الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

“مذبحة تلاتايت”.. هل يكرر “داعش” مأساة الرقة في شمال مالي؟

قراءات وتحليلات تشير إلى سعي تنظيم الدولة الإسلامية للتمركز في خاصرة إفريقيا الرخوة وبسط سيطرته هناك

 كيوبوست- عبدالجليل سليمان

لا تزال رحى المعارك الضارية في صحراء شمال جمهورية مالي “غرب إفريقيا” تدور بين الجيش المالي وحلفائه من جهة، وبين تنظيمات إرهابية تتصارع أيضاً بين بعضها البعض من جهة أخرى.

تبدو صورة الحرب المشتعلة هناك، منذ يونيو الماضي، كغضب الصحراء على الجميع. رغم أن بلدة تلاتايت، التي تُمثِّل مركز المعركة، باتت الآن تحت سيطرة حركة إنقاذ أزواد (MSA)، ذراع الجيش المالي الطويلة ضد التنظيمات الإرهابية والحركات الاستقلالية في الصحراء الكبرى؛ فإن ذلك كان ثمنه باهظاً وكلفته الدموية عالية، فتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لم يترك البلدة المنكوبة خلفه لقمة سائغة بين يدَي الجيش المالي وحليفته (إنقاذ أزواد)، فترك بصمته الوحشية عليها قبيل مغادرتها وهو يجرجر أذيال الهزيمة، وارتكب مذبحة شديدة البشاعة بحق المدنيين من الرجال والنساء والأطفال العُزَّل، وقام بعمليات نهب واسعة لممتلكاتهم وحرق منازلهم ومحلاتهم التجارية، وتركهم في مواجهة مصائرهم بين يدَي جيش لا يزال في مرحلة البناء والإنشاء، وحركة مسلحة لا تجيد من فنون الحرب وتكتيكاته غير الكر والفر.

أقرأ أيضاً: ما الذي تبحث عنه إيران في مالي؟

قالت امرأة من البلدة المنكوبة في تصريحات صحفية: “عشنا دون طعام ليومَين، بعدما نهب (داعش) بلدتنا وجففها من الحبوب والمواد الغذائية، وأحرق البيوت والمحلات التجارية، وقتل أحباءنا بدم بارد”.

كر وفر

تلاتايت التي تقع على بعد 150 كيلومتراً من غاو شمالي مالي، شهدت أشرس معارك الصحراء بين “داعش الصحراء” وجماعة نصر الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة، قبل أن تدخل حركة إنقاذ أزواد المدعومة من الجيش المالي، كطرف ثالث ضد التنظيمَين الإرهابيَّين في خضم المعركة مسنودةً بسلاح الجو المالي، لتكسب المعركة (مؤقتاً)؛ لكن بثمن فادح بلغ 30 مدنياً انضموا إلى المئات الذين لقوا حتفهم من قبل بذات الطريقة، فضلاً عن 3 عناصر من الحركة وجرائم مروعة أخرى.

مسلحان تابعان لحركة تحرير أزواد يُمشطان مسرح عمليات تلاتايت- وكالات

“داعش” نفسه تعرض إلى هزيمة ساحقة في حرب الكر والفر الدائرة في الصحراء المالية؛ حيث تمكنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، في يوليو الماضي، من قتل وأسر العديد من عناصره والاستيلاء على سيارات عسكرية وأسلحة وذخائر في اشتباكات دامية؛ لكنه سرعان ما عاد أدراجه إلى تلاتايت ليجد نفسه في مواجهة الجيش وإنقاذ أزواد والصحراء الغاضبة.

وفي بيان رسمي صادر عنه، أعلن الجيش المالي، الأربعاء 6 سبتمبر، شنه غارات جوية ضد عناصر تابعة لـ”داعش” بالقرب من تلاتايت، دعماً لحركة إنقاذ أزواد؛ حيث استمرت المعركة الفاصلة التي انتهت بمذبحة وانسحاب “داعش”، ثلاث ساعات، وفقاً لمصادر رسمية، بينما أكدت مصادر أخرى متضاربة أن ما حدث هو العكس تماماً، فقد انتهت معركة شرق البلدة لصالح “داعش” حول مَن يفرض السيطرة عليها، وتزعم بعض المصادر أن “داعش” سيطر على المنطقة بالكامل، بينما تنفي مصادر أخرى تلك المزاعم بشكل كبير. وحسب مصادر أخرى، انتهت المعركة لصالح “داعش” في المنطقة الشرقية بانسحاب حركة إنقاذ أزواد، بينما سيطرت “النصرة” على الجانب الغربي ونجحت في إبعاد “داعش” عن المنطقة.

اقرأ أيضاً: مستقبل “مالي” بينَ مطرقة الجهاديين وسندان فاغنر

بين فكَّي كماشة

بالنسبة إلى عبدالله جرمة، الباحث في الشؤون الإفريقية والمحلل السياسي، فإن ما يدور في صحراء مالي من قتال ضروس بين عدة جهات، يستحق أن يُطلق عليه الحرب المخفيَّة؛ فلا إعلام مستقل ولا مراقبون محايدون، غير تلك الأخبار المتواترة من أطراف الصراع نفسها؛ وهي في الغالب لا تقول إلا جزءاً بسيطاً من الحقيقة، فالكل يدَّعي سحق الآخر.

عبد الله جرمه

يواصل جرمة حديثه إلى “كيوبوست”، قائلاً: الواقع الماثل هناك يشي أن “داعش” يواجه وضعاً صعباً؛ حيث يجد نفسه في مواجهة عدوه التقليدي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين من جهة، والجيش المالي وحليفته حركة إنقاذ أزواد من جهة أخرى، إلا أن ذلك لا يعني نهاية حتمية للتنظيم في المدى المنظور؛ خصوصاً أنه يتبع أسلوب حرب العصابات وتكتيك الكر والفر في صحراء مترامية الأطراف، مساحتها أكبر من فرنسا؛ لذلك فإن ما يتواتر من أخبار عن انسحاب “داعش” من تلاتايت دون مقاومة بعد ارتكابه مذبحة راح ضحيتها العشرات، إنما هو في الغالب أمر تكتيكي اضطر إليه تحت ضغط المُسيرات جواً، وكماشة مقاتلي “إنقاذ أزواد” وجماعة نصرة الإسلام من الجهتَين الشرقية والغربية.

مجتزأ من بيان الجيش المالي- وكالات

يواصل جرمة: إذا صح بيان الجيش المالي بتمكنه من وضع نحو 130 عنصراً داعشياً مسلحاً خارج مسرح العمليات من خلال غارات جوية مكثفة شنها عليه يومَي الثلاثاء والأربعاء، 7 و8 سبتمبر الجاري؛ فإن التنظيم قد لا يعود قريباً إلى المنطقة، بينما تظل هذه الإمكانية قائمة في ظل الضعف النسبي للقوات المسلحة المالية، التي ابتدرت عمليات عسكرية مستمرة منذ أواخر يونيو الماضي.

اقرأ أيضاً: مثلث الإرهاب.. عودة داعش إلى مالي والنيجر وبوركينا فاسو

بيانات متناقضة

آمنة عمر

وفي السياق ذاته، اعتبرت الصحفية والمحللة السياسية الدكتورة آمنة عمر، في حديثها إلى “كيوبوست”، أن القضاء على التنظيمات الإرهابية؛ وعلى رأسها “داعش” لن يتحقق في مالي على المدى المنظور، فالمجلس العسكري الانقلابي مثل التنظيمات الإرهابية لا يقول الحقيقة، ولا يمكن الاعتماد على البيانات الصادرة عنه كمصادر معلومات موثوقة، كما أنه يحول دون وصول الإعلام إلى المصادر الحقيقية على الأرض؛ من شهود العيان من مواطني المنطقة التي تجري فيها العمليات العسكرية، منذ 4 سبتمبر 2022.

وأضافت عمر: تناقض المعلومات الواردة من الجيش والجهات المتحالفة معه، حركة إنقاذ أزواد ومجموعة الدفاع الذاتي للطوارق “إيمغاد”، التي صرَّح أمينها العام فهد آغ المحمود، بتحييد الجيش المالي 50 مسلحاً داعشياً واعتقال كثيرين، في معارك تيسي ونواحيها، بينما أكد بيان الجيش مقتل 130 عنصراً داعشياً، يشكك في مصداقيتها.

فهد آغ المحمود.. الأمين العام لـ(إيمغاد)- وكالات

وتختم عمر: وإن كان مؤكداً أن الجيش المالي أصبح يمتلك قدرة جوية معقولة بأكثر مما هو متوقع، من مسيرات تركية وروسية، بينما تقدم له مجموعة فاغنر الروسية استشارات وخططاً، وتدير مع قيادته العمليات العسكرية الجارية في شمال البلاد، فإن ذلك هو ما جعله يمتلك زمام المبادرة، على الأقل في الوقت الراهن؛ لكن مقتل عشرات أو مئات الإرهابيين وطردهم مؤقتاً من بعض البلدات المتناثرة في الصحراء، لا يعني بالضرورة حسم المعركة ما لم تتوفر استراتيجيات سياسية وخطط تنموية موازية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة