الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

مرتفعات اليمن المحاذية للجنوب.. مناطق استراتيجية للإخوان المسلمين

بدأت تحركات القوات الموالية للإخوان المسلمين في الحُجرية خصوصاً المناطق الواقعة في تعز على الأقل منذ نحو عام 2018

كيوبوست

تناقلت وسائل إعلام يمنية بياناً صادراً عن شخصيات اجتماعية وقبلية من محافظة تعز، تطالب فيه مجلس القيادة الرئاسي والمحافظة بإخلاء بعض المديريات من وجود قوات موالية لجماعة الإخوان المسلمين.

المشايخ والوجهاء والأعيان والأهالي في مديرية الشمايتين، محافظة تعز، طالبوا بإخراج القوات التي تقع تحت إمرة أمجد خالد؛ وهي قوات توجد وتتمدد في المنطقة بعد فرارها من محافظة عدن ولحج، حيث يُتهم الكثير منهم بالتورط في أحداث شغب وعمليات اغتيال في عدن.

اقرأ أيضاً: ما دلالات وعواقب تجنيد إيران مقاتلين أفغان في اليمن؟

وحسب البيان، فقد نشرت تلك القوات الرعب بين الأهالي؛ بسبب إطلاق النار على المدنيين والأعيان المدنية، بسبب مطالبات الأهالي لهم بالخروج من مدنهم. يُذكر أن المدن والأرياف الواقعة في هذه المنطقة، والتي تُعرف بالحُجرية، تعد من بين أكثر المناطق ازدحاماً بالسكان في محافظة تعز.

تحركات القوات الموالية للإخوان المسلمين في المنطقة ليست وليدة اللحظة؛ إذ بدأت على الأقل منذ عام 2018، حيث يسعى الإخوان منذ ذلك الحين إلى السيطرة على منطقة الحُجرية عسكرياً وفكرياً. وتماماً مثل المتمردين الحوثيين، تأتي التحركات الإخوانية والحوثية ضمن مساعي الجماعتَين لإحكام السيطرة على الأجزاء الجنوبية من منطقة الهضبة الوسطى في اليمن، والتي تمتلك أهمية عسكرية بالغة على الأعمال العسكرية في البلاد بفضل خصائصها الطبوغرافية.

منطقة حدودية

تُعد الحُجرية منطقة واسعة تضم مديريات تقع في كل من محافظتَي تعز ولحج. قبل الوحدة اليمنية سنة 1990، كانت تعز تابعة لليمن الشمالي، بينما تقع لحج ضمن الدولة الجنوبية؛ لذلك تعتبر الحُجرية منطقة حدودية مهمة، خصوصاً مع تزايد إصرار المجلس الانتقالي الجنوبي على استعادة دولة الجنوب، ومع تزايد رفض الإخوان المسلمين والحوثيين لهذا المشروع.

اقرأ أيضاً: اليمن: لقاء وفد من طالبان بزعيم حزب الإصلاح يثير الجدل

بدأت تحركات القوات الموالية للإخوان المسلمين في الحُجرية؛ خصوصاً المناطق الواقعة في تعز، على الأقل منذ نحو عام 2018. وذلك تحت غطاء ما يُعرف بـ”الحشد الشعبي”؛ حيث تلقى بضعة آلاف تدريبات عسكرية على الاقتحامات والاغتيالات وتنفيذ بعض المهام الخاصة. بالإضافة إلى دورات فكرية وتحريضية تستند إلى أجندة الإخوان المسلمين وتعادي القوى السياسية الأخرى.

من بين الأسماء المهمة التي تلعب دوراً أساسياً في الحُجرية، يأتي ذكر الشاب أمجد خالد، والذي قال البيان الصادر عن الأهالي إنه “استولى على (6) مواقع عسكرية في مدينة التربة، حاضرة الحُجرية”. تسبب ذلك الوجود، حسب البيان، في اشتباكات بين الأهالي وقوات “أمجد خالد”، كما يُزعم وجود علاقة بين وجود تلك القوات وحوادث تفجيرات متفرقة شهدتها المنطقة.

موقع محافظة لحج (اللون الأحمر) في خريطة اليمن- المركز الوطني للمعلومات

إن محاذاة مناطق الحُجرية في تعز لمحافظة لحج الجنوبية تجعل منها أحد عوامل أهميتها؛ نظراً لأن لحج تحيط بمحافظة عدن من الشمال والغرب. كما ترتبط محافظة تعز بمحافظات إب والضالع من الشرق؛ وجميعها مناطق جبهات قتال تشتعل بشدة بين الفينة والأخرى متأثرةً بالمحادثات السياسية الشاملة في الأزمة، إذ تهدأ الجبهات عند ظهور مؤشرات إيجابية في المحادثات السياسية، والعكس صحيح.

الأهمية الاستراتيجية للحُجرية والهضبة الوسطى

منذ انتهاء الهدنة في اليمن، في الثاني من أكتوبر، أعادت قوات المتمردين الحوثيين والإخوان المسلمين على السواء إشعال الجبهات الجنوبية للبلاد؛ بالذات في كل من يافع وأبين والضالع، بالإضافة إلى لحج التي تُعد أحد امتدادات منطقة الحُجرية. كما استهدف الحوثيون موانئ في محافظات حضرموت وشبوة شرقاً.

اقرأ أيضاً: فشل تمديد الهدنة في اليمن: الأسباب والنتائج المحتملة

يأتي الاهتمام الحوثي والإخواني بالمناطق السابقة، والوجود الإخواني الكثيف في محافظة تعز، انطلاقاً من أهميتها الاستراتيجية من الناحية العسكرية. تتوزع تلك المناطق في ما يُعرف بالهضبة الوسطى لليمن، وحيث تقع مناطق مثل الراهدة وتعز وإب والضالع في حدها الجنوبي، أو ما يُعرف بالمرتفعات العُليا المركزية.

تقع الهضبة الوسطى في الجزء الأوسط من اليمن. وتمتد من الضالع وجبل صبر (حيث تقع تعز على سفحه) إلى أقصى الشمال. تشمل هذه المنطقة كذلك ما يُعرف بالمرتفعات العليا المركزية، والتي تبدأ من إب وتعز جنوباً حتى الحدود السعودية في أقصى الشمال؛ وهي إحدى أكثر المناطق وعورة، وفي نفس الوقت تستقطب سهولها الزراعية أعداداً كبيرة من السكان.

تؤثر خصائص المنطقة الوسطى على الأعمال العسكرية بشكل حاسم؛ حيث تحد وعورتها من القدرة البرية للعدو على التحرك والمناورة، وهي تصلح بشكل مثالي لأعمال قتال المشاة والقوات الخاصة، كما تعد المرتفعات من أنسب المناطق لحرب العصابات وأعمال الكمائن وقطع الطرق.

منظر عام من محافظة تعز.. اليمن- أنس الحاج

بفضل تلك الخصائص المهمة؛ كالارتفاعات الشاهقة والطرق الوعرة، تُصبح السيطرة على الهضبة الوسطى، بتحديد أدق المرتفعات العليا المركزية، مفتاحاً للسيطرة على كل من شبوة وحضرموت؛ حيث تتركز موارد البلاد النفطية والغازية وموانئ تصديرها. تُعد السيطرة على منطقة “مكيراس”، في محافظة البيضاء، مثلاً من أهم المناطق للسيطرة على أبين وشبوة وحضرموت، وتدور في مكيراس منذ انتهاء الهدنة، أهم المعارك التي يخوضها الحوثيون.   

تطويق الجنوب

إن إفشال مخططات المجلس الانتقالي الجنوبي والقوى الجنوبية الأخرى المصرة على استعادة دول الجنوب، التي كانت قائمة قبل الوحدة اليمنية سنة 1990، هو أحد أبرز الأهداف المشتركة للمتمردين الحوثيين والإخوان المسلمين في اليمن. وحتى إن لم يعمل الطرفان معاً لتحقيق هذه المصلحة المشتركة؛ فإن الخيار الآخر هو التنازع من أجل الهيمنة على المنطقة.

اقرأ أيضاً: إخوان اليمن نحو مزيدٍ من التصعيد في عدن

وبغض النظر عن الجدال حول أحقية الجنوبيين بذلك، أو أحقية القوى الأخرى بعكس أهدافهم، فإن السيطرة على المرتفعات العليا المركزية تعتبر استراتيجية بالغة الأهمية لتطويق الجنوب وإفشال المخطط، وضمان الهيمنة بالتالي على كامل اليمن. وبالطبع، فإن إحكام السيطرة على الأماكن الجنوبية المحاذية للمرتفعات يعتبر تعزيزاً حاسماً للدفاع عن الجنوب، سواء أكان ذلك تحت غطاء حماية المناطق المحررة -الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية- أم استعادة دولة الجنوب.

يمكن الاستدلال على أهمية المنطقة الوسطى، والتي تضم الحُجرية، من خلال سير المعارك العسكرية في حرب اليمن سنة 1994، أو ما تُعرف أيضاً بحرب الانفصال وكذلك حرب صيف 94؛ حيث ارتكزت أهداف واستراتيجية حكومة صنعاء على تحقيق نصر سريع من خلال فرض السيطرة على عدن والمناطق الاستراتيجية في الجنوب، وبشكل خاص حضرموت. لتحقيق ذلك، تبنت حكومة صنعاء تكتيك دفع أعداد ضخمة من المجندين تجاه الخطوط الدفاعية الجنوبية بإيقاع سريع.

حرب اليمن 1994- AFP

كان كل من مكيراس والبيضاء وردفان وأبين من بين أبرز نقاط التجمع والالتحام. كما عملوا أيضاً على تطويق عدن؛ لإرغامها على الاستسلام، لأن سقوط عدن يعني سقوط كل الجنوب. 

منطقة صراع ساخنة

في استراتيجية مقاربة لما جرى في حرب 94، سعى الإخوان المسلمون من خلال القوات التابعة لأمجد خالد، لإحداث الفوضى في عدن وإضعافها من الداخل في أكثر من مناسبة؛ من بينها أحداث أغسطس 2019 عندما قامت تلك القوات بقطع طريق عدن- لحج، وأحداث عدن 2021 في مدينة كريتر عندما اشتبكت قواته مع القوات الموالية للمجلس الانتقالي بشكل عنيف.

خريطة طبوغرافية لليمن- Jac van der Gun

أسفرت اشتباكات كريتر 2021 عن فرار قوات أمجد خالد إلى مناطق تمركزها في محافظة تعز؛ حيث تستقطب أيضاً عناصر من “القاعدة” و”داعش”. وتستعد تلك القوات للاستفادة من الأهمية الاستراتيجية لمواقعها لتطويق عدن والجنوب، والزحف إلى المناطق الاستراتيجية كلما شعرت بخطر أكبر من تحقيق المجلس الانتقالي والقوى الجنوبية أهدافهما.

سوف تبقى منطقة المرتفعات العليا المركزية، كالحُجرية، وما جاورها من مناطق؛ مثل أبين ولحج والبيضاء، منطقة صراع ساخنة طوال فترة النزاع في اليمن. كما سيكون لترقب أطراف الصراع مسارات الجهود السياسية تأثير على سخونة تلك المناطق أو برودها. إن طريق تطويق الجنوب المحرر، وإحكام السيطرة عليه، يمر من خلال تلك المناطق، والمناطق المتصلة بها؛ لضمان الإمدادات والتفوق العسكري والحماية الطبيعية، ومنع القوى الجنوبية من الارتباط ببعضها.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة