجال من جنوب آسيا يرتدون ملابس فضفاضة وصندلاً. وقد وفر مركز التجارة مرصداً مرتفعاً لمشاهدة ذلك العرض. ومن نوافذ البرج كان واضحاً أن حاكم دبي يوجه التحديث بعيداً عن المدينة الحالية. وكان خور دبي القديم -مركز المدينة الحالي الذي أراد رجل الأعمال البناء فيه- قد توارى خلف غيمة من غبار البناء.

مركز دبي التجاري العالمي عام 1999- “الغارديان”

كان برج دبي وميناؤها الحديثان المعزولان عن بقية المدينة بمثابة حقل اختبار لنوعٍ جديد من الحياة الحضرية. وللمرة الأولى تم فصل مساحات شاسعة من الأرض عن المدينة، وأصبح التمدن مرتبطاً بالابتعاد عن المدينة.

يمكن للبعض أن يختصر مركز دبي التجاري العالمي -أطول مبنى في الشرق الأوسط في حينه- بكونه مثالاً مبكراً عن سعي دبي إلى التفوق، الذي سيصل في العقود اللاحقة في برج خليفة، ونخلة جميرا، إلى حد من الجنون والغطرسة يهدد بالانهيار تحت وطأة الديون؛ لكن هذا سوف يغفل حقيقة أن البرج كان رسالة. كان واجهة عرض مجدية من حيث التكلفة “تتضمن طابعاً إسلامياً” بفضل الأقواس المدببة؛ ولكنها تشع بالميزات الدولية لمراكز الأعمال. هوائي الإرسال على قمة المبنى جعل مركز التجارة العالمي يبدو وكأنه يستقبل ويرسل إشارات إلى مراكز القوة المالية الأخرى في العالم. وعندما اشترى الشيخ راشد مساحات إعلانية في صحيفتَي “التايمز” و”الفاينانشال تايمز” لم يكن ذلك لبيع مساحات من المبنى، بل للتسويق لدبي في العالم.

كانت إحدى أدوات التسويق التي استخدمها “جودة المنتج البريطاني”. تاريخياً لطالما اعتمد تطور دبي على إتقان طرق التجارة، والعمل كمركز لتجارة الأخشاب الصلبة والحديد والمواد الغذائية والعمالة. من ناحية أخرى، كان مركز التجارة العالمي مرتبطاً بجهة واحدة فقط هي وصول دبي إلى التصميم والهندسة البريطانيين. فقد تم تصنيع جميع تجهيزات التدفئة والتهوية وتكييف الهواء وواجهات الزجاج والألمنيوم وتجهيزات المطابخ في بريطانيا، ثم شحنت إلى ميناء راشد. وأفادت البيانات الصحفية أن المهندسين البريطانيين كانوا يشرفون حتى على عملية خلط الخرسانة. الجزء الرئيسي الوحيد من المبنى الذي لم يكن بريطانياً كان الرجال الذين قاموا ببنائه؛ فمعظمهم جاء من باكستان ويعيشون في مهاجع مؤقتة عند أسفل البرج.

اقرا أيضاً: إمبراطورية مايكل لحياني.. قصة نجاح في دبي

في عام 1981، وأثناء زيارة لها إلى أبوظبي، توقفت مارغريت تاتشر لفترة وجيزة في دبي، واصطحبها الشيخ راشد إلى أعلى البرج. ومن هناك شاهدا معاً آخر تطور في دبي، ميناء جبل علي، أكبر ميناء من صنع البشر في العالم، الذي بدأ لتوه بالعمل على مسافة 30 كيلومتراً من المدينة، وهو بدوره مثال على دور المهندسين والممولين البريطانيين الذين يقدمون البنى التحتية التي تساعد دبي في صعودها العالمي.

حدقت تاتشر في الخط الرفيع من الأسفلت الذي يمتد من البرج ويختفي في الصحراء. وهذا الأسفلت سوف يتضخم لاحقاً ليصبح ما يعرف اليوم بشارع الشيخ زايد. في ذلك الوقت لم يكن مسؤولو المدينة يعرفون كيف ستوفر مدينتهم 23 مليون غالون من الماء التي يحتاج إليها سكانها يومياً. إن برجاً فريداً مقنعاً سوف يؤدي دوره في الإضاءة على قابلية دبي للحياة، وقدرتها على تأمين خط ائتمانها المستقبلي.

المصدر: ذا غارديان

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة