الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

محمد الإنسان

د. نصر محمد عارف
 

الإنسان بفطرته كائن أخلاقي، يعلي الفضيلة ويهفو إليها، ويسعى بكل ما أوتي من قوة إلى أن تكون أفعاله وأقواله موصوفة بها، بل إنه يزهو ويرتقى في مدارج الوجود الإنساني إذا رأى فيه الناس ذلك. وهو في الوقت نفسه ينفر من الرذيلة حتى وإن وقع فيها، ويثور ويغضب إذا وصف بها، أو ألصقت به. لذلك يسعى دائماً إلى أن يعرف بالأفعال الفاضلة بل يعرِّفها للناس ويعلن عنها، ولكنه يخفي الرذيلة، ويكتمها عمَّن يحب أو يكره. فالإنسان تكتمل إنسانيته بأخلاقياته الفاضلة وتزول عنه هذه الصفة الإنسانية بزوال الفضل عن أفعاله.

فالأخلاق الفاضلة راسخة في جوهر الإنسان البعيد، بحكم الأمانة التي حمله الله إياها. وبفضل الروح الإلهية التي حلت فيه بالنفخة الأولى، فمهما اختلفت أعراقه وأجناسه ولغاته وأديانه ومذاهبه، ومهما اختلفت سلوكياته وتنوعت منازله فإنه في جميع الأحوال يعلي الفضيلة ويرى أنها كذلك، ويسمو إلى الخلق القويم ويحترم أهله، ويعطي من نفسه تبجيلاً وتكريماً لصاحب الأخلاق الفاضلة، ويتخذه بطلاً ونموذجاً وقدوة؛ حتى وإن لم يطبق تلك الأخلاق في حياته الخاصة، حتى وإن لم تكن سلوكياته منسجمة مع هذا المثال. فلم تعرف البشرية أن أجمع الناس في أي مكان، أو زمان، أو في أي دين على عكس ذلك.

والبشرية منذ وجودها وهي تسعى إلى الكمال الأخلاقي، ويحترق فلاسفتها ومفكروها ليضيئوا للناس طريق الفضيلة والسمو الأخلاقي، ويسعون بكل ما أوتوا من علم ومقدرة لصياغة نموذج مثالي للأخلاق والقيم الإنسانية الراقية.

عاش الإنسان في البداية حياة اعتمدت على الترحال

ولكن في كل العصور كان ذلك النموذج المثالي، نظرياً مثالياً مجرداً؛ لم يشهد تطبيقاً كاملاً وتنزيلاً تاماً، لم يتجسد في صورة إنسان حي يسعى بين الناس. فقد تعلقت رحلة البشرية منذ بدء الخليقة بالسعي نحو إيجاد هذا المثال، وظهرت فلسفات ودعوات دينية وأنبياء ورسل، مفكرون وفلاسفة، علماء وحكماء؛ لكن ظل هناك فارق يكبر أو يصغر بين الواقع والمثال، بين النموذج والسلوك، بين الدعوة وحاملها، بين النظرية وتطبيقها؛ إلى أن جاء محمد -صلى الله عليه وسلم- فسقطت كل تلك الثنائيات وتلاشت كل تلك الحواجز، وعرفت البشرية نموذجاً أخلاقياً محققاً، ومثالاً للفضيلة مطبقاً، ونظرية مجردة، ولكنها واقعية تعيش بين الناس، يرون فيها كل تلك القيم حية تسعى وليست مجرد أقوال ونظريات ودعوات؛ يرون فيه اكتمالاً للخلق والفضيلة، ويزداد كماله كلما كان متعالياً على سلبيات عصره وبيئته، مترفعاً عن عادات مجتمعه غير الفاضلة، متسامياً عن الواقع؛ رغم العيش فيه، والتفاعل معه، واحتضانه بصورة كاملة، ويرون فيه ما يصبون إليه، ولا يستطيعون تحقيقه في حياتهم الخاصة، يرون فيه مثالاً محققاً، وغيباً متحققاً، ونظرية مطبقة، ونموذجاً واقعياً بينهم، اكتملت أخلاقه وتناغمت صفاته، وانسجمت خصاله بصورة تجعله محط إعجاب، وموقع حب وتقدير، يهيم فيه محبوه، ويسعون للاقتداء به، وتمثله في حياتهم على قدر طاقتهم، ويحاربه أعداؤه ويسعون للقضاء عليه؛ ولكنهم لا ينكرون أخلاقه، ولا يستطيعون نقد شخصيته، أو التقليل من شأن خصاله وصفاته؛ أي أنهم يقبلون جوهره، ولكن قد يرفضون اتباع دعوته، أو الخضوع لسياسته، أو الانقياد له؛ لأسباب تتعلق بهم ولا به.

اقرأ أيضًا: المنظمات الإسلامية في الولايات المتحدة الأمريكية

ومع هذا الاكتمال الإنساني كان الرسول الخاتم، وكانت نهاية رسل السماء إلى الأرض. لقد بلغت البشرية رشدها، واكتمل نضجها، وتحققت مثالياتها، لذلك نشأت أمة من العدم، وظهرت حضارة إنسانية دون سابقة، وتحول البدو الرعاة الذين لم تلامس الحضارة أو الثقافة أو العلوم عقولهم ونفوسهم، تحولوا في لحظات تاريخية قصيرة جداً إلى بناة حضارة إنسانية أخلاقية؛ تعلي قيمة الإنسان والفضيلة وتدعو إلى الأخلاق والسلوك القويم، تسعى لتحقيق سعادة الإنسان في حياة طيبة كإنسان بغض النظر عن دينه وعرقه وجنسه.

ومن يدرس الكيفية التي تم بها التحول الكبير في حياة الجيل الأول من أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- وأتباعه يجد بما لا يدع مجالاً للشك أن القدوة والأسوة الحسنة في شخصية محمد- صلى الله عليه وسلم- هي مفتاح ذلك التحول وجوهره، هي السر الكبير وراء إنشاء هذه الأمة، وتمددها الحضاري والإنساني، لأنه لم يأت برسالة مجردة، أو بدعوة مثالية بل سبقت أخلاقُه دعوتَه، وسبقت إنسانيتُه نبوتَه، وسبقت فضيلتُه رسالتَه، فكان نموذجاً إنسانياً قبل أن يكون نبياً رسولاً.

المسجد النبوي بالمدينة المنورة

رأى فيه معاصروه الأخلاق قبل أن يكلمهم عنها، وشاهدوا الفضائل قبل أن يأمرهم بها، فلم يكن في حاجة إلى مزيدٍ من وعظ وتوجيه؛ لأنه نموذج مثالي تحققت فيه قيم دعوته قبل أن تنزل عليه؛ فكان وحياً يمشي بين الناس أو قرآناً حياً نابضاً متحركاً متفاعلاً مع من جاء هذا القرآن لهدايتهم.

لذلك لم يكن أبناء عصره في حاجة إلى أن يكتبوا سيرته، أو يرووا أقواله ومواقفه وأحاديثه؛ لأنهم تعلموا منه للاقتداء والتمثل والتطبيق العملي. أما الأجيال التي جاءت بعده ولم تره؛ فقد انشغلت بالبحث والتحري عن كل من رآه أو سمع عنه، تتبعت سيرته وأخباره ومواقفه أو أقواله أو أفعاله؛ لعلها تستطيع أن تعيد بناء النموذج، أو لعلها تتمكن من رسم صورة تقترب من حقيقته، أو لعلها تتلمس خطاه ونموذجه وتسعى لأن تكون مثله أو تقتدي به على قدر استطاعتها، فكان عصر تدوين سيرة محمد، صلى الله عليه وسلم.

اقرأ أيضًا: هكذا يتم استخدام الدين في خدمة الأغراض السياسية

وهنا قد لا نكون في حاجة إلى التأكيد أن رسم صورة لإنسان مثل محمد -صلى الله عليه وسلم- أو بناء نموذج له، أو محاولة الإحاطة بشخصيته وقيمه وأخلاقه وسلوكياته وفضائله أمر عسير يقترب من حدود المستحيل، أو يلامسها لأن اللغة بقوالبها وأبنيتها وتراكيبها يصعب عليها أن تنقل هذا الكمال الإنساني. فمهما كُتِب عن الحياء أو العفة أو الكرم أو الوفاء أو الحب أو الفضيلة، فإنه يستحيل أن تنقل كل معانيها؛ كما أنه لا توجد لفظة تستطيع أن تنقل ضحكة طفل أو فرحة أم، تلك القيم الإنسانية يصعب على قوالب اللغة نقلها بصورة كاملة أمينة دقيقة، لذلك كان كل كاتب أو مفكر أو باحث يركز على جانب جزئي محدود من جوانب شخصية محمد -صلى الله عليه وسلم- وبتراكم الإنتاج العلمي وتعدده على مر العصور، ظهرت حقول علمية محورها حياة محمد -صلى الله عليه وسلم- وأقواله وأفعاله وسلوكياته وقيمه وأخلاقه وفضائله، فكانت هناك علوم أو فروع لعلومٍ؛ منها:

  1. علوم السنة أو علوم الحديث

وهو ذلك المجال العلمي الذي يوثق بصورة تاريخية دقيقة أقوال النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- من حيث إثبات مدى ورودها فعلاً عنه، والتأكد من أنه قالها أو فعلها. ولكن على الرغم من أهميته كعلم توثيقي؛ فإن تصنيفاته وضعت بصورة فقهية قانونية. فعلى الرغم من أن السنة النبوية هي المصدر الثاني للفقه والتشريع بعد القرآن؛ أي أنها هي الحكم على الفقه وهي مصدر شرعيته وحجيته ووجوده، فإن علماء السُّنة أخضعوها لمنهج الفقه ونظريته فتم تصنيف أقوال النبي وأفعاله وتقريراته على أبواب الفقه نفسها مما جعله -صلى الله عليه وسلم- يبدو لمن لا يعرفه فقيهاً أو رجل قانون إنما جاء لوضع قواعد قانونية فحسب.

وهنا يجب أن نؤكد أن النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- قام بهذا الدور فعلاً فكان مطبقاً للوحي القرآني ومبيناً له وواضعاً إياه في صورة عملية تطبيقية تبين للناس ما يجب عليهم فعله وما لا يجب فعله، فقد كان هذا الدور جزءاً من دوره كنبي ورسول، ولكنه لا يغطي كل أبعاد شخصيته، ولا يشمل كل أدواره.

فتبويب السُّنة على أبواب الفقه نفسها جعل المتعامل مع السُّنة من الأجيال اللاحقة يفهمها بعقلية فقهية، ويتعامل معها من منظور افعل ولا تفعل. على الرغم من أن داخل تلك الأبواب الفقهية أحاديث وتقريرات وأفعال للرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- ينصرف بعض معناها لذلك البعد الفقهي الذي نظمت في إطاره، وينصرف البعض الآخر لمعانٍ ودلالات أكثر رحابة واتساعاً.

غلاف كتاب السيرة النبوية
  1. علم السيرة

وقد تم التأليف في هذا العلم بمنهجية المؤرخين في ذلك الزمان؛ الذين كانوا يهتمون بالاستثنائي من الأمور والغريب منها، لذلك وضعت سيرة الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- وكأنها غزوات وحروب وتجهيز جيوش على الرغم من أننا لو قُمنا بعملية حسابية بسيطة لوجدنا أن جميع الغزوات وتجهيزاتها لا تغطي سنة واحدة من حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فأين باقي حياته؟ وما هو برنامجه اليومي؟ كيف كان يقضي ساعات يومه من الفجر حتى الظهر، ومن الظهر حتى العصر، ومن العصر حتى المغرب، ومن المغرب حتى العشاء؟ وكيف كان ينفق على زوجاته وأسرته؟ وماذا كان يفعل ليكسب قوت يومه، وهو الذي لا يأخذ الصدقة؟ وكيف كانت علاقاته الاجتماعية مع الآخرين؟ كيف ومتى كان يزور أصحابه وجيرانه وأقاربه؟.. إلخ.

  1. علم التصوف

وفيه تركيز على الجانب الوجداني الروحاني من حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- حيث يتم تناول عبادته وحبه لربه وشكره إياه، ويتم التأكيد على ما ينشغل به المتصوفة من تزكية للنفس، وسمو بها في مدارج الإحسان. وتغيب عنه الأبعاد العملية الحياتية اليومية للرسول الإنسان -صلى الله عليه وسلم-.

هذه هي المجالات العلمية الأساسية التي تناولت شخصية الرسول الإنسان -صلى الله عليه وسلم- والملاحظ عليها جميعاً أنها جزئية في تناولها، تركز على جوانب محددة في حياته -صلى الله عليه وسلم- وتترك جوانب أخرى. فقد تم وضعها جميعاً بمنهج غير شمولي يتناول جزئيات من الحقيقة، أو جوانب منها، ويترك للمتلقي أن يكمل الصورة بجهوده الخاصة واجتهاداته الشخصية، وهو ما لم يحدث في كثير من الأحيان وعند غالبية الناس؛ بحيث إنه يمكن القول إن شخصية الرسول لم تزل بكراً تحتاج إلى إعادة اكتشاف جديد، ومتجدد في عصرنا هذا وفي كل العصور القادمة.

اقرأ أيضًا: كيف استنسخت حركات الإسلام السياسي نظرية المؤامرة النازية؟

وإذا كان هذا هو الحال في التاريخ فكيف تعامل المعاصرون مع شخصية محمد الإنسان الرسول -صلى الله عليه وسلم- في عصرنا الحالي؟ هنا نجد أنه وعلى مدى ما يزيد على نصف قرن هيمنت على الثقافة الإسلامية المعاصرة مدرسة تركز على ظاهر الأمور، وتتبنى المنهج القانوني في التعامل مع الإسلام وتقدمه على أنه فقط مجموعة من الأوامر والنواهي، وليس نظام حياة متكامل يغطي جميع جوانب الحياة الإنسانية، وتقدم الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- على أنه رجل القانون الذي يقول كلمتَين فقط؛ هي: افعل.. ولا تفعل.

وهذه المدرسة التي استطاعت أن تشكل أجندة العقل المسلم في العقود الأخيرة تتعامل مع محمد الرسول الإنسان بطريقة متناقضة، فهي تعلي أقواله، وتجعلها مثل القرآن؛ بل قد تعليها على القرآن، بحيث يمكن أن تكون ناسخة له، وتعامل في الوقت نفسه شخصه الكريم -صلى الله عليه وسلم- والبعد الإنساني فيه بصورة على العكس من هذا تماماً، فتراه إنساناً مثل أي إنسان لا زيادة ولا نقصان، بل تدفع الأمة إلى عدم التعلق به، أو حبه أو الارتباط الوجداني به، فكأن هذه المدرسة أخذت من محمد الرسول الإنسان صفة الرسول فقط، وبالغت في رفعتها وتعظيمها وتركت جانباً ولم تهتم بمحمد -صلى الله عليه وسلم- الإنسان الكامل القدوة الأخلاقية الفاضلة لجميع البشر.

اقرأ أيضاً: فنون الامتزاج الحضاري: المسيحيون واليهود والمسلمون في تأسيس الثقافة القشتالية

وقد تزامن ظهور هذه المدرسة مع بداية دخول البشرية عصراً جديداً تم فيه بصورة متسارعة اختزال الزمان والمكان وتجاوزهما بصورة جعلت البشرية جميعاً في حالة من التواصل والتفاعل والاحتكاك والتعارف. وقد سعَت هذه المدرسة إلى استخدام الوسائل الحديثة في نشر رؤيتها للإسلام ورسوله، ومن خلال ذلك قدمت محمداً الرسول الإنسان -صلى الله عليه وسلم- إلى البشرية بالرؤية ذاتها التي تركز فقط على صفة الرسول، وتبرز فقط داخل هذه الصفة البعد القانوني المقتصر على الأمر والنهي، وتجاهلت الأبعاد الأخرى للنبي الرسول، وتجاهلت تماماً البعد الإنساني الأخلاقي القيمي الذي يمثل جوهر شخصيته -صلى الله عليه وسلم-كإنسان كامل.

وتأسيساً على ذلك عرف غير المسلمين رسول الإسلام بأعين هذه المدرسة الضيقة المحدودة. ومن ثمَّ لم يعرفوه ولم يشعروا به، بل تعاملوا معه على أنه ينتمي إلى تلك القبيلة العربية التي قامت بتأميم الإسلام ورسوله وتحويله إلى دين قومي، وادعت ملكية محمد الرسول الإنسان الذي جاء لهداية البشر جميعاً إلى يوم القيامة، وحولته -صلى الله عليه وسلم- إلى شيخ هذه القبيلة العربية، تنسبه إليها بدل أن تنتسب هي إليه، تحمِّله ضعفها وأزماتها وتقصيرها بدلاً من أن ترى فيه نموذجاً تسعى للاقتداء به، ونبراساً تستضيء به، وملاذاً تلجأ إليه لتجد فيه التطبيق الأمثل للقيم التي فطر الله الناس عليها، وأنزلها في كتبه جميعاً، وأعاد تأكيدها في كتابه الخاتم.

 هذه الحالة القومية للدين تفقد الإسلام جوهره العالمي غير الزماني، المتجاوز لحدود الزمان والمكان وخصوصيات الإنسان باعتباره الدين الخاتم الذي أنزله الله للإنس والجن، وتحول بين البشرية، وبين محمد الإنسان الكامل الذي لو عرفه الناس لأحبوه واقتدوا بأخلاقه وتمثلوا فضائله حتى وإن لم يؤمنوا به.

المسجد الحرام في مكه

وقد ضاعف من خطورة هذه الحالة الواقع المتخلف للأمة الإسلامية، وكونها في حالة ضعف، وتراجع على مدى القرون الثلاثة أو الأربعة الأخيرة بحيث صارت مطمعاً للقوى الاستعمارية تحتل أرضها وتنتهك حرماتها وتهين شعوبها وتعتدي عليها بصورة نمطية متكررة بحيث لا يتوقف عدوان على أحد أجزاء الأمة الإسلامية إلا ويبدأ عدوان آخر. والحال هكذا لم يجد المسلمون في مخزونهم النفسي والمعنوي إلا الإسلام يرتكنون إليه ويحتمون عنده ويتخذونه مركزاً للهوية ومحركاً للطاقات، ودافعاً للحركة والنهوض، ومجمعاً للقوى في وجه طغيان الدول الاستعمارية القديمة والجديدة.

وهنا تحول الإسلام من دين عالمي يخاطب جميع البشر، ويتعامل معهم على أنه هو رسالتهم الخاتمة، وأن نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- هو رسولهم جميعاً، إلى دين قومي يتم توظيفه في صراع سياسي مع قوى أخرى هي ذاتها مخاطبة بالإسلام، وينبغي أن تعرف رسول الإسلام، وتتعرف إلى رسالته وبعد ذلك لها تختار إما أن تؤمن به، أو لا تؤمن به.

وعلى الرغم من أن أحد أبعاد الإسلام هو أنه هوية لمعتنقيه، وأنه مصدر لوجودهم، ومحرك لطاقاتهم، ولكنَّ هناك خيطاً رقيقاً جداً بين أن يكون هوية لمعتنقيه، وأن يكون ملكاً لهم يستخدمونه في مواجهة بشر آخرين مخاطبين بهذا الإسلام ومطالبين بمعرفته وفهمه ثم الاختيار بين الإيمان به، أو عدم الإيمان به.

اقرأ أيضًا: الهجرة الشريفة.. طلع البدر علينا… مع مصطفى سعيد

وتأسيساً على ذلك أصبح محمد النبي الإنسان الذي جعله الله قدوة لجميع البشر ورسولاً لهم طرفاً في صراع بين بعض البشر والبعض الآخر، ومن ثم أصبح المسلمون يقفون حائلاً بين نبي الإسلام وبني الإنسان غير المسلمين، وأصبحت أزمات المسلمين تعوق اقتراب غير المسلمين من شخص النبي الإنسان محمد -صلى الله عليه وسلم- ومعرفته على حقيقته معرفة ستقود إلى تقديره واحترامه، وحبه حتى وإن لم يؤمنوا به.

وخروجاً من هذه الحالة لا بد من إعادة تقديم محمد الإنسان بصفته نموذجاً لجميع البشر مسلمين وغير مسلمين؛ ينبغي أن يعرفوه ويتلمسوا جوانب شخصيته، ويضعوا أيديهم على كمالاته البشرية وأخلاقه الفاضلة ومثالياته الواقعية المتحققة دون أن يكون هناك إلحاح عليهم أن يؤمنوا به، فهم أحرار في الاختيار، أحرار في تقرير العقيدة التي يؤمنون بها، وينتمون إليها؛ بحيث يتم التركيز بصورة أساسية على إعادة اكتشاف شخصية محمد الإنسان الكامل -صلى الله عليه وسلم- وتسليط الضوء على الجوانب التي لم يتم التركيز عليها في العلوم الإسلامية التقليدية، ولم يتم إبرازها على الرغم من أن المعلومات المتعلقة بتلك الجوانب موجودة ومتناثرة في الأدبيات الإسلامية التراثية.

ولتحقيق هذه الغاية يجب تقديم قراءات معمقة للجوانب الإنسانية العامة في شخصية النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وذلك وفق المنهج التالي:

  1. اكتشاف الأبعاد الإنسانية غير المرتبطة بصفة النبوة في شخصية محمد -صلى الله عليه وسلم- تلك الأبعاد التي تمثل النموذج الأخلاقي له، وتعكس صفة الخلق العظيم التي وصفه الله سبحانه بها.
  2. تحديد تلك الأبعاد أو الجوانب من خلال علاقة تفاعلية بين ما كان عليه محمد الإنسان الرسول -صلى الله عليه وسلم- من كمال في الأخلاق والفضائل والقيم الإنسانية الرفيعة وبين حاجات الإنسان المعاصر وهمومه، فمثلاً نستطيع أن نركز في حياة النبي الإنسان على جانب “الإتيكيت” وهو مصطلح لم يكن معروفاً في عهده، ولم يكن جانباً من الجوانب التي يمكن لمسلم على مر التاريخ الإسلامي أن ينتبه إليها؛ ولكنه، أي هذا الجانب، كان حياً في شخصية محمد النبي الإنسان في كل سلوكياته وتصرفاته، وفي تعاملاته حتى وإن لم يكن المسمى موجوداً؛ أي أنه قد يكون المسمى أو العنوان الذي نطلقه على هذا البعد أو ذاك أو هذا الجانب أو ذاك من حياة وشخصية محمد الإنسان الرسول -صلى الله عليه وسلم- جديداً أو ينتمي إلى هموم عصرنا؛ ولكنه في حقيقة موضوعه ومحتواه جزء أصيل من الكمالات الأخلاقية له -صلى الله عليه وسلم-.
  3. بناء شجرة المفاهيم المتعلقة بالجانب محل البحث بعد معرفة الحقل الدلالي لهذا الجانب أو ذاك وتحديد المفاهيم والكلمات المختلفة التي يمكن أن تعبر عنه في لغة العرب في صدر الإسلام.
  4. استقراء السُّنة والسيرة والمصادر التي تتناول جوانب شخصية النبي محمد الإنسان الكامل لمعرفة كل ما يتعلق بشجرة المفاهيم التي تم تحديدها لتعبر عن هذا الجانب أو ذاك.
  5. إعادة اكتشاف هذا الجانب في شخصية النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- ثم تقديمه في صورة مبسطة بلغة خطاب عصري يستطيع أن يتفاعل معه ويشعر به إنسان هذا العصر.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات