الواجهة الرئيسيةحواراتشؤون دوليةشؤون عربية

محمد بن الشيخ: عودة جماعة الإخوان بسابق قوتها أمر مستبعد

كيوبوست

في هذا الحوار الذي أجراه “كيوبوست”، يرى الكاتب والباحث السعودي محمد بن الشيخ، أن عودة تيارات إسلاموية إلى ساحة الفعل والتأثير السياسي ممكنة، وتؤكدها أحداث عدة، غير أن عودة الإخوان المسلمين إلى ما كانوا عليه من قوة وتأثير تبدو مُستبعدة، وأن استخدامهم “المظلومية” لا يزال يحمل بعض الفعالية. ويرى في التردد الذي يصبغ التعامل الدولي معها نقطة ضعف وخطراً مستمراً، وينبه إلى وجود “شح في الخبرات الفكرية” التي يمكنها التصدي لافتراءات الجماعة الإرهابية وادعاءاتها.

* في مقال بمجلة “فورين بوليسي” في مارس الماضي، قال الباحث الأمريكي ستيفان كوك، إن هناك فرصاً لعودة الإسلاميين؛ خصوصاً جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، في الدول التي ظنت أنها قضت عليهم نهائياً.. بدايةً: ما تقييمك لهذا الرأي؟

– يبدو أن هناك بالفعل ملامح وفرصاً لعودة الإسلاميين، ويمكن رصدها من قِبل الباحثين والمتابعين، وأنا أتفق مع رأي الباحث الأمريكي في ما قاله؛ خصوصاً أن هناك مؤشراتٍ واضحةً؛ منها عودة جماعة طالبان إلى السلطة في أفغانستان بعد عشرين عاماً من الغياب؛ بعد انسحاب القوات الأمريكية، ورفع الإدارة الأمريكية جماعة الحوثي من ضمن الجماعات المصنفة إرهابية، وإعادة الملف الإيراني التفاوضي إلى مائدة الحوار.. كل هذه الأمثلة وغيرها يعني أن هناك فرصاً لعودة وإعادة التشكُّل مرة أخرى للإسلاميين؛ ومنهم الإخوان المسلمون.

وفي ما يتعلق بـ”الإخوان المسلمين”؛ هي جماعة منظمة اعتادت العمل السري، ولديها خطط وقاعدة بشرية كبيرة، ومنتشرة في العالم، ولكنها تعرضت إلى الحظر الرسمي في عدد ليس بالقليل في الدول الخليجية والعربية، وفقدت جزءاً لا يُستهان به من الظهير المجتمعي؛ خصوصاً في معقلها الأساسي مصر. ومن ثَمَّ فعودتها إلى قوتها وسيرتها الأولى، حين كانت في الحكم في مصر، تبدو أمراً بعيداً؛ خصوصاً أن هذه الدولة استفادت من تجاربها في التعامل مع هذه الجماعة، ليس من الجانب الأمني فقط؛ بل من الجانب الفكري والسياسي أيضاً.

سيطرة طالبان على الحكم في أفغانستان تثير مخاوف من انتعاش الجماعات الجهادية- بلومبيرغ

* كيف تنظر إلى تجربتك مع السرورية ومع جماعة الإخوان المسلمين؟ وكيف أعددت نفسك علمياً وشرعياً لتولي مهمة مواجهة أفكارهم والآليات التي يستخدمونها لنشرها؟

– ليست لي تجربة مع السرورية أو جماعة الإخوان؛ إنما نشأت ضمن نسيج مجتمع تشبع بأفكارهم وطقوسهم، التي كانت سائدة حينها؛ حيث سيطروا في التعليم والقطاع الخيري.

أما تجربتي في المواجهة؛ فبدأت بطلب العلم الشرعي في بداية المرحلة الجامعية في حلقات المشايخ “إخوان بريدة”، التي كانت تعارض مبادئ الصحوة، وطلبت العلم على عدد من المشايخ؛ من أبرزهم الشيخ عبدالله الدويش، رحمه الله، والشيخ عبدالله القرعاوي، ببريدة، وحضرت دروس الشيخ فهد العبيد، رحمه الله.

كما استفدت كثيراً مما درسته في المرحلة الجامعية وما بعدها، في فهم الجماعات الفكرية الإسلامية. وفي أعقاب التفجيرات الإرهابية بالرياض عام 1995، بدأ جُلَّ اهتمامي ينصب على تحليل الفكر المتطرف، وهو ما دفعني إلى تأليف كتاب: “المواطنة الصالحة”، الذي حاورت فيه أفكار هذه الجماعات المتطرفة.

اقرأ أيضًا: تاريخ جماعة الإخوان المسلمين وأيديولوجيتها (مقابلة مع يواس فاخيماكرز)

* ما رأيك في ما كُتب من مقالات ودراسات وكتب عن السرورية والإخوان من جانب كتاب سعوديين؟ وهل كشفت هذه الكتابات أموراً جديدة لم تكن معروفة عنهم وعن خطورتهم على الدولة والمجتمع؟

– في اعتقادي، لا يزال هناك افتقار كبير إلى دراسات سعودية عميقة تحلل السرورية والإخوان المسلمين، تكون على شاكلة كتاب عالم الاجتماع الفرنسي ستيفان لا كروا (زمن الصحوة.. الحركات الإسلامية المعاصرة في السعودية)، فأغلب المتاح من جانب السعوديين شهادات من أعضاء سابقين في هذه الجماعات، يكشفون عن القليل دون سبر أغوار الأفكار والأهداف التي ارتكنت عليها هذه الجماعات.

ويبدو أننا في حاجة ماسة إلى دراسات علمية تحليلية، ينهض بها الباحثون السعوديون، يعتمدون فيها على التقنيات والمنهجيات العلمية الحديثة للتمكن من تحليل هذه الظاهرة.

غلاف كتاب “زمن الصحوة.. الحركات الإسلامية المعاصرة في السعودية”

* لدى الجماعة الإرهابية، ولدى الصحويين والسروريين كذلك، تاريخ طويل من العمل السري، وقد اعتادت الاختباء وعقد التحالفات الانتهازية، ثم التسلل والانقضاض، مستغلةً حالات الفوضى وعدم الاستقرار، فما حدود قدراتها الحالية على مواصلة هذه اللعبة؟

– التحليل والمتابعة لحال هذه الجماعات؛ خصوصاً التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين وما يعانيه من انقسام وتشرذم حالياً، يدفعان إلى القول بمحدودية قدراتها على استغلال حالات الفوضى وعدم الاستقرار بالشكل الذي دأبت على العمل به في الماضي؛ خصوصاً في ضوء الضربات المتلاحقة التي تلقتها في معاقلها الأساسية: مصر والسعودية، لكن هذا لا يعني عدم مراقبتها باستمرار، فهناك احتمال لعودتها بصورة مختلفة بالاعتماد على الجيل الشاب الذي يمكن أن يستغل التطورات التكنولوجية ويتمكن من تحقيق قدر من الانتشار والتسلل بين جيله.

صراع السلطة مستمر بين إبراهيم منير ومحمود حسين

* لا تزال هناك دول وجهات تمارس دعم جماعة الإخوان المسلمين والصحويين والسروريين، حتى ولو بوتيرة أقل مما سبق، فما تقييمك لخطورة هذا السلوك؟ وما نتائجه المحتملة؟ وكيف يمكن مواجهته؟

– لا تزال هذه التنظيمات ناجحة بدرجة ما في جذب دعم بعض الدول، وإن كان بدرجة أقل من السابق، وهذا الدعم له نتائج خطيرة؛ لأنه يمنح هذه التنظيمات الديمومة في ممارسة أعمالها وأهدافها التخريبية.

ومن ثَمَّ، من الضروري مراجعة الأنظمة الرقابية والقضائية وتحديثها للحد من تسلل الفكر الإرهابي، ومراجعة الاتفاقيات الدولية التي تحد من التعاطف مع الجماعات الإرهابية؛ وبالتالي إضعافها.

* هناك أدلة متعددة على أن إيران قد تكون أحد ملاذات الجماعة الإرهابية.. فما مستوى خطورة التحالف غير المقدس بين الطرفَين؟

– أشارت شهادات إخوانية إلى اقتباس الخميني في كتاب «الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه»، الكثير من أفكار كتاب مُنَظِّر الإخوان سيد قطب «معالم في الطريق»، وبعد قيام الثورة الإيرانية في يناير 1979 تمت ترجمة كتاب «معالم في الطريق» إلى اللغة الفارسية، ووزع مجاناً على أفراد الحرس الثوري الإيراني، وعلى طلبة المدارس. هذا التشارك في الأفكار انبثقت عنه تنظيمات إرهابية شيعية وسُنية؛ ومنها: حزب الله في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، وتنظيم القاعدة، وتنظيم داعش في سوريا والعراق. هذا التحالف غير المعلن، الذي كشف الواقع عنه، أدى إلى إراقة الدماء البريئة، وإفشال خطط التنمية للمجتمعات، والاستقرار، ونشر الخوف والإرهاب، وزرع القلاقل في سوريا والعراق واليمن وليبيا، وغيرها من الدول ذات النسيج السُّني الشيعي.

سيد قطب- أرشيف

* هل تمتلك الجماعة الإرهابية فرصة التجارة بالمظلومية من جديد، أم أن هذا الادعاء قد فقد جدواه؟

– لم تتوقف الجماعة عن التسويق لتعرضها إلى الظلم والاضطهاد من قِبل الأنظمة والحكومات، زاعمةً أنها تحمل قضية الدفاع عن الإسلام. والراصد لسلوكيات الجماعة الإرهابية؛ فإن لديها القدرة على توظيف الأنظمة لصالحها والتكيف معها تحت مظلة المظلومية؛ لذا نراها توجد في أوروبا، مستندةً إلى ادعائها الخوف من دولها، وتعرضها إلى سلب الحرية، وفي هذا السياق تستفيد من الأنظمة الحقوقية الإنسانية، وأنظمة الهجرة، وحق اللجوء السياسي، وهذه ثغرة تم استغلالها وتوظيفها لصالحها، واستفادت منها، واستطاعت البقاء والعيش في تلك الدول، وإعادة ترتيب أهدافها للأسف حتى الآن.

اقرأ أيضًا:  “ميراث الكراهية”.. محاولة لتفكيك خطاب الإخوان

* لدينا تحركات تهدف الجماعة الإرهابية منها إلى استعادة النشاط في دول لفظتها فيها الشعوب وأقصتها؛ مثل السودان الذي يشهد تسللاً إخوانياً يتخفى وراء التحالفات الفضفاضة، وكذلك تونس التي توارت فيها الجماعة وراء تيارات أخرى؛ انتظاراً للحظة انقضاض مقبلة.. فما تعليقك؟

– هذا صحيح، ويمكن أن أضيف إلى ما سبق المثال الليبي أيضاً؛ عندما قامت الجماعة الإرهابية في ليبيا بتغيير اسمها، والانتقال تحت مسمى جمعية “الإحياء والتجديد”؛ سعياً منها إلى تغيير صورتها للشارع الليبي، الذي لفظها بسبب تعاونها مع القوات التركية، كما وصفها المحللون هناك.

جماعة الإخوان لديها هندسة اجتماعية تعمل من خلالها على اكتساب عقول الفئات الشعبية؛ ما ساعدها على حشدها وتجنيدها لأهداف الجماعة.. هي قادرة على التلون والتعامل بمرونة، وما الجاري في السودان وتونس والدول التي يسودها عدم الاستقرار السياسي سوى نموذج لقدرتها على التلون والدخول في تحالفات فضفاضة وانتهاز الفرص للانقضاض. وتاريخ الجماعة مليء بهذه التحالفات.

مظاهرة في تونس ضد “النهضة” الإخوانية- أرشيف

* حين تنجح الجماعة الإرهابية في كسب بعض النقاط في دولة ما، فإنها تُمد فروعها في دول عربية أخرى بمزيد من الطاقة، وهذا ما يفرض أن تكون جهود مواجهتها جماعية.. فهل ترى أن التعاون القائم عربياً ودولياً كافٍ لمواجهة الخطر؟

– رغم الجهود المبذولة؛ فإن هناك خطراً مستمراً يتمثل في التباين الدولي في التعامل مع الجماعة باعتبارها منظمة إرهابية أو لا، فالنظام الأمريكي لا يصنفها ضمن القوائم المحظورة لديه، لكنه يجرم الذراع العسكرية لها، هذا التباين يضعف التعاون بين الدول على مكافحة الإرهاب. ومن ثَمَّ فغياب الاتفاق العالمي على تجريم جماعة الإخوان يعيق جهود المواجهة، ويتيح للدول التي تدعمها الاستمرار في هذا الدعم، وهذا ما يجعل خطرها قائماً ومستمراً ويعطيها حرية الحركة والنمو.

اقرأ أيضًا: الإخوان المسلمون.. انقسام و صراع من أجل البقاء

* أخيراً، هل هناك ثغرات في الجهود الحالية لمواجهة الجماعة الإرهابية، سواء على مستوى الفكر أو التنظيم، يجب سدها لتجنب ما يسعى إليه “الإخوان” وأنصارهم من نشر الفوضى، بوصفها البيئة الملائمة لتمددهم وتمكينهم؟

– رغم الجهود الحالية المبذولة لمواجهة الجماعة الإرهابية سواء على مستوى الفكر أو التنظيم، والنجاحات التي تحققت بشكل واضح؛ فإنه من المهم التأكيد أن هذه الجهود تحتاج إلى الاستمرار من جانب، والعمل على سد الثغرات التي تواجهها من جانب آخر، وأعتقد أن أغلب الثغرات تتمثل في التعامل مع أفكار هذه الجماعات؛ فعلى المستوى الفكري هناك شح في الخبرات الفكرية العميقة التي يمكنها محاججة الأفكار التي تقدمها هذه الجماعات بصورة قوية، ومن ثَمَّ يجب أن يكون هناك تدريب للباحثين والمهتمين في قضايا الجماعات الإرهابية، على مواجهة وتحليل الخطاب الفكري للجماعة، وهو عمل ليس بالسهل؛ بل يتطلب الدراسة العميقة في التاريخ الإسلامي والتحليل المعمق لفكر الجماعة للتمكن من محاججة هذه الأفكار.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة