الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

محاكمة متهمي شيكاغو السبعة… The Trial of the Chicago 7

كيوبوست- عبيد التميمي

فيلم “The Trial of the Chicago 7” المعروض على منصة “نتفليكس” حالياً، يتحدث عن محاكمة الأشخاص السبعة المتهمين بالتآمر لإحداث حالات شغب متوافقة مع المؤتمر الديمقراطي الرئاسي عام 1968؛ احتجاجاً على الحرب الأمريكية- الفيتنامية. الفيلم من كتابة وإخراج آرون سوركين، الذي يخوض تجربته الإخراجية الثانية بعد فيلمه السابق “Molly’s Game”، ومن بطولة عدة نجوم؛ مثل إيدي ريدماين، وساشا بارون كوهين، وجيريمي سترونغ، ويحيى عبدالمتين، ومارك رايلنس، وجوزيف غوردن ليفيت. يواكب الفيلم الأحداث التي تقود إلى بداية المظاهرات والاحتجاجات والشخصيات التي تلعب دوراً رئيسياً في هذه القصة، ويوثق المحاكمة التي استمرت عدة أشهر تحت أنظار الشعب الأمريكي في وقتٍ حساس للغاية.

هذه ليست المرة الأولى التي يتضح فيها اهتمام سوركين بالسياسة الأمريكية والقضايا الناتجة عنها؛ فقد سبق له العمل على أعمال تليفزيونية؛ مثل “The West Wing” و”The Newsroom”، وأفلام مثل “A Few Good Men” و”Charlie Wilson’s War”.

في أحد المؤتمرات الصحفية التي رافقت إطلاق فيلم “Steve Jobs” (2015)، وهو من كتابة آرون سوركين، تحدث آرون عن رغبته في عدم كتابة أفلام سيرة ذاتية معتادة، أفلام تبدأ من النقطة (أ) وتنتهي بالنقطة (ي)، عوضاً عن ذلك هو يفضل التنقل المستمر بالسرد بين عدة نقاط من القصة تحت ضغط مكثف وسرعة واضحة في رواية الأحداث. وإذا كانت هناك لمسة خاصة لسوركين في أغلب أعماله -السينمائي منها على أية حال- فهي وقوفه التام والكامل خلف هذا الرأي، والرفض القاطع لأية رواية معتادة وخطية لمسار الأحداث.

آرون سوركين في كواليس الفيلم

نلاحظ هذه اللمسة الفريدة مباشرةً منذ بداية الفيلم، يقدم سوركين مباشرةً لجميع الشخصيات من خلال مونتاج يظهر كل شخصية وتوجهها السياسي والثقافي، ومن ثمَّ يقفز قفزة زمنية إلى بداية المحاكمة، ومن هناك يبدأ بهوايته السردية المعهودة؛ وهي التنقل بين الخطوط الزمنية لتسريع رتم الفيلم وعدم الوقوع في فخ الرواية الكلاسيكي الذي تقع فيه العديد من الأفلام المختصة بتوثيق الأحداث التاريخية. أُقَدِّر جداً هذا التوجه المغاير من سوركين؛ فهو يعلم تمام المعرفة أنه مهما كانت القصة المروية مثيرة للاهتمام ومؤثرة تاريخياً، فهي على الأغلب سوف تتأثر بشكل سلبي إذا تمت روايتها بشكل روتيني، وهو يعلم تماماً أن الرسالة التي يحملها الفيلم أياً كانت سوف تفقد بريقها إذا شعر المشاهد بالملل.

تجربة سوركين الإخراجية تنعكس كذلك في سرعة السرد والتنقل بين الخطوط الزمنية، وهما أمران ليسا بالغريبَين عن أفلامه؛ لكنهما أكثر حدة وكثافة في هذا الفيلم وبدايته تحديداً. وأعتقد أن هذه النقاط كان يتم تثبيطها بشكل نسبي مع مخرجين سابقين عمل معهم سوركين؛ مثل داني بويل وديفد فينشر، بينما سوركين يطلق لنفسه العنان في هذا الفيلم دون أي حدود. أعتقد أنه كان لذلك أثر سلبي نوعاً ما في البداية، ليس لشيء إلا لأن المشاهد لم يمتلك الوقت الكافي للتعرف على الشخصيات؛ لكن مع مرور الوقت وتعرف المشاهد على الشخصيات تلاشى الأثر السلبي بالكامل.

اقرأ أيضًا: A Serious Man.. محاولة إيجاد المعنى

الحوارات هي إحدى أقوى نقاط سوركين ككاتب؛ فهو يحب الحوارات السريعة المطولة ويبرع في كتابتها، خصوصاً حينما يمتلك المشهد عدة لاعبين، والمهم هو أن سوركين كان يعرف متى يجب عليه أن يخفف سرعة السرد حتى يتسنى لحواراته المكثفة أن تتصدر المشهد دون أن تتم مقاطعتها؛ مما كان يسمح للمشاهدين بالتعرف أكثر على الشخصيات عوضاً عن التوهان الطفيف الذي كان في بداية الفيلم. المشكلة بالنسبة إليَّ هي أن الحوارات كانت أحياناً فوق مستوى بعض الممثلين، الذين رغم محاولاتهم الصادقة لم يستطيعوا تبني شخصياتهم بشكل متمكن؛ مما أظهر شخصياتهم بشكل باهت وهزلي أحياناً، وقد لا تكون هذه المشكلة في الحوارات بقدر كونها في توظيف الممثلين.

مشهد من الفيلم

وبالحديث عن الممثلين، الكوميدي الرائع ساشا بارون كوهين، كان قد قدم أحد أفضل الأداءات في الفيلم، وكذلك كان جوزيف غوردن ليفيت. بينما للأسف إيدي ريدمان الحائز على جائزة أوسكار عن دور ستيفن هوكنغ، في فيلم “The Theory of Everything”، قدم دوراً باهتاً رغم أنه كان يمتلك أحد أهم الأدوار.

اقرأ أيضًا: تشرنوبل.. دراما الكارثة النووية المليئة بالتفاصيل

نجومية الفيلم على أية حال تقاسمها فرانك لانغيلا ومارك رايلانس؛ لانغيلا بدور القاضي جوليوس هوفمان، القاضي الذي قرر مسبقاً أن المتهمين مذنبون، وكنا نشاهد الوقار المزيف الذي تتسرب من خلاله لحظات غضب تكشف عن الوجه الحقيقي للقاضي ومدى تحيزه ضد المتهمين. أما رايلانس فقام بدور المحامي ويليام كانستلر، الذي اعتدت على مشاهدته يقدم أدواراً تتسم بالهدوء والسكينة؛ لكن مشاهدته بدور مفعم بالنشاط والجهورية كانت تغييراً مرحباً به. تواجه الاثنان عدة مرات في قاعة المحكمة في مشاهد حادة، واستطاع كلاهما الاستفادة بالكامل من المادة الدسمة التي يقدمها سوركين من خلال حواراته. ولا أريد الانتقال من نقطة التمثيل دون الحديث عن مايكل كيتون، الذي ظهر في مشهدَين فقط واستطاع خطف جميع الأنظار بصورة رهيبة.

قد تكون كبرى سلبيات الفيلم هي التبجيل لأبطال الفيلم والتحيز لصالحهم من ناحية القصة، وهو للأسف أمر يعانيه سوركين حين يتحدث عن قضايا أمريكية؛ حيث بلغت مثالياته أسوأ صورها في مسلسل “The Newsroom”، لذلك فأفضل أعمال سوركين السينمائية هو في أفلام يبتعد فيها عن السياسة قدر الإمكان ويركز على قضايا مختلفة؛ مثل “The Social Network”؛ لكن إجمالاً، قدَّم سوركين عملاً مترابطاً ومتماسكاً لم توجد فيه لحظة ملل واحدة؛ وهو أمر شائع في الأفلام التاريخية والسير الذاتية، وعدم حصول ذلك في هذا الفيلم بحد ذاته يعتبر نجاحاً فائقاً.

إيميل الكاتب: [email protected]

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة