الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

مذبحة نيوزيلندا ترفع سؤال “الإرهاب” إلى الصدارة

فوضى المفهوم تؤسِّس للتجاذبات المتبادلة والكراهية بانتظار كلمة الفصل

كيوبوست – خاص

 على الرغم من أن ظاهرة “الإرهاب” تعد أخطر أشكال التهديدات الأمنية التي تواجه الدول، وتمسها في عمق أمنها واستقرارها ومستقبل مجتمعاتها؛ فإن المجتمع الدولي والمؤسسات ذات العلاقة لا تزال تراوح مكانها دون إجماع يحدد المفهوم بشكل واضح يميزه عن الجرائم الفردية، أو العنف المرتبط بالأفراد بعضهم تجاه بعض.

تحديات المفهوم

غياب الإجماع على حدٍّ جامع مانع لـ”الإرهاب” هو جزء من إشكالية التعامل معه على المستوى الأمني، والإعلامي، والمجتمعي؛ وسبب رئيسي في خلق الأزمات داخل الدول المستهدفة واستغلال حدودها، والمناخات السياسية المحيطة بها، وفي الوقت ذاته ذلك الغياب الذي طال أمده أحد أهم عوامل بث الفرقة في لُحمة المجتمع الواحد داخل دولة المواطنة التي باتت بفعل الهجرة وتلاقح الثقافات والأعراق والنزوح كيانات متنوعة على المستوى الديني والإثني والثقافي.

اقرأ أيضًا: “تحالف غير مقدس”: العلاقات التركية الضمنية مع المجموعات الإرهابية في شمالي سوريا.

الجذر اللغوي

على الرغم من أن فعل أرهب لمصدر إرهاب في مدونة اللغة العربية يرجع إلى الفزع والإخافة والإزعاج؛ فإن الجذر المفاهيمي للكلمة بالمعنى المتداول اليوم بمعناه السلبي، يعود إلى اللاتينية، فأصل كلمة “terrorism” من الكلمة اللاتينية “terror”، وهي بمعنى الفزع والخوف، والقلق المتناهي غير المألوف، وأول ما ظهرت في اللغة الفرنسية بلفظ “terrorisme”، بحسب تعريف الملحق الخاص لعام 1798م من قاموس الأكاديمية الفرنسية، والذي يعد أقدم الإحالات على المفهوم المعاصر؛ حيث حدده بـ”الأفعال التي ترتكبها السلطة؛ لنشر الرعب بين المواطنين من خلال الإكراه أو الاستعمال غير المشروع وغير المتوقع للقوة”.

تعريفات منقوصة

وبحسب مدونات البحث عن ظاهرة الإرهاب وخبرائه المتخصصين فيه؛ فإن الإرهاب هو فعل سياسي بالأساس يتوسَّل تصرفات الأفراد أو المجموعات أو التنظيمات الجنائية من القتل والتخويف والتدمير. وَفقًا لكتاب علم الإرهاب الأسس الفكرية والنفسية والاجتماعية والتربوية لدراسة الإرهاب، محمد عوض الترتوري (2006م)، فإن الإرهاب يشمل كل أعمال العنف التي تُرتكب من أفراد أو التي تُعَرِّض للخطر أرواحًا بشرية بريئة أو تؤدي إليها أو تهدد الحريات الأساسية، فهي بحسب هذا التحديد جريمة ذات أهمية دولية، وهي ترتكب من شخص غير شرعي أو يسبب إضرارًا بالبدن أو يخطف شخصًا آخر أو يحاول ارتكاب مثل هذه الأفعال أو يشترك مع شخص يرتكب أو يشرع في ارتكاب هذه الجرائم، وأن مشروعية السبب لا تضفي الشرعية ذاتها على استخدام أشكال معينة من العنف بصفة خاصة ضد الأبرياء.

اقرأ أيضًا: قطر وجهة المقاتلين الهنود للانضمام للتنظيمات الإرهابية في سوريا.

أنماط جديدة

رغم ذلك فإن ظاهرة الإرهاب لم تقف عند حدود التناول السياسي، أو التأطير القانوني، بل أصبحت متشابكة تتداخل صورها وأنماط فاعليها وخلفياتهم، وتؤثر في ارتباك المشهد منذ صعودها إبان أحداث الحادي عشر من سبتمبر. أنتجت تجليات عديدة فأصبحنا نرى إرهاب الذئاب المنفردة، وإرهاب الأقليات، والإرهاب المضاد لليمين المتطرف، والإرهاب الإلكتروني والبيولوجي والكيمائي والنووي، وصولًا إلى إرهاب العائلة الواحدة التي ينخرط أفرادها، دون سابق إنذار، في القيام بعملية “انتحارية” تشبه أفعال “التضحوية” في الأساطير القديمة.

جدل الكراهية

رغم كل الجهود المضنية في تحديد مفهوم الإرهاب، فإنه لا يزال موضع غموض وجدل وسجالات متجددة مع كل قطرة دم لبريء تُراق كل يوم، وتتصدر شاشات التلفزة ومواقع التواصل الاجتماعي، مما أسهم في توسيع الآثار والتداعيات السياسية والاجتماعية، وزيادة منسوب الكراهية والضغائن والطائفية، ليس بين الأديان فحسب؛ بل داخل أتباع الدين الواحد.

اقرأ أيضًا: قادة النظام الإيراني يمولون الإرهاب بينما ينهار الاقتصاد.

مبادرات غائبة

فوضى الحديث عن الإرهاب دون إجماع دولي لا يمكن له أن تقال فيه كلمة الفصل؛ إلا بالتعاون الوثيق بين الدول والمنظمات والمؤسسات ذات العلاقة عبر صيغة توافقية لا تنحاز إلى طرف دون آخر، وتراعي مستجدات الظاهرة التي أسهم جدار الصمت حول تعريف محدد لها في تسلق الانتهازيين، ودعاة صدام الحضارات والأديان، ودهاقنة التطرف، والمهووسين بفوبيا الإسلام من اليمين المتطرف.

ويظل السؤال معلقًا: هل يمكن أن تقود مذبحة نيوزيلندا إلى مبادرة صادقة؟

 

حمل تطبيق كيو بوست على هاتفك الآن، من هنا

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة