الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

مخاوف عراقية شعبية ورسمية من تنامي نفوذ الميليشيات الشيعية

كيف حققت قوات الحشد الشعبي نفوذًا عاتيًا في العراق؟

ترجمة كيو بوست عن صحيفة لوس آنجلوس تايمز الأمريكية، بقلم نيبه بولوس

في عام 2014، بعد أن استولى تنظيم “الدولة الإسلامية” على أجزاء كبيرة من العراق، نهض مئات الآلاف من المتطوعين للدفاع عن العاصمة بغداد، وانضموا إلى ميليشيات الحشد الشعبي الشيعية، لكن أهداف قوات الحشد لم تعد كما كانت معلنة قبل هزيمة التنظيم الإرهابي. وما يلفت الانتباه هو أن القائمين على هذه الميليشيات من الموالين لإيران لم يعملوا على تسريح العدد الهائل من المقاتلين الشيعة بعد سقوط داعش، بل عملوا على غلغلة قوات الميليشيات في مؤسسات الدولة، لإكسابها نفوذًا غير مسبوق.

اقرأ أيضًا: الميليشيات الشيعية العراقية على أبواب اقتتال داخلي – شواهد وأسباب

لقد حولت الميليشيات نفسها إلى مؤسسة حكومية فاعلة، وكيان سياسي، ولاعب اقتصادي، يتمتع بعلاقات قوية مع إيران بشكل علني. في الحقيقة، كانت إيران ولا تزال ألد أعداء العراقيين، وهذا ما يثبته التاريخ، لكن طهران استغلت الإطاحة بصدام حسين عام 2003 من أجل نشر نفوذها في أنحاء البلاد كافة، بدءًا من “الشراكة التجارية”، وصولًا إلى عسكرة الوكلاء وتحويلهم إلى ميليشيات. وقد خلصت دراسة أمريكية حديثة إلى أن “المنتصر الوحيد من الغزو الأمريكي للعراق هي إيران التوسعية”.

 

إكساب الميليشيات الشرعية

في الفترة التي سبقت الانتخابات العراقية في مايو/أيار 2018، شكلت الميليشيات المدعومة من إيران حزبًا سياسيًا يسمى “الفتح”، استطاع حصد 54 مقعدًا في البرلمان العراقي، ما منح الميليشيات وسيلة سياسية لتحويل “الحشد” من قوة مؤقتة من المتطوعين إلى فرع رسمي تابع للأجهزة العسكرية العراقية.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2018، أقر البرلمان قانونًا يمنح 140,000 مقاتل من ميليشيات الحشد أجورًا تتساوى مع نظرائهم في الجيش العراقي، إلى جانب العديد من المزايا الخاصة. وقد جرى مضاعفة ميزانية قوات الحشد لهذا العام ووصلت إلى 2 مليار دولار.

وبحسب وسائل إعلام عراقية اقتبست عن سياسيين بارزين الشهر المنصرم، استطاع ائتلاف الفتح إقناع الحكومة العراقية بمنح قوات الحشد السيطرة الكاملة على شركة “معتصم”، إحدى أكبر شركات المقاولات المملوكة للدولة العراقية. وبالطبع، سيكون لدى مقاتلي الحشد نصيب الأسد من جميع أرباح الشركة.

 

مخاوف شعبية ورسمية عراقية

لقد أثار نفوذ الميليشيات المتنامي في الدولة مخاوف المراقبين والخبراء، لا سيما فيما يتعلق بتبعيتها الفعلية للمسؤولين في طهران. هذا القلق لم يساور العرب فحسب، بل هز أيضًا مضاجع العراقيين أنفسهم، الذين قالوا علانية إن مستوى نفوذ الميليشيات يهدد سيادة الدولة وقوة الحكومة والجيش العراقي ذاته.

اقرأ أيضًا: مؤسسة أمريكية تكشف معلومات صادمة حول وكلاء إيران في المنطقة العربية

وقد اتهم حكيم الزاملي، الرئيس السابق للجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي، الحكومة بالضعف الشديد أمام الميليشيات وقوتها الاقتصادية المتنامية. وقال الزاملي: “إن لم تتخذ الحكومة إجراءات حاسمة بشأن هذه الميليشيات، فلن تنجح الدولة في تحقيق مطالب المواطنين العراقيين فيما يتعلق بالفساد والبطالة والخدمات الرديئة”.

وبالطبع، تعتمد قوات الحشد الشعبي على رواية تؤدي إلى تشويه صورة عناصر الجيش العراقي، وتمنح عناصرها المصداقية والمجد؛ فعلى سبيل المثال، يزعم مناصرو الحشد أن الجيش العراقي ألقى زيه الرسمي ورمى أسحلته مع تقدم تنظيم الدولة الإسلامية تجاه بغداد، وهو ما يناقض الحقيقة تمامًا. وفي الوقت ذاته، أجازت الميليشيات الشيعية لنفسها أخذ التمويل والتدريب والعتاد من إيران، بما في ذلك منظمة بدر وكتائب حزب الله العراقية. ولم تكتف الميليشيات بممارسة النفوذ لصالح طهران في العراق، بل عمل عناصرها مع الإيرانيين عبر الحدود في سوريا، وقاتلت إلى جانب قوات الأسد باعتبار ذلك جزءًا من الخطط الإيرانية التوسعية.

لم تحترم إيران سيادة الحكومة العراقية بعد أن رفضت نزع سلاح قوات الحشد الشعبي وتسريح عناصرها وإعادة دمجها. ومن اللافت للانتباه أن العديد من هذه الميليشيات لا تزال تنشط على الأرض علانية حتى بعد أن أصبحت قوات الحشد فرعًا رسميًا من الجيش العراقي، بل وأصبح بعض قادتها على رأس وكالات دفاعية أخرى، بما فيها دائرة مكافحة الإرهاب وقوة العمليات الخاصة.

من الناحية الرسمية، لم يعد للحشد أي علاقة بالميليشيات، لكن الخط الفاصل بينهما على أرض الواقع غير واضح على الإطلاق، وهو ما يدركه العراقيون الغاضبون تمامًا. وتفيد المعلومات أن قوات الحشد لا تزال تحافظ على سيطرتها على الكثير من قواعدها العسكرية القديمة، وتساعد الميليشيات في إدارة نقاط التفتيش العسكرية في الميدان.

 

سرقة مقدرات الدولة

اتهم برلمانيون عراقيون وموظفون أمنيون قوات الحشد وميليشياتها السابقة -التي افتتحت ما يسمى المكاتب الاقتصادية- باستخدام نفوذها للاستيلاء على العقارات وفرض رسوم مقابل الحماية والمرور الآمن. هذا القلق العراقي بكل مستوياته من نفوذ الميليشيات المتنامي يثير مخاوف الكثيرين حول مستقبل العراق المنظور.

كما اتهم عضو البرلمان العراقي عن محافظة نينوى الشمالية الغربية، أحمد جبوري، الحكومة الإقليمية بـ”السماح للجماعات المسلحة المرتبطة بقوات الحشد بسرقة ما بين 70 و100 ناقلة نفط خام يوميًا من بلدة القيارة”. وأضاف أن “الحكومة صامتة بينما تُسرق نينوى في وضح النهار”.

اقرأ أيضًا: كيف ننظر إلى الميليشيات الإيرانية في المنطقة العربية؟

وقال أحد الباحثين الكبار، طلب حجب اسمه لأسباب أمنية: “1 من كل 32 برميلًا من النفط المباع يوميًا يذهب لخزينة الميليشيات، أهمها عصائب أهل الحق”.

علاوة على ذلك، تستغل الميليشيات الشيعية نفوذها في المناطق السنية بالقرب من الحدود الغربية والشمالية من أجل كسب الأموال، عبر الاستيلاء على طرق التهريب القديمة من أجل نقل المواد الغذائية والملابس والكثير من السلع الأخرى من سوريا وتركيا.

يقول أحد الأشخاص المقربين من قوات الحشد الشعبي ومن الحكومة السورية، الذي توسط في بعض هذه الصفقات، شريطة عدم الكشف عن اسمه، إن “مجموعات شيعية محددة تتعاون مع السوريين تحت رعاية الحشد الشعبي من أجل تهريب المنتجات السورية مثل الفاكهة والخضروات والصابون والبلاستيك”.

ومن أجل تبرير هذه الممارسات التي باتت تطفو على السطح، شرعت قوات الحشد بالحديث عن “خطط للمساعدة في إعادة بناء البلاد”، ما أكسبها بعض الثناء. وتعليقًا على ذلك، قال المحلل السياسي علي ماولاوي من بغداد: “بما أن المعارك قد توقفت، فهنالك نية للتوسع إلى ما هو أبعد من الأعمال العسكرية؛ إذ يمكن استغلال عناصر الحشد في قطاع الخدمات”. وأضاف: “هنالك 120,000 عنصر يمكنهم إنجاز الأشياء الخدماتية بشكل أسرع وبشكل ديناميكي”. في الحقيقة، أدرك العراقيون أن هذا التوجه “الحشدي” الجديد يجسد تنامي التأثير والنفوذ الكبيرين لهذه الميليشيات، لا سيما في مشاريع الأشغال العامة والبرامج الأخرى التي تصب في صالح المجموعات الشيعية في نهاية المطاف.

اقرأ أيضًا: إيران تحول العراق إلى قاعدة صواريخ أمامية

يقول الباحث الأمريكي “ثناسيس كامبانيس” من مركز أبحاث “سينتشري فاونديشن” إن “هدف الميليشيات هو ترسيخ نفوذها الاجتماعي في شتى أرجاء العراق من خلال إنشاء شبكة من الكيانات الخدماتية الاجتماعية، بما يخدم أهداف المجموعات الشيعية في نهاية المطاف”. وأضاف أن “هذا النهج مماثل تمامًا للنموذج المستخدم على يد حزب الله في لبنان، الذي استطاع أن يسيطر على البلاد في المجالات كافة”. واختتم بالقول: “إن لم تتمكن الدولة من إنشاء طريق سريع، وتمكن الحشد الشعبي من فعل ذلك، فماذا سيقال عن هذه الدولة؟”.

 

المصدر: صحيفة لوس آنجلوس تايمز الأمريكية

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة