الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

مخاوف الأمن الداخلي للهند: البعد الشمالي الشرقي

كيوبوست- ترجمات

د.راهول ميشرا♦

عندما نالت الهند استقلالها من الإمبراطورية البريطانية في عام 1947، واجهت العديد من نقاط الضعف على طول حدودها الشمالية والشرقية والغربية. إذ لم يكن نقل السلطة من البريطانيين يتعلَّق فقط بولادة الهند كدولة حديثة مستقلة، ولكن أيضًا بالالتزام بالمعاهدات الدولية التي أبرمها حكام الهند البريطانية مع الدول المجاورة.

كونها دولًا مستقلة حديثًا، وجدتِ العديد من المستعمرات السابقة في آسيا نفسها في موقفٍ ضعيف إلى حدٍّ ما في التعامل مع المطالبات الإقليمية المتداخلة بشكلٍ متبادل، والاختلافات والنزاعات مع الوكالة الإدارية المحلية للدول المجاورة، وتنقل المجتمعات العرقية دون عوائق، متجاهلة ضرورات وإجراءات دخول الأراضي ذات السيادة للدولة القومية الحديثة. وإذا ما وضعنا هذه التحديات مجتمعة، فإنها غالبًا ما تحد من حماس الوكالات الحكومية نحو التحديث، والخطوات الرامية إلى تعزيز الاتصال والتنمية الاقتصادية. علاوةً على ذلك، وقعت محاولات إحلال سلام دائم في المناطق الطرفية فريسة للتمرد والنزعات الانفصالية والعنف المسلح ضد الدولة نفسها. ولم تكن الهند استثناء من أي من هذه السمات.

اقرأ أيضًا: صعود الهند المعطَّل.. كيف خنقت الحكومة النمو؟

خلال سنوات الحرب الباردة، خاصة بعد الحرب الهندية-الصينية عام 1962، حظيت النزعات الانفصالية القائمة على العرق، في العديد من الولايات الشمالية الشرقية، على التمويل والدعم من قبل الصين الشيوعية لإبقاء الهند مشغولة في شبه القارة الهندية. وقد تم تدريب بعض القادة الانفصاليين البارزين، مثل إسحاق شيشي سوو وثوينجالينج مويفا -القائدين في المجلس الاشتراكي القومي في (ناجالاند)- وحتى باريش باروا من الجبهة المتحدة لتحرير ولاية آسام، في الصين. وحصلت بعض من هذه الجماعات على الأسلحة الصغيرة، والتمويل، والدعم من الصين، والجماعات الانفصالية التي تتخذ من ميانمار مقرًا لها.

كما أن الافتقار إلى الموارد الكافية، وضعف البنية التحتية الحدودية، والنزاعات الحدودية مع الصين التي أدّت إلى حرب عام 1962، قد أجبر الدولة الهندية والحكومة المركزية على أن تصبح أكثر انغلاقًا على نفسها، بل وتحويل حدودها الشمالية الغربية والشرقية إلى جبهاتٍ بدلًا من الجسور والممرات التجارية. وعلى مدى عقودٍ، أبقتِ الهند مناطقها الحدودية متخلفة تنمويًا حتى لا تتمكن القوات الصينية من الوصول بسهولة إذا حاولت بكين تكرار الحرب القصيرة على الحدود عام 1962 والتعدي على الأراضي الهندية.

العلمان الهندي والصيني

مع إطلاق سياسة التوجه شرقًا في عام 1992، التي سبقها عدد من اتفاقيات السلام مع الجماعات المتمردة، سلكت الهند نهجًا متعدد الجوانب في التعامل مع عددٍ كبير من التدابير، بما في ذلك البنية التحتية، والاتصال، والمبادرات المالية. وكان قطع الصلات بين الجماعات المتمردة المحلية، ورعاتها الأجانب، جزءًا مهمًا من هذا الهدف. وكجزء من هذه المهمة، سعَت الهند للحصول على مساعدة من جيرانها الشرقيين –ميانمار وبوتان وبنجلاديش– لطرد المتمردين والانفصاليين.

على مدى العقود الثلاثة الماضية، التي بدأت بسياسات “التوجه شرقًا” (1992) ثم “قانون الشرق” (2014)، لم تسع الهند لربط ولاياتها الشمالية الشرقية بدول جنوب شرق آسيا المجاورة فحسب، بل سعَت أيضًا إلى وضع الولايات الشمالية الشرقية في طليعة الخطاب التنموي في الهند. كان هذا هو الحال بشكلٍ خاص على مدى السنوات السبع الماضية، في ظل حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي.

رئيس وزراء الهند، ناريندرا مودي- جيتي إمجس

ومع ذلك، وعلى الرغم من الخطوات التي اتخذتها الحكومة، فلا يزال النضال من أجل تحقيق توازن بين التنمية والسلام يمثل تحديًا حيويًا للولايات الشمالية الشرقية في الهند. غير أن ما يزيد الوضع تعقيدًا هو أن العديد من هذه الجماعات المتمردة لا تزال تحظى بدعمٍ من الدول المجاورة، بما فيها الصين.

وقد فُتح فصل جديد عندما نصب الإرهابيون كمينًا لكولونيل من الكتيبة رقم 46 من منظمة “بنادق آسام”؛ تنظيم شبه عسكري يتبع الجيش الهندي، وعائلته في مانيبور في نوفمبر 2021. كما أصيب ستة من أفراد الكتيبة بجروح في الحادث. وأعلنت منظمتان إرهابيتان مقرهما مانيبور؛ هما جيش التحرير الشعبي، والجبهة الشعبية في مانيبور ناجا، مسؤوليتهما عن الهجوم. ويعتقد أن ميانمار تقف وراء معظم عمليات هذه المنظمات.

تعتقد بعض المصادر أيضًا أن الإرهابيين المسؤولين عن الهجوم دخلوا إلى الحدود الهندية من ميانمار. وهذا ليس مستغربًا بالنظر إلى أن الهند وميانمار لديهما حدود تزيد على ستمائة كيلومتر. كما أن هذه المنطقة الحدودية يسهل اختراقها. وعلاوة على ذلك، لم يتم تسييج جزء كبير من الحدود، بل وربما حتى لا يمكن القيام بذلك. هذه العوامل تزيد من تعقيد الوضع بالنسبة للقوات الهندية، الأمر الذي يؤدي في بعض الأحيان إلى وقوع حوادث مؤسفة تنجم عن انعدام الثقة وسوء الاتصال بين القوات وعامة الناس. ففي ديسمبر 2021، على سبيل المثال، قتل أكثر من عشرة مدنيين وأحد أفراد قوات الأمن في ناجالاند بعد أن ظنت القوات الهندية خطأ أن مجموعة من العمال كانوا من المتشددين، وأطلقت النار عليهم.

اقرأ أيضًا: هل وصلت الخلافات بين الهند والصين إلى نقطة اللا عودة؟

عدم الاستقرار في ميانمار

ينبع قدر كبير من المخاوف الأمنية الهندية على طول الحدود الشرقية من ميانمار التي تعاني اضطراباتٍ عرقية. ما فتئت ميانمار، منذ استقلالها في عام 1948، تواجه صراعاتٍ واضطرابات بين الأعراق تتصل بالافتقار إلى المصالحة العرقية الوطنية. وقد امتدت هذه الخلافات إلى الهند المجاورة، الأمر الذي يؤدِّى في كثيرٍ من الأحيان إلى مشاعر مماثلة من جانب بعض الجماعات العرقية ضد أجهزة الدولة.

ترتبط موجات هجمات المتمردين على القوات الهندية، وعامة الناس أيضًا، بالحالة السياسية الداخلية وحالة القانون والنظام في ميانمار. وتجدر الإشارة إلى أن ميانمار دخلت في حالة حرب أهلية منذ الانقلاب الذي وقع في فبراير 2021- وضع تصاعد كميًّا فقط حيث إن الصراع بين تاتماداو والجماعات المتمردة، وهذا الوضع قائم منذ سبعة عقود في الدولة. كما أن جيش ميانمار -التاتماداو- مشغول بمحاربة العشرات من الجماعات القبلية المسلحة الانفصالية والمناهضة للجيش والمناهضة للنظام. وفي خضم هذا العنف المتصاعد، هناك خطر دائم من أن تصبح الجماعات الانفصالية في شمال شرق الهند نشطة وعنيفة.

لعبت منظمات ناجا الانفصالية التي تتخذ من ميانمار مقرًا لها دورًا محوريًا في تأجيج النزعة الانفصالية في شمال شرق الهند. ووفقًا لمصادر حكومية وخبراء أمنيين، يحظى جيش تحرير مانيبور الشعبي بدعم فصيل خابلانج التابع للمجلس الاشتراكي الوطني في ناجالاند. المجلس الاشتراكي الوطني في ناجالاند (خابلانج) هو منظمة انفصالية يقودها خابلانج، انشقت عن المنظمة الأم، المجلس الاشتراكي الوطني في ناجالاند (الذي كان يقوده إسحاق مويفا)، الذي يقع معقله في مقاطعة ساجاينج في ميانمار. وتقع مقاطعة ساجاينغ على حدود الهند. وقد نفذت مجموعة خابلانج هجمات عدة كبرى على الجيش الهندي في الماضي، كان من أبرزها الهجوم الذي وقع في يونيو 2015.

ميانمار تتجه نحو حربٍ أهلية على نطاقٍ غير مسبوق- لوس أنجلس تايمز

الجدير بالذكر أن كلًا من جيش التحرير الشعبي في مانيبور، والمجلس الاشتراكي الوطني في ناجالاند (فصيل خابلانج) لم يوقعا أي اتفاق سلام مع الحكومة الهندية. ومثل العديد من المنظمات الأخرى التي تنشط في الشمال الشرقي، فإن دولة ميانمار نفسها هي التي تتحكم في هذه الجماعات مباشرة. وعلى الرغم من أن فصيل خابلانج ليس مرتبطًا بشكلٍ مباشر، فإن دوره في الحادث كان واضحًا.

ولا شك أن الاضطرابات في ميانمار، التي تعيش في حالة حرب أهلية منذ عقود، والقتال الشرس بين مختلف الجماعات القبلية وجيش ميانمار، تؤثر بشكلٍ مباشر على الجماعات الانفصالية على الجانب الهندي من الحدود.

اقرأ أيضًا: المستفيد الوحيد من الانقلاب العسكري في ميانمار هم المتشددون في بكين

العلاقة مع الصين

تجدر الإشارة هنا إلى أن الدعم اللوجستي والمعنوي الذي تقدمه الصين إلى الجماعات الانفصالية في الهند وميانمار ليس ظاهرة جديدة. وقد شكّل هذا تحديًا كبيرًا للقوات المسلحة، ووكالات الأمن الهندية.

ولطالما كانت للمنظمات الانفصالية في الشمال الشرقي صلات مع ميانمار والصين وتايلاند، وأحيانًا حتى بنجلاديش. على سبيل المثال، في عام 2017، ذهب زعيم فصيل خابلانج إس إس خابلانج أيضًا إلى هناك لتلقي العلاج على نفقة الصين (وقد توفي بسكتة قلبية بعد وقتٍ قصير من وصوله). وأحد الأسباب الرئيسة لهذه المشكلة هو أن معظم هذه الجماعات الانفصالية التي تنشط في الهند وميانمار تحصل على الأسلحة الصغيرة والخفيفة من الصين. وبالنسبة للصين، فهي مصدر سهل وفعّال لزيادة الموارد.

يمكن القول إن الصين تحاول إشعال النزعة الانفصالية في الولايات الشمالية الشرقية من الهند، لاسيّما في ناجالاند ومانيبور وآسام، كجزء من جهود بكين لتحجيم الهند. وهذا بلا شك سبب رئيس، ولكن اهتمام الصين وتورطها في سوق الأسلحة غير المشروعة، والاتجار بالمخدرات، واستغلال الموارد الطبيعية من خلال الجماعات الانفصالية في الهند وميانمار مستمر منذ عدة عقود.

الرئيس شي مع رئيسة ميانمار في آخر زياراته الخارجية- “نيويورك تايمز”

ولسوء الحظ، لم تتمكن كل من الهند وحكومة ميانمار (أي الجيش) من وقف عمليات التهريب وتدفق المواد غير القانونية الأخرى. ومن الواضح أن الدافع وراء إدامة التمرد المسلح ضد الهند هو ضمان استمرار تدفق الإيرادات غير المشروعة للصين. ومن الأهمية بمكان أن نُذكِّر هنا أن كوكس بازار في بنجلاديش، التي تعتبر مركزًا رئيسًا لتهريب الأسلحة غير المشروعة في جنوب آسيا، لها صلات بالصين أيضًا.

صناعة المخدرات تؤجِّج الجرائم ضد الدولة

يُطلق على المنطقة التي تربط تايلاند ولاوس وميانمار “المثلث الذهبي” كونها مصدرًا رئيسًا للمخدرات. وقد صودرت مخدرات تُقدر قيمتها بملايين الدولارات الأمريكية في الولايات الشمالية الشرقية من الهند خلال الأشهر القليلة الماضية، كما ألقي القبض على بعض أعضاء الجماعات الانفصالية في جميع هذه المداهمات التي شنتها قوات الأمن.

من الواضح أن الاتجار بالمخدرات يمثل مصدرًا أساسيًا آخر للدخل للجماعات المتمردة ووسيلة للتعاون مع شركائها خارج الهند. ومن ثم، فإن معالجة مشكلة الجماعات الانفصالية بطريقةٍ ناجعة يتطلب تبني نهج منهجي ومتعدد الجوانب لقطع صلات الجماعات الانفصالية المسلحة المحلية بميانمار والصين ودول أخرى.

اقرأ أيضًا: ميانمار ساحة لاختبار الاستقرار السياسي والتنافس بين واشنطن وبكين

نطرة مستقبلية

لطالما كان السلام والاستقرار الدائمان حلمًا بعيد المنال لسكان الولايات الشمالية الشرقية من الهند منذ الاستقلال. والفرق بين القرن العشرين والعقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين هو أن الخطاب عن شمال شرق الهند كان في وقتٍ سابق هو “الأمن مقابل حرية التعبير”؛ لكنه تغيّر الآن إلى “التنمية مقابل الأمن”.

ثمة تغيير رئيس آخر هو أنه على عكس فترتي السبعينيات والثمانينيات، أكثر من نصف الولايات الشمالية الشرقية أضحت سلمية نسبيًا، وتحقق تقدمًا من حيث النمو الاقتصادي والتنمية. غير أن المشكلة تكمن إلى حد كبير في ناجالاند، ومانيبور، وإلى حد ولاية آسام في شمال شرق الهند.

اقرأ أيضاً: هل تكون مفاتيح حل أزمة مسلمي الروهينجا بيد الصين؟

واليوم، فإن معظم الولايات الشمالية الشرقية مستعدة للمشاركة في التيار الرئيس للتنمية وتطوير البنية التحتية في الهند بالقدر ذاته من القوة والحماس مثل أي ولاية أخرى في جنوب أو غرب الهند. وعلى مدار السنوات السبع الماضية، أولت حكومة مودي أيضًا اهتمامًا سياسيًا كبيرًا لهذه المنطقة، مع التركيز باستمرار على قطاع البنية التحتية. وقد أحرز الكثير من التقدم في هذا المجال.

ومع ذلك، فلا يزال هناك الكثير مما ينبغي عمله لأن هدفي الحفاظ على القانون والنظام، وضمان الأمن، لا يزالان يواجهان تحديات تتمثل في التسلل عبر الحدود، والأسواق غير المشروعة. كما أن تحديات الأمن الداخلي للهند في الشمال الشرقي لا تتعلق بمشكلات الأمن والقانون والنظام فحسب، بل بمجموعة من التحديات المترابطة: الاتجار بالمخدرات، والاتجار غير المشروع بالأسلحة الصغيرة، والاتجار بالبشر، واستغلال الموارد الطبيعية، والعنف الذي ترعاه بعض الدول ضد الهند.

وحتى الآن، لم تتمكن الحكومة المركزية أو حكومات الولايات من إيجاد الحل الناجع للتعامل مع هذه التحديات، وبالتأكيد ليس في الوقت الذي تضمن فيه التوازن مع النمو والتنمية. لكن في ظل وجود قدر أكبر من الاستقرار السياسي في الدولة وتقليص الخلافات السياسية، يتوقع أن تُظهر الحكومة المركزية وحكومات الولايات عزمًا أكبر على مجابهة مثل هذه التحديات الدائمة.

♦محاضر أول في معهد آسيا وأوروبا، جامعة مالايا، ماليزيا. وباحث في المركز الإقليمي لرابطة أمم جنوب شرق آسيا، التابع للجامعة ذاتها. من أحدث منشوراته “آسيا وأوروبا في القرن الحادي والعشرين: مخاوف وفرص جديدة” (روتليدج، 2021) و”توجه الهند شرقًا من العصور القديمة إلى قانون السياسة الشرقية” (سيج، 2019). يمكن متابعته على تويتر: @rahulmishr

المصدر: عين أوروبية على التطرف

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة