الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

محاكمة باحث متصوف في الجزائر تعيد إلى الواجهة الصراع بين الإخوان والعلمانيين

الباحث سعيد جاب الخير الذي يحاكم بتهمة الاستهزاء بالدين يحذر عبر "كيوبوست" من استمرار المحاكمات التفتيشية ضد الفكر في الجزائر

الجزائر- علي ياحي

عكست محاكمة الباحث في علم التصوف، سعيد جاب الخير، جدلاً متواصلاً في الجزائر حول ممارسة حق التعبير عن الرأي؛ خصوصاً في الموضوعات التي تتعلق بتجديد الخطاب الديني.

ويُحاكم الباحث المتصوف جاب الخير، بعد شكوى تقدم بها الدكتور بويجرة عبدالرزاق، أستاذ بجامعة جيلالي اليابس بسيدي بلعباس، غرب الجزائر، مصحوبة بادعاء مدني بتهم “الاستهزاء بالمعلوم من الدين وبشعائر الإسلام”، فضلاً عن “تهكمه على آيات بيِّنات من القرآن الكريم، وعلى أحاديث صحيحة من السنة النبوية الشريفة، وعلى ركن الحج وشعيرة الأضحية”، حسب لائحة الادعاء.

وعلى الرغم من أن محكمة “سيدي امحمد” بالجزائر العاصمة، أعلنت أن النطق بالحكم في قضية سعيد جاب الخير، المتابع بتهمة الاستهزاء بالمعلوم من الدين وشعائر الإسلام، سيكون يوم 22 أبريل الجاري؛ فإن المحاكمة الشعبية تتواصل على مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى صفحات الجرائد والقنوات الفضائية، ففي حين رأت أطراف أن حرية التعبير والفكر باتت مهددة، شدد الإخوان المسلمون على أن ما يصدر عن جاب الخير يستهدف الدين الإسلامي.

اقرأ أيضاً: تهافت الإخوان على انتخابات البرلمان في الجزائر يكشف عن استغلال سياسي

محاكم تفتيش

يقول الباحث “المتهم” سعيد جاب الخير، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، إن هذه الشكوى تم رفعها ضدي منذ أكثر من سنة، وقد كان الهدف من رفعها هو تخويف الأصوات التنويرية الحرة؛ بهدف تكريس الوصاية على العقل، وتكريس القراءة الأحادية السلفية للدين الإسلامي، موضحاً أنه “إذا استمر هذا النوع من المحاكمات التفتيشية ضد الفكر، فإن حرية التعبير في الجزائر ستصبح مهددة بالتأكيد، وستفتح أبواب جهنم على المجتمع الجزائري بشكل عام، وعلى المثقفين بشكل خاص، ولا أظن أن أحداً في الجزائر يرغب في أن نصل إلى هكذا وضع”.

سعيد جاب الخير

وأشار الباحث إلى أنه في الجزائر “مررنا بمرحلة من هذا النوع شديدة المأساوية وسيئة الذكر، في التسعينيات من القرن الماضي، ولا أحد يرغب في تكرار تلك التجربة المريرة”، مضيفاً أن “الإخوان يهاجمون الفكر الحر والتنوير؛ لأنه يفضح أمام الملأ متاجرتهم بالدين لأغراض سياسية”، وعلى كل حال فإن محاربتهم العقل والتنوير ليست جديدة؛ لكونهم، منذ 1928 وما زالوا، يكرسون ويفرضون الوصاية على العقل المسلم، و”هذا ما أرفضه وأحاربه باستمرار”.

ويملك جاب الخير رصيداً من الأفكار والمواقف المثيرة للجدل؛ كان أبرزها دعوته إلى تنظيم لقاءات موسيقية في المساجد، واعتبار الحج وذبح الأضحية طقسَين من طقوس الوثنية الدينية، وأن صيام رمضان في بداياته كان اختيارياً، وبعض صحابة الرسول محمد لم يصوموا وأفطروا مساكين عوضاً عن الصيام، وتساءل: “إذا كان النقد الديني خطيئة، فلماذا كان الرسول ينتقد دين قريش؟”.

حسان براهمي

وتعليقاً على المحاكمة، أوضح الحقوقي حسان براهمي، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، أن القانون منح القاضي وحده السلطة التقديرية للتفريق بين ما هو قذف وإهانة وما هو تعبير عن الرأي؛ من خلال العديد من المعايير الصارمة المتمثلة على الخصوص في انعدام أية ضغينة مسبقة مع الشخص أو الهيئة أو الفئة المستهدفة بالتصريح، وأيضاً أن يكون التصريح نُشر للجمهور الواسع بغرض إفادة الرأي العام، وأن لا يستهدف المساس بحريات الآخرين أو معتقداتهم الدينية أو السياسية أو الفئوية أو الجهوية أو الجندرية، وعليه وما دام الملف هو بين يد القضاء، والقانون يمنع التدخل في عمل القضاء، فلندع القضاء يؤدي عمله.

اقرأ أيضاً: الجزائر.. مشروع سحب الجنسية بين مكافحة الإرهاب والضغط على المعارضة!

صراع مستمر

ويحرِّك جاب الخير، ركود المشهد في الجزائر؛ خصوصاً الثقافي والديني، من حين لآخر، بمداخلاته “المثيرة والغريبة”؛ ما يتسبب في تصادم بين العلمانيين والإخوان، حيث يدافع التيار الأول عن الباحث وأفكاره، مثلما حدث مع حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، الذي اعتبر  رئيسه محسن بلعباس، أن سعيد جاب الخير، يتعرض إلى الضغط، وأن ما يحدث إنما يتعلق بتجريم الفكر والنقاش، ورفض وحظر الحريات، وهو الذي يزيد من تقهقر البلاد.

كما دعا المحامي صالح دبوز، في منشور على صفحته بموقع “فيسبوك”، “المواطنين الشرفاء إلى نشر أفكار المفكر سعيد جاب الخير؛ لتعويم الساحة الفكرية العمومية بها، تضامناً فعلياً معه، ونشراً لقيم التسامح وحرية الفكر والرأي”.

رئيس حزب حركة مجتمع السلم عبدالرزاق مقري

بالمقابل، يصف الإخوان، بقيادة أكبر حزب إسلامي في البلاد حركة مجتمع السلم، الباحثَ الصوفي سعيد جاب الخير، بـ”الجاهل”؛ حيث قال رئيسها عبدالرزاق مقري، موجهاً كلامه إلى جاب الخير: أنت جاهل ولست ديمقراطياً. وتابع في لقاء تليفزيوني: “قُلنا لكم منذ سنوات إن القضية ليست قضية انتخابات ولا رئيس ولا برلمان، وإنما قضية مشروع مجتمع، وهذا جزء من الصراع الفكري بين مشروعَين في الجزائر”.

اقرأ أيضاً: العثمانيون جعلوا الجزائريين مواطنين أدنى من فئة “الكراغلة”

ويعاقب القانون الجزائري كل مَن يستهزئ بالدين والرسل والأنبياء؛ حيث تنص المادة 144 من قانون العقوبات على أنه “يعاقب بالسجن لمدة من ثلاث إلى خمس سنوات، وبغرامة مالية من 50 ألفاً؛ أي نحو 650 دولاراً، إلى 100 ألف دينار؛ أي 1300 دولار، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل مَن أساء إلى الرسول، صلى الله عليه وسلم، أو بقية الأنبياء، أو استهزأ بمعلوم من الدين بالضرورة، أو بأية شعيرة من شعائر الإسلام؛ سواء عن طريق الكتابة أو الرسم أو التصريح أو أية وسيلة أخرى”.

محمد خدير

آراء متباينة

وفي السياق ذاته، يرى المدير التنفيذي لمنظمة “صوت حر” الحقوقية، ومقرها جنيف، محمد خدير، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، أنه “رغم أنني ضد محاكمة سعيد جاب الخير، لأنه لم يقل شيئاً من ازدراء الأديان؛ فإنني أعتبره مجرد شخصية فيسبوكية، وليس باحثاً كما يدَّعي”، مضيفاً أن جاب الخير يتعمد الاستفزاز؛ بحثاً عن الصدى الإعلامي، وعن مكان في المشهد العام ليس إلا، وقال إنه بمداخلاته “إنما يعطي الضوء الأخضر لمزيدٍ من قمع حرية التعبير التي هي أصلاً تعاني في الجزائر كما بباقي دول العالم الثالث”.

اقرأ أيضاً: مخاوف الخروج من المشهد السياسي تعتري حركة الإخوان في الجزائر

سعيد هادف

بالمقابل، أعرب الباحث في الشؤون المغاربية، سعيد هادف، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، عن أسفه لاستمرار الوسط الأكاديمي والثقافي في الغرق داخل صراعات من المفترض أنه تجاوزها منذ زمن؛ لا سيما الطريقة التي تتم من خلالها معالجة شؤون تأكد أنها بالغة الخصوصية مثل مسألة الدين، وتساءل: لا أعرف لماذا هناك مَن يصر على أن النص الديني منسجم ومتماسك ولا يحمل أية ثغرات؟ مضيفاً أن القرآن نفسه حمال أوجه، كما جاء في مقولة منسوبة إلى علي بن أبي طالب؛ بل النص القرآني نفسه كان موضوع خلاف المفسرين والفقهاء، فما بالك بالحديث النبوي.

 وأبرز هادف أنه سيبقى هذا الصراع وهذا الجدل قائماً؛ بل وسيزداد حدة ما دامت الدولة لم تحسم دستورياً أن الدين شأن خصوصي، وأن حرية المعتقد من الحريات الفردية التي يجب أن تُصان، وقال إن جاب الخير خاض في الشأن الديني؛ بسبب الاهتمام الاستعراضي بالدين، “أقصد استغلال الدولة للدين، وإقحامها الدين في كل شيء وعلى مدار العام، وعبر كل مؤسساتها التعليمية والإعلامية”، وختم بأن الذين رفعوا دعوة ضد جاب الخير اعتقاداً منهم أنهم سيضعون حداً لكل مَن يتجرأ على مناقشة الدين، فهم مخطئون.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

علي ياحي

كاتب صحفي جزائري

مقالات ذات صلة