الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربيةمقالات

محمد بن ناصر العبودي أنثروبولوجياً

كيوبوست

د.عبدالرحمن بن عبدالله الشقير

ارتسمت الصورة الذهنية لمحمد بن ناصر العبودي (1345-1443هـ/ 1926-2022) بثلاث صورٍ ذهنية تعد أهم مراحل حياته؛ وهي:

في أول حياته العملية والعلمية بأنه محسوب على المؤسسة الدينية، بحكم مناصبه الدينية وسمته الزاهد، ومن أبرز مناصبه: مديرًا لمعهد بريدة العلمي، وهو معهد يُعنى بالعلوم الشرعية فقط، وأمين عام الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ويكلف نائباً للرئيس حال غيابه، وأشهر مناصبه وآخرها كان مساعد أمين عام رابطة العالم الإسلامي، وهذ المناصب أتاحت له زيارة كثير من بلدان العالم.

اقرأ أيضًا:  الموسوعي محمد العبودي.. الرَّحالة الذي لم يذهب للسياحة قط

والمرحلة الثانية شهرته بالرحلات؛ حيث أصدر سلسلة كتب رحلاته لكل مدينة، وقد طاف مختلف بلدان العالم، وتؤكد مناصبه ومؤلفاته على هذه الحقيقة.

والمرحلة الثالثة التي تفرغ لها في آخر حياته كانت توثيق التراث الشعبي؛ وذلك لأن للعبودي جانباً أنثروبولوجياً كبيراً لم يلتفت إليه، ويكمن ذلك في رصده الدقيق للمعجم اللغوي الشعبي، وتواريخ أسر القصيم.

أصدر العبودي في هذا المجال أكثر من عشرة مؤلفات، من أبرزها: كتاب “الأمثال العامية في نجد”، و”كلمات قضت”، و”معجم الحيوان عند العامة”، و”معجم السفر والارتحال عند العامة”، و”معجم الديانة والتدين في لغة العامة”، و”معجم الأقارب والأصدقاء في المأثور الشعبي”، و”معجم الملابس في المأثور الشعبي”، و”معجم ألفاظ المرض والصحة في المأثور الشعبي”، و”شجر البرية وأعشابها في المأثور الشعبي”.

غلاف كتاب “معجم الملابس في المأثور الشعبي”

ويؤكد هذا الحشد من المعاجم اللغوية الشعبية المتخصصة، عمق إيمان العبودي بالتراث الشعبي، وقدراته على التقاط المسائل الملحة في الحياة اليومية قبل عصر النفط، وبعده، وكان كثيراً ما يدعم تأصيل الكلمات بورودها في الشعر الشعبي، كما يؤكد دقة التقاطاته لموضوعات الساعة، مثل عنايته بالبيئة الحية المتمثلة بتوثيق التراث الشعبي المتعلق بالحيوان والنبات.

وفي البلدانيات أصدر كتاب “

” (1990)، وذكر في مقدمته بحثاً لطيفاً عن لهجة القصيم، والكتاب يحاول التعرف على المسميات القديمة للمواضع الحديثة وما تعرضت له من تغيير في الأسماء. وفي الأنساب أصدر كتاب “معجم أسر بريدة” (23 مجلداً)، وكتاب “معجم أسر عنيزة” (17 مجلداً)، وكتاب “معجم أسر جنوب القصيم”، وكتاب “معجم أسر شرق القصيم”، ويشمل أسر الشماسية والربيعية، وما حولهما، وكتاب “معجم أسر غرب القصيم” ومعاجم لأسر: البكيرية والنبهانية والشيحية ورياض الخبراء والبدايع، ولم تكتمل الصورة حولها لعدم صدور كثير منها حتى الآن.

غلاف كتاب “معجم بلاد القصيم”

قد يلفت الانتباه ضخامة عدد المؤلفات، مع أكثر من 170 كتاباً في الرحلات، وصعوبة إعدادها في حياة شخص واحد ملتزم بمهام إدارية كبيرة وأسرة والتزامات اجتماعية وسفر دائم. إلا أن التبرير يكمن في حسن تنظيم العبودي لإدارة وقته، ووجود فريق من المساعدين، سواء في الرابطة أو في دار الثلوثية، متعهد نشر مؤلفاته، كما أن مؤلفاته تتسم بأنها جمع موروث ورصد ما يراه في رحلاته، مما يمنح المؤلف مجالاً واسعاً للاعتماد على خبراته الشخصية وعلاقاته في جمع موضوعات مؤلفاته.

وظاهرة الكتابة القائمة على التدوين، وجمع المعلومات الموجودة، تعد قديمة ومعروفة، وتكمن أهميتها في الرصد والتوثيق، ومن المتوقع أن للعبودي كتاباً ضخماً عن الكلمات العامية، يستخرج منه الموضوعات المكتملة، وهي ظاهرة معروفة في التراث العربي، فقد ألف الصفدي كتاب “الوافي بالوفيات”، ثم استخرج منه العميان والعوران المشاهير ونشرهما في كتاب “نكت الهميان في أخبار العميان”، وكتاب “الشعور بالعور”.

محمد العبودي

ويلحظ من هذه المؤلفات عناية العبودي بالأنثروبولوجيا الثقافية المتمثلة في علاقة الإنسان بوظيفة اللغة، واستخداماتها في التواصل بين الناس، والتحولات التي تطرأ على بنية الكلمات، وتؤكد المعاجم اللغوية العامية على قدرتها التواصلية، والتصاقها بالمكان والزمان، وقد حفظ العبودي الكثير من الكلمات الشعبية المهددة بالانقراض، وقد أسهم بذلك في حماية الهوية المحلية لمنطقة القصيم.

كما أن مؤلفاته الأنثروبولوجية ترسم صورة متكاملة عن المجتمع، ورؤيته للعالم من حوله، كما تبين بوضوح ما يعتقد الناس فيه أنه ضروري لحياتهم، والقواعد التي وضعوها لتنظيمها. وتبين بوضوح أيضاً التفاعل الاجتماعي للبيئة الحية، مثل: سلوك الحيوان والنبات وعلاقتهما بالإنسان، ومثل: أساليب اللباس والكلام والطعام وغيرها من الممارسات الاجتماعية.

ويعد العبودي مصدراً أصيلاً في توثيق الكلمات العامية؛ وذلك لمعاصرته للأجيال الذين استخدموها واستخدمها معهم، وعلاقاته الاجتماعية الواسعة التي تمكنه من ضبط ما يجمعه من معاجم.

اقرأ أيضًا: رحلة إلى مكة.. على خطى ابن بطوطة

لقد أتاحت مؤلفات العبودي في الموروث الشعبي فرصة للتعرف على التحولات التي تعرضت لها أشكال التعامل مع البيئة الحية كالحيوان والنبات، والبيئة غير الحية كالمطر والسحاب ووجه الأرض كالتربة والجبال والأودية، ومع ثقافة الإنسان في الطعام واللباس وأشكال التدين والصداقة والصحة والمرض.

وقد انعكست رحلات العبودي إلى بلاد العالم واحتكاكه المباشر بمختلف الثقافات والحضارات على حياته الشخصية، واتسمت أخلاقه بقيم التسامح واحترام الوقت والأسرة وتقبل الآخرين، والانفتاح على جميع الأعمار والأجيال التي عاصرها.

♦أستاذ علم الاجتماع في جامعة الملك سعود بالرياض

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

د.عبدالرحمن بن عبدالله الشقير

الباحث السعودي، وأستاذ علم الاجتماع في جامعة الملك سعود بالرياض