الواجهة الرئيسيةمصطفى سعيد

محمد رضا شجريان …رحيل صاحب النغم الفصيح

كيوبوست – مصطفى سعيد

سمعتُ غناءَه منذ ما يزيد على عقدين من الزمن، لم أعرف اسمه، لكن عرفتُ نغمه وفهمته غاية الإدراك، أمّا النصوص التي يغنّي، فلم أفهم منها سوى بعض الأشطر العربيّة التي ترد في غنائِه، على أنّي أدركتُ أنّ اللغة فارسيّة.

أوّل خاطرةٍ خطرت ببالي حين سمعت غناءَه أنّ نغمنا الفصيح ليس فقط في الفنگرافات وحلقات الإنشاد، بل ما زال يُنتج منه، وإن بغير اللغة العربيّة، وينتشر ويُذاع ويُقبل السمّيعة عليه، وإلّا، فلماذا يُذاع في الإذاعات؟ وكيف عبر هذا القرص المدمج البحار ليصل إلى يدي؟

كانت نسخةً غير أصليّة، لذا فلم يُكتب على القرصِ اسمٌ، كان سماعه أملاً لي أنّي أستطيع إنتاج الجديد المعاصر في النهج النغميّ الذي أحبّ، النغم المقاميّ الفصيح.

ارتفع إلى مقام العشق الذي طلب، ووَرَدَنا نعيه يومَ أمس؛ محمّد رضا شجريان.

من يكون؟ أهو الموسيقيّ الفذّ أم الصوت الذي يكرهه نظام الحكم في بلاده أم المعلّم الذي استفادت منه أجيالٍ من أقصى المعمورة إلى أقصاها أم محبّ الخير للناس والساعي فيه؟

هو المولود في مشهد سنة1940  حيث حفظ القرآن، وأتقن علوماً كثيرةً ثمّ أتقن إرثه النغميّ. التحق بالإذاعة حيث مشى فيها على طريقتها، فغنّى على الأُركسترات السمفونيّة المطعّمة بآلاتٍ محلّيّة، لكن خارجها، فضّل الغناء على التخت وآلاته دون استيراد. فغنّى الغناء القديم، وحدثت الازدواجيّة، لماذا أغنّي في الإذاعة غناءً لا يمثّلني، ثمّ أغنّي غناءً قديماً أحبّ لكن كيف أُجدّد؟

تعاون مع زملائه في النغم على وضع نغمٍ جديدٍ معاصرٍ لكن بناء التطوّر فيه على أسسه الحضاريّة، وبرز هذا التعاون خصوصاً مع پرويز نشكتيان، ومجموعة عارف، ومحمّد رضا لطفي، حيث اختيرَت أعذب الأشعار، ونفوا عن أنفسهم العصبيّة والشعوبيّة، فتأثّروا بمحيطهم الذي يشاركهم نفس النظام النغميّ؛ أعني محيطهم العربيّ والتركيّ واليونانيّ وبلاد وسط آسيا، إلى آخره.

هو الواقف مع شعبه في ثورته على الظلم، الرافض لخطف الملالي لها حتّى لاسمها الذي أطلقوا عليه الثورة الإسلاميّة، فانزوى وكرهه النظام الحاكم من وقتها إلى وفاته.

قلّ عمله في بلده، فكان إنتاجُ أغلب عطائِه في النغم وتنفيذه خارجَ بلاد فارس. لم يؤثّر إبعاده عن المشهد النغميّ في محبّة الناس له، وطلبهم سماعه، ولم يؤثّر في عطائه ولا محبّته أهله وشعبه وطلب الخير لشعبه وكلّ شعوب الأمّة.

نال العديدَ من التكريم والجوائز، وقال لي ردّاً على رسالةٍ أرسلتُها له اعترافاً بفضله عليّ:

رسالةٌ خيرٌ من ألف جائزة، أَجرَت منّي دموعَ الفرح.

طلبتَ مقام العشق والخلود فيه، لا فُتِنّا بعدك، وألحقنا بك فسمعنا وطربنا من النغم ما شاء لنا مقام العشق.

سلامٌ على نفسك الباقية ما بقيَت في الكون نغمة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة