الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

محمد علي كلاي… الملاكم الذي صرخ: “أنا الأعظم”!

كيوبوست- مدى شلبك

كان فقدُ الملاكم العالمي محمد علي كلاي دراجته، سبباً بانخراطه في عالم الملاكمة، ففي عمر الثانية عشرة سُرقت دراجته الحمراء، فاتجه علي باكياً للشرطي ومدرب الملاكمة جو مارتن، ليبلغه بالجريمة مناشداً إياه بالقبض على السارق، لكن مارتن شجعه على تعلم القتال قبل البحث عن السارق والانتقام منه، وعليه بدأ علي رحلته في عالم الملاكمة.

وخلال السنوات العشر التالية لسرقة دراجته، تمكن الملاكم الذي تُصادف ذكرى ميلاده الثلاثاء 17 يناير، من إحياء رياضة الملاكمة التي كانت تحتضر، واستخدم شهرته الواسعة لمناصرة قضايا كبرى، كرفض العنصرية ضد السود في الولايات المتحدة، ومناهضة حرب فيتنام.

النشأة والبداية

ولد علي، واسمه الحقيقي؛ كاسيوس مارسيلوس كلاي جونيور، تيمنا باسم والده، عام 1942م في مدينة لويزفيل في ولاية كنتاكي الأمريكية، حيث واجه معضلتين؛ اضطهاد السود والفصل العنصري والفقر، فقد وُلد من عائلة فقيرة، كان والده يعمل في طلاء اللوحات الإعلانية، ووالدته كانت خادمة في المنازل، وهذا ما يفسر نشاطه الاجتماعي لاحقاً.

بعمر الثامنة عشرة فاز محمد علي بميدالية ذهبية في دورة الألعاب الأولمبية لعام 1960م- Central Press/Getty Images

في سنواته الست الأولى في رياضة الملاكمة، اجتاز علي درجات في مرحلة الهواة، وفي عمر الثامنة عشرة كان علي قد حصل على لقبين محليين، ولقبين من اتحاد الرياضيين الهواة، وأحرز مئة انتصار مقابل ثماني هزائم فقط، وكانت أهم تلك الانتصارات فوزه بميدالية ذهبية في دورة الألعاب الأولمبية لعام 1960 في العاصمة الإيطالية روما، والتي أضاء شعلتها بعد اعتزاله عام 1996م في أتلانتا.

“بطل العالم”

حقق علي خلال مسيرته الرياضية كمحترف 56 فوزاً، منها 37 بالضربة القاضية، فيما خسر في خمس مباريات فقط، وحصل على لقب بطل العالم للوزن الثقيل ثلاث مرات منفصلات، وحافظ عليه 19 مرة.

وتميّز علي بأسلوبه الذي لخصه قائلا: “أطير مثل فراشة، وألدغ مثل نحلة”، فقد كان علي خفيف الحركة على الرغم من أنه مصنف ضمن الوزن الثقيل، ويتجول في الحلبة كراقص باليه، كما ابتكر حركة قدمين سريعة ذهاباً وإياباً، حاصلة على براءة اختراع، أربك من خلالها خصومه، وأطلق عليها “مراوغة علي”.

محمد علي يستعرض “مراوغة علي”

وكانت ضربته كاللدغة سريعة ومفاجأة، لأنه كان يبقي يديه منخفضتين كطعم؛ يوحي خلالها للخصم أنه غير مستعد لتسديد لكمة، لكنه فجأة يضرب مثل الكوبرا، بلكمة أطلق عليها “لدغة الأفعى”. بالمقابل كانت حركة رأسه مطواعة، لذلك وجد خصومه صعوبة بتسديد لكمة سهلة إليه.

لم يقتصر أسلوب علي على الأداء الجسدي، لكنه اعتمد استراتيجية نفسية، عبر استخدام لسانه الحاد لزعزعة ثقة خصومه بأنفسهم عبر السخرية منهم، فمثلاً في واحدة من أهم مبارياته عام 1964م، والتي انتزع خلالها للمرة الأول في تاريخه بعمر الـ22، لقب “بطل العالم للوزن الثقيل” من الملاكم سوني ليستون، وصف علي ليتسون -مراراً وتكراراً- بـ”الدب الكبير القبيح”.

شاهد أيضاً: فيديوغراف: سهام عامر… أول يمنية تحترف الملاكمة

وانتصر علي مجدداً على ليستون في مباراة عام 1965م، كما فاز على فلويد باترسون، وجورج تشوفالو، والبريطاني هنري كوبر، وواصل علي انتصاراته متوقعاً في الغالب عدد الجولات التي يحتاجها للقضاء على الخصم، منتصراً على بريان لندن، وكارل ميلدنبرجر، وكليفلاند ويليامز، وإرني تيريل، وزورا فولي.

سماته ومعتقداته

عُرف محمد علي بكثرة كلامه وتفاخره بنفسه بطريقةٍ محببة وكوميدية، حتى أنه كان يصيغ أبيات شعر حول بطولاته، وسجلها بتمويل من شركة كولومبيا ريكوردز.

وصنع علي الصورة التي أرادها لنفسه، فلم يتوان عن إطلاق الألقاب على نفسه مثل “ملك العالم”، و”الأفضل على الإطلاق”، و”الأعظم”، ما جذب وسائل الإعلام حوله، إذ تسابق الصحفيون لتغطية كل ظهور له أو أي جدل يثيره، الأمر الذي استخدمه هو للحديث عن قضايا تبناها، على رأسها؛ العنصرية ضد السود في الولايات المتحدة، ما أزعج القائمين على رياضة الملاكمة.

محمد علي رداً على الانتقادات حول كثرة كلامه- Bob Thomas/Getty Images

وكان لإعلانه إسلامه في اليوم التالي لانتصاره على ليستون، وحصوله على لقب بطل العالم عام 1964م، صدى واسع، وجاء إسلامه على يد الداعية الإسلامي الأمريكي من أصل إفريقي مالكولم إكس، وتبعاً لتعاليم منظمة أمة الإسلام، أعطي علي اسمه من قبل زعيم حركة أمة الإسلام؛ إليجا محمد.

محمد علي برفقة مالكوم إكس- New York Daily News Archive  Getty Images

كما خلق علي أزمة في المجتمع الأمريكي عندما رفض عام 1967م، الانضمام إلى الجيش الأمريكي للقتال في فيتنام، بسبب معتقداته الدينية، في وقتٍ كان لا يزال جزء كبير من الشعب الأمريكي يؤيد الحرب في جنوب شرق آسيا، ما وضع علي في مرمى اللوم الشعبي.

اقرأ أيضاً: Icarus… عندما تتدخل السياسة في الرياضة

وبسبب رفضه للخدمة العسكرية قُبض عليه، وعلقت لجنة ولاية نيويورك الرياضية رخصته كملاكم، وجردته من ألقابه، وأدين بالتهرب من الخدمة العسكرية، وحُكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات كحد أقصى وغرامة قدرها 10.000 دولار، إلا أنه بقي حرا بكفالة.

محمد علي كلاي يدافع عن لقبه أمام لجنة إلينوي الرياضية- AP

وكما مُنع علي من اللعب لثلاث سنوات، فانخفضت شعبيته، وخلال تلك الفترة لم يكتفِ برفض المشاركة في الحرب، إنما روج ضدها في حرم الجامعات ووسائل الإعلام، فحول موقفه المعارض لاستخدام السلاح في وجه الشعب الفيتنامي تأثيراً لا يمكن تجاهله، ومن أقواله في ذلك: “لماذا عليَّ وعلى الآخرين، الذين يسمونهم زنوجاً، الذهاب 10 آلاف ميل بعيداً عن موطننا هنا أمريكا، لإلقاء القنابل وصب الرصاص على أولئك الناس السمر الأبرياء والذين لم يزعجوننا أبداً؟!”.

العودة إلى الحلبة

استفاد علي من تصاعد الرأي العام الرافض لحرب فيتنام، ففي عام 1970م، أمرت المحكمة العليا لولاية نيويورك بإعادة رخصته، وفي العام التالي ألغت المحكمة العليا الأمريكية إدانته بالإجماع.

عاد علي إلى الحلبة في 26 أكتوبر 1970م، لكن قدراته كانت قد تراجعت، ومع ذلك فاز بمعظم المباريات التي خاضهان وخسر خمسة منها كمحترف، وأبرز خساراته كانت أمام حامل لقب بطل الوزن الثقيل آنذاك جو فرايزر، الذي سرعان ما هزمه علي في مواجهةٍ عُقدت بعد ستة أشهر من مواجهتهما الأولى.

محمد علي يتفادى ضربة من خصمه جو فرايزر- بيتمان/ كوربيس

واستعاد علي اللقب الذي جُرِّد منه عبر انتصاره على جورج فورمان عام 1974م، متبعا تكتيك “الحبل المُخدِّر”؛ القائم على الاتكاء على الحبل وتلقي ضربات الخصم لغاية استنزاف طاقته، ومن ثم القضاء عليه بالضربة القاضية.

خسر علي اللقب أمام ليون سبينكس واستعاده مرة أخرى، وأصبح أول مقاتل يفوز بلقب بطل العالم للوزن الثقيل ثلاث مرات.

الاعتزال والإرث

أعلن علي اعتزاله عام 1979م، لكنه استأنف اللعب في عودة لم تكن موفقة، ليعنزل مرة أخرى وأخيرة عام 1981م عن عمر 39 عاماً، وفي عام 1984م شخص بمتلازمة باركنسون، جراء ضربة محتملة تلقاها على رأسه في إحدى المباريات.

وخلال سنوات اعتزاله، استخدم علي شهرته للمساهمة بأعمالٍ خيرة، فقد التقى بالرئيس العراقي صدام حسين في عام 1990 للتفاوض على إطلاق سراح الرهائن الأمريكيين، وفي عام 2002 سافر إلى أفغانستان كرسول سلام للأمم المتحدة.

حصل علي على عدة ألقاب وأوسمة، بما في ذلك “شخصية القرن الرياضية في البي بي سي”، “ورياضي القرن” من قبل موقع Sports Illustrated، وحصل على وسام الحرية الرئاسي في حفل أقيم في البيت الأبيض عام 2005م، وفي نفس العام تم افتتاح مركز محمد علي في مسقط رأسه. وتوفي علي عن عمر يناهز 74 عاماً في 3 يونيو 2016م.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة