الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

مراجعات “جهاديين” في المغرب.. بين التوبة الصادقة و”التقية”

التيارات الجهادية تستعمل مبدأ التقية وتؤصل له.. وهو ما يصعب مهمة الدولة في الكشف عن نيَّات المفرج عنهم بتهم الإرهاب

المغرب- حسن الأشرف

تنقسم مراجعة معتقلين إسلاميين -من الذين ينتسبون إلى “السلفية الجهادية”- بعد خروجهم من السجن بسبب اعتقالهم بتهم إرهابية في المغرب، إلى ثلاثة أصناف رئيسية؛ الأول متطرفون أعلنوا صراحةً توبتهم ومراجعة فكرهم، والثاني متطرفون يزعمون أنهم خرجوا من السجن كما دخلوا إليه غير معترفين بالمراجعة؛ بدعوى أنه ليس لديهم ما يندمون عليه، لكن دون التصادم مع المجتمع ومؤسسات الدولة، والثالث متطرفون استنجدوا بـ”التقية” للخروج من السجن؛ لكن سرعان ما عادوا إليه للتورط في تهم أو أفكار أو أعمال إرهابية.

وأعلن معتقلون سلفيون متشددون -على مر السنوات الماضية وما زالوا- توبتهم الصادقة من مساراتهم الأيديولوجية وتصوراتهم الدينية المتشددة التي تجنح نحو التطرف العنيف أحياناً، وخرجوا إلى المجتمع ليبحثوا لهم عن مكان وموقع ما؛ إما بتجريب السياسة وإما بتكوين جمعية وإما أية مهنة أخرى تدمجهم في محيطهم، في الوقت الذي اتضح فيه أن متطرفين آخرين إنما أعلنوا “توبة زائفة” أقرب من التقية، بعد أن تورطوا بعد إطلاق سراحهم أو بعد انقضاء مدة محكوميتهم، في أفكار إرهابية أو أنهم واصلوا السير على “درب الإرهاب”.

اقرأ أيضاً: إسلاميو المغرب وممارسة الحكم.. نقد ذاتي أم مناورة سياسية؟

وفي هذا التقرير مسارات مقتضبة من معتقلين إسلاميين قضوا في السجن سنوات عديدة على ذمة قضايا الإرهاب، فتم الإفراج عن بعضهم بمقتضى عفو ملكي، ومن آخرين أنهوا مدد سجنهم؛ فانفتحوا بعد ذلك على المجتمع، وأفادوا غيرهم واستفادوا من تجارب غيرهم؛ وهو الاندماج الذي حظي بإشادة الكثيرين، بينما آخرون عادوا إلى السجن من جديد؛ وهو ما يُسمى في المغرب بظاهرة “العَود”، الشيء الذي دفع محللين إلى الحكم على الدولة بالفشل في دمج هؤلاء المعتقلين.

مراجعات مشايخ السلفية الجهادية

حسن الخطاب، أحد أبرز المعتقلين الإسلاميين، دخل السجن عقب الأحداث الدموية التي شهدتها مدينة الدار البيضاء في 16 مايو سنة 2003، وقضى فيه سنتَين قبل أن يعود سريعاً إلى دهاليز المعتقل في صيف 2006 بتهمة كبيرة تتمثل في تشكيل وإمارة “خلية أنصار المهدي”.

حسن الخطاب

الخطاب بعد مرور بضع سنوات في السجن، أقدم على مراجعة حاسمة في فكره بإطلاق “مشروع تصالحي” بين الدولة والمعتقلين السلفيين المنتسبين إلى “التيار الجهادي”، يروم تأطيرهم الفكري والسلوكي داخل السجن، وبعد نيل الحرية أيضاً داخل المجتمع.

وأعلن الخطاب “توبة صادقة” من فكره السابق المنبني على الجهاد وتفسيق وتبديع المخالفين، وبدأ يتحدث عن ضرورة احترام المؤسسات الرسمية، وعدم مخالفة السلطان، كما عرض فكرة إقناع السلفيين في السجون باتباع “القيادة الرشيدة” للحاكم، وهي الجهود والمراجعات التي عجلت بإطلاق سراحه بعفو ملكي.

اقرأ أيضاً: لماذا عادت قيادات “العدالة والتنمية” إلى المواعظ الدينية؟

ومن جهته، اعتقل الشيخ الدكتور عبدالكريم الشاذلي، بعد التفجيرات الإرهابية التي شهدتها البلاد في 16 مايو 2003، وحُكم عليه بـ30 عاماً سجناً، بدعوى مسؤوليته المعنوية والفكرية عما حصل؛ حيث كان معروفاً بمواقفه الدينية المتشددة التي تكفر المؤسسات الرسمية، متأثراً بمطالعاته لعدد من المنظرين والمفكرين الجهاديين.

الشاذلي بعد سنوات من دخوله إلى أقبية السجن بتهمة الإرهاب، بدأ يراجع مواقفه وأفكاره المتشددة دينياً، كما قاد مراجعات عدد من المعتقلين السلفيين، ليحظى بعد مرور 8 سنوات من السجن بعفو من الملك محمد السادس، ويخرج لينخرط في أحد الأحزاب السياسية؛ لقناعته الجديدة بأن العمل السياسي هو الطريق إلى الإصلاح، وليس بالتطرف والإرهاب.

عبدالكريم الشاذلي

معتقلون آخرون أظهروا مراجعات فكرية وعقائدية داخل السجون، وخرجوا إما بعفو خاص وإما بعد انتهاء مددهم السجنية، وساروا على درب تلك المراجعات التي أسسوا لها بفضل مطالعات الكتب؛ ومن بينهم يوسف مكور، معتقل سلفي، الذي اغترف من مؤلفات كان يقرؤها داخل السجن، ليقرر التوبة ويعانق الحرية بعد 8 سنوات من مدة سجنه (15 عاماً).

حالات العَود

بالمقابل، تم تسجيل حالات معتقلين أعلنوا توبتهم داخل السجون، أو أنهم أنهوا مدتهم السجنية؛ غير أنهم بعد مرور الأيام ظهر أن مراجعاتهم لم تكن صادقة وأن توبتهم كانت مزيفة، إما من خلال تصريحات وإما مواقف تظهر تشددهم الديني، وإما من خلال العودة إلى ممارسات إرهابية متطرفة أعادتهم إلى السجون.

اقرأ أيضاً: هل تفرخ “أحزمة الفقر” متطرفين وإرهابيين في المغرب؟

معهد كارنيغي للشرق الأوسط سبق له أن نشر تقريراً جاء فيه أنه بين عامَي 2002 و2018 تم اعتقال أكثر من 3000 جهادي مشتبه بهم، وجرى تفكيك 186 خلية إرهابية؛ منها 65 خلية مرتبطة بتنظيم “الدولة الإسلامية”، غير أنه تم تسجيل نسبة مرتفعة من حالات العَود في صفوف السجناء الجهاديين.

ووَفق ذات المصدر، من بين هؤلاء الذين سبق توقيفهم في تهم إرهابية خلال هذه الأعوام، تم تسجيل نحو 220 حالة عود، ناهيك بـ1300 مغربي غادروا البلاد للقتال في سوريا.

المغرب يحارب التطرف بالتسامح

المعهد الأمريكي أشار إلى أن “حالات العود بالنسبة إلى بعض المتطرفين الذين سبق اعتقالهم لها وجهان؛ الوجه الأول هو الوجه الشخصي، فهي تؤكد أن بعض المتطرفين قد يزدادون تطرفاً بعد قضاء مدة الاعتقال؛ حيث يجدون صعوبة في العودة إلى الحياة الطبيعية العادية السابقة، لظروف مختلفة.

والوجه الثاني في هذا السياق، تبعاً للمعهد الأمريكي البحثي، يتعلق بمسؤولية الدولة؛ باعتبار أن مواجهة التطرف والإرهاب في المغرب، منذ بداية هذه الظاهرة عالمياً، يغلب عليها الهاجس الأمني على حساب الجوانب الثقافية والفكرية والدينية والسيكولوجية والاجتماعية؛ لذلك فإن العديد من المعتقلين السابقين ممن غادروا السجن لم يجدوا أية إمكانية لإعادة الاندماج في النسيج الاجتماعي، بسبب غياب أية سياسة اجتماعية من هذا النوع لدى الدولة”.

اقرأ أيضاً: رفيقي لـ”كيوبوست”: ممارسة الأحزاب الإسلاموية للحكم زلة كبرى

التمييز بين الصدق والزيف

ويعد رفيقي أبو حفص، الباحث في الحركات الإسلامية، أحد أشهر الشيوخ الذين جربوا السجن بتهم على ذمة الإرهاب، وحكم عليه بـ30 عاماً سجناً، قبل أن ينال عفواً ملكياً توَّج مراجعاته الفكرية والأيديولوجية التي أعلنها داخل المعتقل، وخرج إلى المجتمع لينافح عن أفكاره الجديدة.

في هذا الصدد، يقول رفيقي، في حديث مع “كيوبوست”، إن التمييز بين التوبة الصادقة والزائفة للمتطرفين، أو التفريق بين المراجعة الحقيقية والمراجعة التي قد تكون تقية، أمر من الصعب الجزم به؛ لكونه متعلقاً بالدواخل النفسية التي لا يعلمها إلا المعني بالأمر.

رفيقي أبو حفص

ويرى المتحدث ذاته أن نسبة التعرض إلى الخديعة محتملة جداً؛ ما يفسر وجود حالات كثيرة خارج المغرب، خصوصاً من الذين استفادوا من الإفراج، بسبب ادعائهم المراجعة الفكرية أو التوبة من التطرف؛ ليعود عدد منهم لممارسة ما كانوا عليه من قبل، مشيراً إلى التجربة السعودية؛ حيث إن 30 في المئة من الذين استفادوا من برنامج “هيئة النصيحة” التحقوا ببؤر التوتر.

واسترسل رفيقي بأن الذي يمكن أن يرجح صدق توبة أو مراجعة أحدهم على كذبه وتوبته الزائفة، هو توالي مواقفه وخطاباته، ودوامه على ذلك مدة طويلة، والتعبير عن أفكاره الجديدة بمختلف الأشكال والانخراط في المبادرات المجتمعية المدنية، وسلك الطرق السلمية؛ لأن الاختباء وراء التقية لا يمكن أن يستمر طويلاً.

اقرأ أيضاً: على ماذا تقوم الاستراتيجية المغربية لمحاربة التطرف والإرهاب؟

ولفت أبو حفص إلى أن الذين أمضوا مدتهم السجنية كاملة وخرجوا منه لا يمكن الحديث عن توبتهم، كما أن بعضهم تم إدراجه في مبادرات العفو الملكي دون أن يصدر عنهم تصريح أو مراجعة فكرية، وبالتالي بعد خروجهم عادوا إلى ما كانوا عليه من قبل.

وأبرز رفيقي أن التيارات الجهادية تستعمل مبدأ التقية وتؤصل له، وترى أنه يمكن استعماله مع مَن يسمونهم الطواغيت؛ لكونهم أعداء ويحاربون الإسلام، ولذلك يجوز استخدام التقية للتخلص من السجن، متابعاً بأنه يتعين التمحيص والتريث قبل الإفراج عن الشخص وبعد الإفراج عنه؛ للتأكد من نياته وصدقه.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة