الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

مخاطر تخلف القوى العظمى عن سداد الديون

يبلغ حجم الدين الذي يتعين على الولايات المتحدة إعادة تمويله ضعف حجمه في عام 2011. وارتفعت الحيازات الأجنبية من السندات الحكومية الأمريكية بمقدار 2.5 تريليون دولار منذ عام 2011، لتصل إلى 7 تريليونات دولار.

كيوبوست- ترجمات

في هذا التحليل الاقتصادي، يقدم مات بوتينجر، رئيس برنامج الصين في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وداليب سينج، كبير الاقتصاديين ورئيس أبحاث الاقتصاد الكلي في PGIM، تحذيرات قوية من تأخر الدول في سداد مديوناتها؛ خصوصاً إذا كانت هذه الدولة من القوى العظمى العالمية.

خلفية لا بد منها

منذ تأسيسها، اعتبرت الولايات المتحدة عملية دفع ديونها مسألة تتعلق بالأمن الاقتصادي والقومي، ويستشهد التحليل بموقف ألكسندر هاملتون، أول وزير للخزانة الأمريكية، الذي حث الحكومة الفيدرالية على تحمل جميع الديون التي تكبدتها الولايات خلال الحرب الثورية. ووصف هاملتون أمام الكونغرس عام 1790، الوفاء بجميع الالتزامات المالية في الوقت المحدد بأنه مسألة شرف وطني.

خلال الحرب العالمية الأولى، حدد الكونغرس سقفاً للديون التي يمكن أن تتحملها وزارة الخزانة؛ بمعنى قدرة الوزارة على الاقتراض حتى الحد الذي حدده الكونغرس. كنتيجة مباشرة لذلك؛ تمكنت وزارة الخزانة من إصدار سندات الحرب، والتي قوَّت من القاعدة الصناعية الأمريكية. وبعد الحرب، تجاوز الدولار الأمريكي الجنيه البريطاني كعملة مهيمنة في العالم.

اقرأ أيضًا: فريد زكريا: الدولار في خطر.. روسيا والصين تهددان “القوة العظمى” لأمريكا

اليوم؛ وبعد مرور نحو قرن من الزمان، تواجه الولايات المتحدة منافسة جيوسياسية متصاعدة مرة أخرى. لقد أوضحت كل من الصين وروسيا رغبتهما في تحدي النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، والواضح أن لديهما معاً القدرة على القيام بذلك؛ فالصين لديها ثقل اقتصادي وعسكري وتكنولوجي، وروسيا بسبب شهيتها المفتوحة على تحدي الوضع الراهن. والواقع أنه مع مقاومة الولايات المتحدة وحلفائها هذه المنافسة، تختار العديد من الدول عدم الانحياز إلى أي من الجانبَين.

روسيا والصين تتخليان عن الدولار الأمريكي لصالح اليوان الصيني- وكالات

في خضم هذه المنافسة، وصلت الولايات المتحدة إلى سقف حد الديون في يناير، وتعالت أصوات من الجمهوريين في الكونغرس برفض رفع السقف ما لم يوافق الديمقراطيون على خفض الإنفاق الفيدرالي.

في وقت سابق من أبريل، كشف رئيس مجلس النواب الجمهوري كيفن مكارثي، النقاب عن مشروع قانون لرفع سقف الديون بمقدار 1.5 تريليون دولار مقابل خفض الإنفاق بنحو 130 مليار دولار. وفي 26 أبريل، أقر الجمهوريون في مجلس النواب مشروعَ القانون بفارق ضئيل. وفي حال فشل الكونغرس في رفع حد الديون الآن، فسيؤدي ذلك إلى إضعاف القوة الأمريكية في وقت تتطلع فيه الصين وروسيا إلى استغلال كل نقطة ضعف ممكنة.

الوضع لا يشبه 2011.. إنه أسوأ

ليس هناك شك في أن الإدارة الأمريكية يجب أن تضع الدولة على أساس مالي أكثر مسؤولية. فشل كلا الحزبَين السياسيَّين في كبح جماح الإنفاق؛ نتيجة العجز الذي غذته الحروب في أفغانستان والعراق، والأزمة المالية عام 2008، والاستجابة لوباء كورونا. ومع ذلك، فإن التهديد بالتخلف عن سداد ديون الحكومة هو الطريقة الخاطئة لمعالجة هذه المشكلة.

كيفن مكارثي

في بعض الأحيان، كما حدث في عام 2011؛ خفضت وكالة التصنيف S&P تصنيف الجدارة الائتمانية للولايات المتحدة من AAA لأول مرة، لكن معظم التأثير المالي والاقتصادي كان قصير الأجل، واختفى بعد أن رفع الكونغرس سقف الديون في أغسطس.

في الواقع، ساعد الولايات المتحدة على تخطي هذه الأزمة، انخفاض تكاليف الاقتراض وتعزيز الدولار والحظ الجيد؛ لعدم وجود بديل معقول للدولار الأمريكي. في ذلك الوقت، كانت أوروبا تنحدر إلى أزمة ديونها الخاصة، وكانت اليابان غارقة في الركود، ولم تكن الصين قد استقطبت بعد تدفقات هائلة من رأس المال الأجنبي، ولم تكن الأصول الرقمية سائدة.

لكن الآن تغير السياق بشكل كبير؛ فحجم الدين الذي يتعين على الولايات المتحدة إعادة تمويله يبلغ ضعف حجمه في عام 2011. وارتفعت الحيازات الأجنبية من السندات الحكومية الأمريكية بمقدار 2.5 تريليون دولار منذ عام 2011، لتصل إلى 7 تريليونات دولار. منها ما لا يقل عن 1.5 تريليون دولار مملوكة لحكومات ليست أعضاء في مجموعة السبع. وفي اختلاف آخر عن عام 2011، تعمل أوروبا على إقامة اتحاد اقتصادي أوثق؛ مما يجعل اليورو بديلاً معقولاً أكثر للدولار في جميع أنحاء العالم. أخيراً، والأهم، حملة العقوبات ضد روسيا تستمد قوتها إلى حد كبير من قدرة الولايات المتحدة على استبعاد جهة فاعلة مارقة من النظام المالي العالمي الذي يهيمن عليه الدولار. لكن قد لا تنجح واشنطن في ذلك ضد الصين.

اقرأ أيضًا: إنهاء “دولرة” الاقتصاد العالمي

المخاطرة بكنز وطني

على الرغم من أن العقوبات مبررة بالتأكيد، وتلحق ضرراً بقدرة روسيا على تصعيد قدراتها في الحرب؛ فإن العقوبات سلاح ذو حدَّين. فحالياً تدرس بعض الدول ما إذا كان الاعتماد المستمر على الدولار الأمريكي هو رهان آمن. وتشجع بكين وموسكو شركاءهما التجاريين على بناء آليات دفع جديدة باستخدام عملاتهم الخاصة أو اليوان الصيني.

اليوان الصيني

لا ينبغي لأحد أن يقلل من شأن المخاطر التي ينطوي عليها مثل هذا الوضع؛ فأولوية الدولار الأمريكي هي كنز وطني. تسمح قوة الدولار للأُسر والشركات والحكومات الأمريكية، على جميع المستويات، بتمويل ذاتي بتكلفة أقل بكثير مما يمكن أن تكون عليه الحال بخلاف ذلك. تستفيد العائلات من حالة الدولار التي لا مثيل لها كل يوم؛ عن طريق دفع معدلات فائدة منخفضة على ديون بطاقات الائتمان، والرهون العقارية، وقروض الطلاب.

 لقد منح الدولار الولايات المتحدة، على الأقل حتى الآن، القدرة الفريدة على امتصاص الصدمات؛ مثل خفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة عام 2011، دون رؤية ارتفاع تكاليف الاقتراض في البلاد أو انخفاض قيمة العملة الأمريكية. وقوة الدولار تمنح الحكومة الأمريكية القوة الفريدة لإحداث صدمة اقتصادية لخصم من خلال استبعاده من النظام المالي العالمي القائم على الدولار من خلال العقوبات.

لكن حقيقة أن العالم يمكن أن يواجه احتمالية تخلف الولايات المتحدة عن سداد ديونها؛ هي في حد ذاتها مشكلة. إن أولوية الدولار ليست أكثر من شبكة متجذرة في الثقة والعادات والافتقار المفترض إلى البدائل. جميع الأنظمة القائمة على الثقة لها نقاط تحول، غالباً ما تكون نفسية يستحيل تحديدها مسبقاً.

كانت أولوية الدولار قادرة على حشد القوة خلال القرن الماضي؛ بفضل الإيمان في المقام الأول بإشراف الولايات المتحدة على النظام المالي العالمي، جنباً إلى جنب مع سيادة القانون، وجودة واستقلال المؤسسات الأمريكية، وعمق وسيولة أسواق رأس المال الأمريكية، ونظام مفتوح للتجارة ورأس المال والأشخاص. على الرغم من أن معظم هذه القدرة التنافسية لا تزال سليمة إلى حد كبير؛ فإنها يمكن أن تفقد قيمتها ببطء ثم فجأة بمجرد فقدان الثقة.

لتجنب هذه النتيجة، اقترح بعض المشرعين والخبراء الخارجيين خيارات أحادية الجانب يمكن لوزارة الخزانة أن تستخدمها لتجاوز حد الدين؛ منها: استغلال ثغرة قانونية لسك عملة بلاتينية بقيمة تريليون دولار لتعويض التزامات وزارة الخزانة، أو الطعن في دستورية حد الدين… ما القاسم المشترك بين هذه الخيارات؟ إنها مشكوك فيها من الناحية القانونية، أو غير قابلة للتطبيق، أو تلحق أضراراً بالغة بمصداقية الولايات المتحدة، وتجعلها أقرب إلى التظاهر بأن الدولة تحترم التزاماتها، وهذا ليس ما تفعله القوى العظمى.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة