الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

محمد سبيلا.. موت الموت

شايع الوقيان♦

تعرفت على الفيلسوف المغربي محمد سبيلا، قبل سنواتٍ طويلة، عبر كتابه «مدارات الحداثة» الذي نُشر عام ١٩٨٧، ثم لاحقاً عبر السلسلة الشهيرة «دفاتر فلسفية» التي أشرف مع عبدالسلام بنعبد العالي، على انتقاء نصوصها وترجمتها. وهي سلسلة مفيدة لكل طالب وطالبة، ولكل مهتم بالفكر الفلسفي في ميادينه المختلفة. وككثيرٍ من مفكري المغرب اتصل سبيلا بالفلسفة الفرنسية، ودرس في جامعة السوربون، وحاز على شهادة في الفلسفة.

في كتاباته عموماً ميلٌ نقديٌّ تأثَّر فيه بفلاسفة الفكر النقدي (مدرسة فرانكفورت)؛ وهذا ما جعل سبيلا لا يتردى في متاهات الفكر اليساري الذي تردى فيه كُتاب عرب كثيرون، وأدخلهم في دهاليز السياسة، فأفقدهم الحس النقدي والموضوعي. فكان سبيلا يستلهم ماركس مثلاً؛ ولكن بعيون نقدية لا أيديولوجية، إذ من المعروف أن ثمة موقفَين فكريَّين من ماركس: الموقف المعرفي الذي ينطلق من آراء ماركس دون تقديس، فلا يجد حرجاً من انتقاده والخروج عنه في بعض المواضع، والموقف الأيديولوجي أو الإيقاني، وهو موقف المتعصب الأعمى الذي يطبق فكر ماركس كيفما اتفق. والموقف الثاني غير علمي، حتى إن ماركس نفسه يرفضه، ويسميه بالماركسية المبتذلة.

شاهد: فيديوغراف: الفلسفة.. وفن العيش

ففي «مدارات الحداثة»، وهو جملة من مقالات ودراسات نشرها سبيلا في صحفٍ متفرقة، نجده يقرأ فرويد مثلاً من وجهة نظر ماركسية- علمية؛ فلا ينتقد فرويد بوصفه أحد تمظهرات البرجوازية الرأسمالية، بل لأنه يهدر البعد الاجتماعي في تحليلاته. وقُل مثل ذلك في انتقاده تيارات فلسفية، كالوجودية والشخصانية، اللتين تعاطتا مع الفرد بشكل غير تاريخي وغير اجتماعي.

غلاف كتاب “مدارات الحداثة”

وانتقد سبيلا الوضعية المنطقية أيضاً؛ ولكن هذه المرة بسبب إغفالها البعد الميتافيزيقي، فالوضعية، كما هو معروف عند كارناب وآير -وعربياً عند زكي نجيب محمود- تعتبر العبارات الميتافيزيقية هراء وكلاماً بلا معنى؛ لكن سبيلا، وتحت تأثير الماركسية النقدية، يرى أن استبعاد الميتافيزيقا حجب عن الوضعيين رؤية الأسس الأيديولوجية للفكر الفلسفي؛ فليس هناك فكر بلا أساس أيديولوجي، وبالتالي ميتافيزيقي. وكان يمكن للوضعيين أن يفحصوا هذا الأساس ويتدبروه بعمق وتفهُّم لا أن يلغوه كلياً وكأنه “تحصيل حاصل”.

يستعمل محمد سبيلا مفاهيم ماركسية- لوكاتشية (نسبة إلى جورج لوكاتش) في نقد الخطابات الفلسفية؛ كمفهوميْ “الاغتراب” و”التشيؤ”. لكن هذا “التمركس الطفيف” لم يمنعه من الإفادة من فلاسفة خارج حدود الفكر الماركسي والنقدي، وأقصد الفكر الأنجلو- سكسوني. ومن ثم نرى تأثُّر سبيلا بلودفج فتغنشتاين. ورغم أن هذا الأخير نمساوي- ألماني؛ فإنه ارتحل إلى بريطانيا وصار زعيماً من زعماء الفكر التحليلي. كما يستعمل سبيلا باستمرار مفهوم رأس المال الرمزي والثقافي، كما وظفه وطوره الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي بورديو.

جورج لوكاتش

درس سبيلا مفهوم الحداثة طويلاً؛ وهو ذاته حداثي، ومن رواد الحداثة في الفكر العربي. والمراد هنا هو الحداثة الفلسفية والحضارية عموماً لا الأدبية فقط؛ فالتنوير حاضر كهاجس ملازم لأطاريح سبيلا. ولكنه مع ذلك ليس حداثياً بالمعنى الكلاسيكي؛ بل بالمعنى النقدي. فمن المعروف أن هابرماس انتقد الحداثة؛ ولكنه لم ينجرف وراء ادعاءات ما بعد الحداثة “الطائشة”. فأعلن هابرماس أن الحداثة (والتنوير) مشروع لم يكتمل بعدُ، ولا مبرر للهجوم عليه.

اقرأ أيضًا: حوار مع الفيلسوف يورغن هبرماس

من هنا كان سبيلا أقرب لأدورنو وهابرماس ولوكاتش منه إلى كانط وديكارت وفولتير؛ فقد رفض سبيلا مفهوم “الفلسفة الأولى”؛ أي البحث عن أساس يقيني مطلق للعلوم لا يطرأ عليه التغير والتحول؛ فليس هناك شيء ثابت بل الكون يسير تبعاً لمبدأ “الصيرورة”، والواقع الاجتماعي خاضع لنمط من الصيرورة التاريخية. وفكرة “الفلسفة الأولى” بسبب لا-تاريخيتها تتجاهل ملابسات الواقع التاريخي، وتتخلى عن وظائفها الاجتماعية. ومن ثم انتقد سبيلا الفكر الفلسفي العربي المعاصر بناء على تلقيهم غير النقدي للمذاهب الفلسفية: الوجودية، والشخصانية، والوضعية المنطقية. وكان يرى أن من المهم أن يتم استغلال الفلسفة في خدمة المجتمع ورقيه.

يورغن هبرماس

وسبيلا هنا يختلف مع أطروحة كمال عبداللطيف -الفيلسوف المغربي الآخر- الذي يرى أن استقلالية الفلسفة عن التوظيف الأيديولوجي والسياسي مهم جداً لترسيخ “المغامرة الفلسفية المبدعة في مجال النظر العربي”. فعبداللطيف يرى أن الفلسفة العربية المعاصرة بدأت بشكل سياسي لا علمي؛ فتم انتقاء مذاهب فلسفية تخدم أغراض الصراع الأيديولوجي، ومن ثمَّ فالواجب هو استقلال النظر الفلسفي.

لم يشر سبيلا صراحةً إلى أطروحة عبداللطيف؛ ولكنها تحدد موقفَين كبيرَين إزاء التلقي الفلسفي والإبداع المعرفي: التلقي العلمي مقابل التلقي الأيديولوجي؛ ولكني لا أعتقد أن سبيلا، وهو الناقد الحذر، يؤيد الموقف الأيديولوجي، وإنما يشير فقط إلى أهمية الفلسفة في قراءة الواقع العربي؛ فالنزعة الماركسية لديه تشدد على عدم إهمال العلاقات الاجتماعية. وقد انتقد حالة المثقفين العرب المعزولين، بفضل السلطة، عن الانخراط في ملابسات الواقع، فهاموا في سماوات التجريد الميتافيزيقي.

اقرأ أيضًا: هل يحتاج الناس إلى الدين والفلسفة؟

محمد سبيلا مفكر حداثي نقدي كما قُلنا، وهو يراهن على الدرس التاريخاني كثيراً: أي رؤية الفكر بوصفه نتاجاً لعلاقات أعمق وأبعد من علاقات المجتمع المعرفي أو النخبوي. وكان هذا هو منطلق نقده لتيارات الفلسفة العربية. فالوجودية مع عبد الرحمن بدوي كانت فردانية، وتبشر بنمطٍ من الحرية يدعوه سبيلا بالحرية النفسية أو السيكولوجية، وليست حرية اجتماعية وسياسية.

وهذا واضح حتى في فكر الوجودية الفرنسية، إلا أن سارتر، كما هو معروف، في آخر عمره الفلسفي اتجه نحو شيء من “التمركس” عبر كتابه «نقد العقل الجدلي»، وأشاع نمطاً من الحرية السياسية-الاجتماعية. أما بدوي فكان يمقت الماركسية باستمرار منذ بدء عمره عندما ألَّف كتباً عن «نيتشه» و«شوبنهور»؛ بغرض مقاومة الاشتراكية في الفكر المصري، حتى كتابه «سيرة حياتي»، ولعل الخلفية الاجتماعية لبدوي لعبت دوراً كبيراً؛ إذ كان والده من كبار ملاك الأراضي التي فقدها مع سياسة استصلاح الأراضي إبان حكم عبدالناصر.

سارتر

ثم عرج سبيلا على فلسفة “الشخصانية”، ورائدها عربياً كان المغربي محمد عزيز لحبابي (ورينيه حبشي الذي لم يشر إليه سبيلا). وهي فرع من الوجودية؛ ولكن بثوب صوفي، مثلها مثل “جوانية” عثمان أمين. فهاتان المدرستان تؤكدان القيم العليا والحرية؛ ولكنهما تهملان البعد التاريخي، وصيرورة الواقع الاجتماعي، والقيم الثقافية. وبسبب هذا “الهوس” بالبعد التاريخي يرفض سبيلا جوانية عثمان أمين، ويقول “هي صوفية في زمن العلم، وحدسية في عصر العقل”، ومن هنا فهي “غير ملائمة” لواقعنا العربي؛ وهنا يتجلى الفرق الذي أشرنا إليه أعلاه بين سبيلا وعبداللطيف.

“العرب يحتاجون إلى فلسفة اجتماعية”، هكذا يعلن سبيلا. وهذا هو ما يميزه كمفكر غير أكاديمي؛ صحيح أنه عمل أستاذاً جامعياً، ولكنه عندما يكتب يكتب من أجل التنوير ولجمهور أوسع من طلاب الكليات؛ فلا يعتد كثيراً بقيود المنهج العلمي والموضوعية التي ينطوي عليها.

اقرأ أيضاً: الفلسفة.. مسيرة العقل البشري

في كلام له عن “الهويات الثقافية” يؤكد سبيلا أن مفهوم الهوية الثقافية نشأ مع الفيلسوف واللغوي الألماني هردر. وقد شدد هذا الأخير على أن لكل جماعة من البشر هويات خاصة، ورفض ادعاءات الكونية التنويري التي انتشرت مع ديكارت ولاحقاً مع اسبينوزا وفولف وكانط؛ وهي ادعاءات ترى أن ثمة مقولات كلية يجتمع فيها البشر بصرف النظر عن تفاوتهم الثقافي والتاريخي. وبهذا يكون هردر أحد الآباء الروحيين لما بعد الحداثة؛ لكن سبيلا كما يبدو لا يميل إلى أطاريح ما بعد الحداثة، مع أنه يؤمن بالتغير والصيرورة وبنوع من النسبية الثقافية.

من هنا فإن سبيلا وقع في بعض الدعاوى التي أراها “غير تنويرية” وغير نقدية. يرى مثلاً أن “أسلمة المعرفة” أمر جيد؛ لأنه يخلِّص المعرفة من المركزية الأوروبية. ويقول إن فلاسفة التنوير الأوروبي مثل هيجل وفلاسفة آخرين مثل هوسرل وهايدجر، كانوا خاضعين لأيديولوجية قومية أوروبية، فلا بأس أن نفعل مثلهم ونقاوم الأدلجة بأدلجة (ذكرها في كتاب متأخر له بعنوان: «زمن العولمة»)؛ لكنه يستدرك قائلاً: بشرط أن نبقي على النواة المعرفية للفكر الأوروبي ونطورها.

اقرأ أيضًا: الله والإنسان والطبيعة.. بين العقل العربي والعقل الغربي

غلاف كتاب “زمن العولمة”

مع فكر ما بعد الحداثة ظهرت فلسفات الموت والنهاية: موت الإله- موت الإنسان- موت العلم- موت المجتمع… ويرى سبيلا أن هذا الموت نفسه مات في مقالٍ بعنوان “نهاية فكر النهايات”. ويرى البعض أن موت الموت بهذا المعنى هو موت أخير: موت الغرب؛ لكن سبيلا يؤوله بأنه: موت المركزية الغربية؛ وهذا صحيح، فاليوم انتشرت دراسات ما بعد كولونيالية ونقدية من الغرب والشرق.

ولعل أشهر أطروحة حاولت تفكيك المركزية هي أطروحة “الاستشراق” لإدوارد سعيد، وألهَمَ سعيد مفكرين آخرين؛ مثل إعجاز أحمد وهومي بابا وغيرهما. ويذكر مفكر فرنسي (تيري هنتش) أن الغربيين بعد كتاب إدوارد سعيد صاروا يشعرون بنوع من الخزي أو الاشمئزاز من الخطاب الاستشراقي المسؤول عن بروز المركزية الغربية (راجع مقدمة كتاب هنتش: «الشرق المتخيل»)؛ ولكن قبل سعيد كانت هناك محاولات جادة بدأت مع نيتشه، ووصلت إلى فوكو، لنقض المركزية الغربية وتعاملها مع الثقافات الأخرى كأفلاك تدور حولها، لكنه نقد غربي لفكر غربي.

في مقالٍ طريف بعنوان (ثقافة الكلمة وثقافة الصورة) يبين سبيلا أن ثقافة الكلمة هي ثقافة النخبة المفكرة وثقافة العقل. بينما ثقافة الصورة هي ثقافة الجمهور. وهذا المقال منشور في كتابه «زمن العولمة» عام ٢٠٠٦. وهو يذكِّر بكتاب عبدالله الغذامي الشهير «الثقافة التليفزيونية: سقوط النخبة وبروز الشعبي» عام ٢٠٠٤.

اقرأ أيضاً: هل يستطيع أحد أن يعلن موت الفلسفة؟

وطرافة المقال تتجلى في أن ثقافة الكلمة تتطلب جهداً ومعرفة علمية أو شبه علمية. فالكلمات لا تدل بوضوح كما تدل الصور؛ فثمة تأويل وفك “شيفرات” يمارسها القارئ، بينما الصور (الفوتوغرافية والمتحركة) جذَّابة ومغرية ولا تتطلب جهداً كبيراً. ويرى -بناء على ذلك- أن الصورة ذات طابع هيدوني (لذّوي) وإيروتيكي. وهذا سبب انتشار ثقافة الصورة بين الجمهور.

أما الغذامي فيرى أن الصورة لغة، وتحتاج بدورها إلى تأويل، ويعتبر أن الصورة “جملة ثقافية” كالجمل اللغوية؛ ولكنَّ لها طابعاً بنائياً مختلفاً. وأعتقد أن وجهة نظر الغذامي أقوى في هذا الجانب؛ فالصور اليوم لا تعبر عن واقعٍ متعالٍ، بل عن واقعات افتراضية وصور أخرى كما يرى بودريار.

اقرأ أيضًا: إلى من يهمه الأمر.. دراسة الفلسفة ليست ترفاً!

كما أن الصور -بفضل التقنيات الحديثة- قابلة للتلاعب والاجتزاء وسوء التأويل كالكلام تماماً. ومن هنا فإن إقبال الجمهور على الصورة ناجم -في رأيي- عن اختلافها زمنياً عن الكلمة؛ فالصورة تأتي دفعة واحدة بينما الكلمات تأتي في تسلسل زمني يشعِر القارئ بالملل.

كما أن قراءة رواية مكتوبة قد يستغرقني ساعات طوالاً وربما أياماً، فإذا تم تمثيلها في السينما فإنها لا تتعدى الساعتَين. إنه “زمن العولمة” وعصر السرعة.

♦كاتب سعودي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

شايع الوقيان

كاتب سعودي باحث في الفلسفة

مقالات ذات صلة