الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

مدينة “باميان” الأفغانية وتماثيل بوذا المدمَّرة.. إرث إرهاب “طالبان”

كيوبوست

حتى بعد تفجيرهما على يد تنظيم طالبان عام 2001م، ظلّ تمثالا بوذا في وادي مدينة باميان في أفغانستان حاضرَين وشاهدَين على أثر الجريمة؛ فبعد تدميرهما بقي مكانهما في التجويف الصخري، كجرحٍ غائر في التركيبة الدينية والثقافية والإرث التاريخي لمدينة باميان، الواقعة شمال غرب العاصمة كابل.

جاء ذلك كجزء من المعاناة الثقافية والإنسانية لأفغانستان، منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، على يد حركة طالبان، وكان تمثالا بوذا ومدينة باميان، صاحبة التاريخ العريق، والتي لا تزال إلى اليوم بلا بنية تحتية ولا كهرباء، من ضحايا وحشية التنظيم.

تاريخ باميان

على الأغلب لم يكن بازدحام وسرعة حركة مطارات العالم اليوم، إلا أن “طريق الحرير” كان واحداً من أهم الطرق التي سلكها التجار في جنوب آسيا بمقاييس العالم القديم. ولأن الطريق امتد من شمال الصين وصولاً إلى المناطق الأقرب في إفريقيا وأوروبا؛ فقد اخترق عدة دول ومناطق، من ضمنها مدينة باميان، التي آوت آلاف القوافل التجارية؛ الأمر الذي أثرى تاريخ المدينة، الواقعة في أعالي جبال هندوكوش في المرتفعات الوسطى بأفغانستان، ثقافياً ودينياً.

وأثناء الرحلات التجارية على طريق الحرير، اعتاد تجار صينيون المكوثَ في كهوف وادي باميان؛ بمَن فيهم الرهبان، فانتشرت الديانة البوذية هناك بين القرنَين الأول والخامس بعد الميلاد، بينما شكَّل وادي باميان بجرفه الواسع وطبيعته الساكنة، حاضنةً مناسبةً للممارسات الرهبانية البوذية؛ ومن ضمنها التأمُّل.

وكان تأثر المدينة بثقافة الديانة البوذية واضحاً بالنسبة إلى علماء الآثار، من خلال الجداريات الزيتية التي اعتبرت نموذجاً لأقدم لوحة زيتية، وعثر عليها داخل كهوف سكنية لها أشكال مختلفة تتشابه في تصميماتها مع كهوف شينجيانغ في الصين، إلا أنه تم تدمير تلك الجداريات أيضاً عام 2001م، من قِبل تنظيم طالبان، إلى جانب تمثالَي بوذا العملاقَين.

اقرأ أيضاً: تمثال “أبو جعفر المنصور” مهدد بالتدمير في مدينته بغداد!

ولم يتوقف التاريخ في باميان عند الصينيين؛ فقد حكمها في القرن السابع الهيالطةُ؛ وهم شعب آسيوي. بينما اعتنق حكامها الإسلامَ لأول مرة في القرن الثامن، وفي عام 871م تمكَّن الملك يعقوب بن ليث الصفار، من السيطرة على باميان، كما عاشت المدينة حروباً قاسية؛ فقد تعرضت إلى الإبادة والتدمير عام 1221م على يد المغول، وفي عام 1840 كانت مسرحاً للقتال في الحرب الأنغلو-أفغانية الأولى، التي دارت بين شركة الهند الشرقية البريطانية وإمارة أفغانستان.

ومدينة باميان، التي يبلغ عدد سكانها نحو 62 ألفاً، نموذج مصغَّر من التركيبة الأفغانية؛ فمعظم سكانها من المسلمين الشيعة، وفيها أقليات من مذاهب أخرى، وتضم عدة قوميات كالهزارة والبشتون والطاجيك.

تجويف أحد تمثالَي بوذا والكهوف السكنية- Wikimedia Commons

قرار التدمير

نُحت تمثالان لبوذا، مؤسس الديانة البوذية قبل 1500 عام، في صخور جرف وادي باميان الضخم، المكونة من الحجر الرملي الأحمر، وجرى تشكيل تفاصيلهما من الطين الممزوج بالقش والمغطَّى بالجبس، وأحد التمثالَين، وهو الأكبر لبوذا في العالم، كان لذكر، وارتفاعه 53 متراً، وسُمي بـ”سالسال”، ويعني “النور الذي يضيء الكون”، والأصغر كان لأنثى، وتُدعى “شاماما”، ويعني “الملكة الأم”، وبلغ ارتفاعه نحو 40 متراً. ويرى خبراء أن تصميميهما جاءا متأثرَين بالفن اليوناني البوذي.

بينما عرضت بعض الدول حلولاً لتجنب تنفيذ القرار، كالهند التي طالبت بنقل جميع القطع الأثرية من باميان إليها. واقترحت اليابان مجموعة متنوعة من الحلول؛ من بينها نقل التمثالَين إلى اليابان، كما عرض أحد متاحف نيويورك شراء التمثالَين.

اقرأ أيضاً: تمثال للملك “شيشناق” يثير الجدل مع احتفالات السنة الأمازيغية!

لكن ذلك لم يمنع “طالبان” من المضي قدماً في قرارها التخريبي؛ ففي التاسع من مارس من العام نفسه، نفذتِ الحركة الهجومَ على التمثالَين بالدبابات والقنابل والصواريخ المضادة للطائرات؛ ولكنها أوقعت أضراراً أقل من المتوقَّع، فأعادت الكرَّة بتعليق أطنان من الألغام والقنابل على أقدام وأكتاف التمثالَين، وتدميرهما بانفجار واحد هائل؛ لتقضي بذلك على أحد مراكز التعايش والتنوُّع في أفغانستان.

تدمير وإحياء

لم تكن عملية التدمير الأخيرة تلك هي الوحيدة بحق تمثالَي بوذا؛ ففي عام 1221م، حاول جنكيز خان تدميرهما بعد أن غزا المغول باميان؛ لكنه فشل، كما حاول الإمبراطور المغولي “أورنجزيب” تدميرهما؛ ما عرَّض قدمَي الثمثال الأكبر إلى الكسر، وأمر الملك الفارسي “نادر أفشار” في القرن الثامن عشر، بتخريبهما بالمدافع.

إسقاط ضوئي لصورة تمثال بوذا على التجويف- “فرانس برس”

وفي تجربةٍ لإحياء التمثالَين، يتم في التاسع من مارس عكسُ صورتَيهما على موقعيهما الخاليَين في الجرف الصخري لوادي باميان، عبر جهاز إسقاط ضوئي، كما سبق ذلك عدة مقترحات مختلفة لإعادة بنائهما؛ ولكن لم يتم تنفيذ أي منها حتى الآن.

ولم يكن وادي باميان مصنفاً ضمن قوائم “اليونسكو” قبل عملية “طالبان”، وتم تصنيف المنطقة والبقايا الأثرية على قائمة “اليونسكو” لموقع تراث عالمي أخيراً عام 2003م.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة