الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون خليجية

مركز أبحاث أمريكي: الدور التركي في تسييس قضية خاشقجي يستهدف ولي العهد السعودي

حاولت تركيا سحب الزعامة من المملكة العربية السعودية

ترجمة كيو بوست عن معهد بحوث السياسة الخارجية الأمريكي

بقلم الباحث الأمريكي في السياسات الشرق أوسطية، براندون فريدمان.

سعت بعض وسائل الإعلام مؤخرًا إلى تشويه صورة المملكة العربية السعودية باستغلال قضية الصحفي جمال خاشقجي، وقامت بتصوير العائلة المالكة على أنها “مجموعة من الأمراء العاجزين”، على عكس الحقيقة تمامًا. لقد تمتعت العائلة المالكة برجال نشطين ذوي طاقة وأصحاب عقول نيرة، ابتداء من الأجيال القديمة حتى الأجيال الأصغر سنًا. لدى المملكة مرونة عظيمة أكثر مما اختار بعض النقاد تصديقه. وقد تحدث المؤلف الأمريكي، الدبلوماسي السابق، هيرمان فريدريك إيلتس، مطولًا عن هذا الجانب وفي مناسبات عدة، ابتداء من الثمانينيات.

اقرأ أيضًا: صحف دولية: توجهات الرئيس التركي الأيديولوجية تقف وراء تسييس قضية خاشقجي

عند قراءة تاريخ المملكة العربية السعودية الحديث، نجد أن سياستها الخارجية توجهت نحو الحفاظ على الاستقرار الإقليمي منذ عشرات السنين. وبعد الحرب العالمية الأولى، أظهر قادة المملكة مرونة عملية في المناورة للحفاظ على توازن القوى الإقليمي. ومنذ الثمانينيات، تميزت الدبلوماسية السعودية بكفاءة سياسية عالية، حذرة، ومن وراء الكواليس في بعض المناسبات. لقد عُرف السعوديون كوسطاء إقليميين نشطين، وأحرزوا نجاحات هائلة في هذا المجال. علاوة على ذلك، نجح السعوديون في استخدام ثروتهم النفطية لتعزيز مصالحهم الأمنية، إلى جانب تحقيق الرفاهية للناس.

اقرأ أيضا: هنالك مليون خاشقجي.. لكن وطن واحد

شهد هذا النمط من السياسة الخارجية نقلة نوعية بعد صعود الملك سلمان إلى العرش عام 2015، لكنه بات أكثر وضوحًا بعد أن أصبح محمد بن سلمان وليًا للعهد عام 2016، إذ عمل على إحداث تغيير كبير في وجه المملكة. ومما لا شك فيه، أن هذا “التغيير” حصل استجابة للظروف الصعبة المحيطة؛ ليس السياسية فحسب، بل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كذلك.

لقد رأى ولي العهد ضعف العالم العربي الذي حصل في أعقاب الربيع العربي، والتهديدات المزدوجة القادمة من جماعة الإخوان المسلمين، وكذلك التوسع الإيراني إلى المنطقة العربية. ومن هذا الباب، أدرك ابن سلمان ضرورة إخراج المملكة من وراء الكواليس من أجل لعب دور قيادي أكثر قوة. لقد تمكن ابن سلمان من احتلال مكانة رفيعة في المجتمع الدولي خلال فترة قياسية وجيزة، فضلًا عن تعزيز شعبيته في الداخل، ما أضفى الشرعية على نهجه الجديد الجريء في الشؤون الخارجية السعودية.

أدرك المراقبون أهمية خطوات ولي العهد في إطار مشروعه الإصلاحي على المستوى الداخلي، ومحاربة التطرف والتوسع الإيراني على المستوى الخارجي، إلى أن برزت قضية الصحفي جمال خاشقجي، التي استغلتها أطراف دولية من أجل إحداث تغيير على مسار السياسة الإقليمية، والتأثير على السياسة الداخلية السعودية، برغم الدعم الجماهيري القوي الذي يحظى به الأمير السعودي.

اقرأ أيضًا: صحافة دولية: لماذا عمل إردوغان على “تسييس” و”تدويل” قضية خاشقجي؟

وقد كشفت أزمة خاشقجي عن مسارين متوازيين: التجاذبات السياسية الأمريكية الداخلية، والضغوط الإعلامية الموجهة ضد الرئيس ترامب، مدعومة من بعض أعضاء الكونغرس، وكذلك مساعي الرئيس التركي لتسييس قضية خاشقجي عبر تسريب معلومات للصحافة الأمريكية، من أجل أغراض إقليمية أوسع، بعيدة عن القضية الجنائية بحد ذاتها.

لقد استخدم النظام التركي قضية خاشقجي من أجل تقويض ولي العهد السعودي، وكذلك من أجل استعادة العلاقات التركية – الأمريكية على حساب السعوديين. وبالفعل، قررت الإدارة الأمريكية فرض عقوبات على الأفراد المتورطين في عملية القتل، إلا أن السلطات التركية واصلت سياسة تسريب المعلومات بغرض تسييس المسألة وممارسة مزيد من الضغوط على الأمريكيين بهدف توريط ابن سلمان شخصيًا.

كيو بوستس

في الحقيقة، رفضت تركيا تسليم الأدلة المزعومة في القضية إلى السلطات السعودية التي أجرت تحقيقات كاملة في ملابسات العملية، وفضلت تسريب “معلومات” إلى وسائل الإعلام الدولية بغرض إطالة أمد القصة المثيرة للجدل، واستحواذ “الأنباء المروعة” على خيال الجماهير، وإثارة تساؤلات حول “طبيعة العلاقات الغربية مع ولي العهد”. لقد أخذت القضية أبعادًا أكثر مما تستحق بسبب سياسة الرئيس التركي في التعامل مع القضية، ما أدى إلى تفسيرها كـ”هجوم على حرية الصحافة”، التي تعتبر جزءًا مقدسًا من الثقافة السياسية الديمقراطية في الغرب. من الواضح أن هدف الرئيس التركي هو استهداف الأمير شخصيًا، وليس تبيان الحقيقة التي ثبتت في التحقيقات السعودية، والتي يمكن تأكيدها من جديد لو قبلت السلطات التركية بتسليم “الأدلة” إلى نظيرتها السعودية. لكن الرئيس التركي لم يفعل ذلك دون مساعدة بعض وسائل الإعلام، منها الأمريكية التي تعارض الرئيس ترامب، مثل صحيفة واشنطن بوست.

اقرأ أيضًا: صحافة أجنبية: إردوغان جزء من المشكلة في قضية خاشقجي

وبالفعل، استجاب الكونغرس لضغوط وسائل الإعلام المعارضة لسياسة الرئيس ترامب، وحوّل القضية إلى “أزمة دبلوماسية” بطيئة الحركة. ويمكن الجزم أن التصويت الذي أجراه الكونغرس حول قضية خاشقجي سياسي بحت، ونابع من ضغوط إعلامية ممارسة على المشرعين الأمريكيين في إطار تجاذبات سياسية داخلية، مدفوعة بتسريبات تركية بغيضة. ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال قراءة المواقف الأوروبية الرسمية المخالفة لما بدر من طرف الكونغرس الأمريكي. إن ما يثير الصدمة هو أن الكونغرس استجاب لضغوط ممارسة من منافذ إعلامية محددة، برغم الخطوات السعودية لمعاقبة المتورطين الـ18، وكذلك برغم إعلان الإدارة الأمريكية فرض عقوبات على أولئك الأفراد. وبالطبع، لم يبرز أي دليل على الإطلاق حول علم الأمير السعودي بعملية القتل، إلا أن وسائل الإعلام استطاعت أن تؤثر سلبًا على المشرعين الأمريكيين.

المراهنة التركية

حاولت السلطات التركية التأثير على آراء الجماهير عبر الإيحاء بأن هنالك “أدلة دامغة” على تورط الأمير ابن سلمان في مقتل خاشقجي، من خلال تغذية وسائل الإعلام بـ”تسريبات” بين الفترة والأخرى. هذه السياسة أوحت لمتابعي القنوات الإخبارية بأن هنالك مزيدًا من الأدلة لم يتم الكشف عنها. وقد فُهم ضمنًا من السياسة التركية أن “هنالك مطالب تركية، ينبغي تلبيتها، وإلا ستلحق المزيد من الضرر بالسمعة السعودية”.

إنها لعبة ابتزاز سياسية مبتذلة للغاية، يحاول خلالها إردوغان استعادة العلاقات التركية – الأمريكية من جهة، وإبعاد المملكة السعودية عن زعامة العالم السني من جهة أخرى. ومن بين أهداف إردوغان الأخرى: دفع الإدارة الأمريكية إلى تسليم المعارض فتح الله غولن إلى السلطات التركية، وكذلك إنهاء التحقيق الفيدرالي الأمريكي بقضية مصرف “بنك هالك” التركي المتهم بمساعدة إيران في التهرب من العقوبات الأمريكية. كما تسعى تركيا إلى الحصول على إعفاء أمريكي دائم لاستيراد النفط الإيراني، فضلًا عن إنهاء الدعم الأمريكي للأكراد في شمال سوريا.

اقرأ أيضًا: نظريات المؤامرة في تركيا: كيف تحولت جريمة خاشقجي إلى مؤامرة سياسية؟

رأى الرئيس إردوغان كذلك أن تسييس القضية سيجلب “منافع” عديدة أخرى؛ منها تقويض التحالف السعودي – الإماراتي – المصري، مقابل تقوية جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة، وتعزيز أجندة قطر التي تحتضن الجماعة الإسلاموية ذاتها. كما يأمل إردوغان أن يؤدي تسييس القضية إلى تقليل موثوقية السعودية أمام العالم العربي، وبالتالي فتح الطريق أمام تركيا العثمانية لتزعم العالم الإسلامي. ولهذا، وجد الرئيس التركي في “التسجيلات الصوتية” أداة رائعة لنفوذ سياسي في المنطقة الأوسع.

ومن جانبه، يواصل ولي العهد السعودي القتال على جميع الجبهات في الوقت ذاته، في الداخل: تحدي الجهاديين والنشطاء الإسلامويين، ومحاربة الفساد، فضلًا عن متابعة خطوات إصلاحية اجتماعية واقتصادية جريئة. وفي الخارج: مواجهة التوسع الإيراني والقضاء على مصادر تأثير الإخوان المسلمين في جميع أنحاء المنطقة.

المصدر: معهد بحوث السياسة الخارجية الأمريكي

حمل تطبيق كيو بوست على هاتفك الآن، من هنا

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة