الواجهة الرئيسيةترجمات

«محاربات الموساد».. كتاب جديد يكشف عن أسرار أخطر جهاز في إسرائيل

عن المرأة والجنس ومغامرات السياسة

كيوبوست- ترجمات

جاي هورويتز

ربما يكون الموساد هو الجها الأكثر إثارة للفضول من بين جميع أجهزة الأمن الإسرائيلية. والواقع أن عملياته في الخارج؛ خصوصاً في البلدان المعادية، لطالما أثارت الخيال. لكن من الواضح أن مجده قد تلاشى بعض الشيء في العقود الأخيرة؛ وهو ما حدث لمؤسساتٍ إسرائيلية أخرى، على الرغم من هالة السرية الرومانسية التي تتسم بها المنظمة إلى حدٍّ ما.

وقد طغت أوجه القصور المختلفة على الإجماع الوطني تجاه الموساد؛ ومن بينها الإخفاقات العملياتية في الخارج، والتي تشمل المحاولة الفاشلة لاغتيال زعيم منظمة حماس، خالد مشعل، في الأردن عام 1997، والاستغلال السياسي لعمليات التجسس الناجحة التي ظلت سراً لسنوات؛ مثل الكشف عن الأرشيف النووي الإيراني عام 2018.

اقرأ أيضاً: كيف ينظر رؤساء “الموساد” السابقون إلى عمليات الاغتيال؟

إلا أن أنشطة الموساد السرية -تلك التي نعرف عنها، والعديد من الأنشطة الأخرى التي نتصور أنها حدثت- إلى جانب الإنجازات العملياتية والاستخباراتية القيمة التي حققتها المنظمة على مرِّ السنين، لا تزال تشكل مصدر فخر للعديد من الإسرائيليين. كما لا يزال الموساد علامة دعائية إسرائيلية ناجحة، ولا يوجد ما يضاهي صدور كتاب جديد بمفاجآتٍ جديدة حول أعماله لجذب قلوب القراء، وجعله أكثر الكتب مبيعاً؛ حيث صدر كتاب “محاربات الموساد” باللغة العبرية في أغسطس الماضي، ومن المنتظر أن تصدر نسخته الإنجليزية قريباً.

خالد مشعل – أرشيف

وقد تعاون الصحفي الإسرائيلي المخضرم نسيم مشعل، في كتابة “محاربات الموساد”، مع النائب السابق مايكل بار زوهار، الذي نشر العديد من السير الذاتية للشخصيات السياسية المحلية البارزة؛ بما في ذلك ديفيد بن غوريون وشيمون بيريز، والعديد من الكتب حول التاريخ السياسي المحلي والمسائل الأمنية.

اقرأ أيضاً: كيف أعاد مائير داغان “الموساد” إلى مجدها السابق؟

مقتطفات وليست القصة الكاملة

وفي كتابهما الجديد، يسلط الثنائي الضوء على موضوع مختلف، وهو الدور الذي تلعبه النساء في عمليات الموساد. وهو لا شك موضوع لافت للانتباه وقضية راهنة. وإذا كانت قصص المحاربات/ العميلات في المنظمات المختلفة قد صُنِّفت بطريقةٍ تتسم بالتحيُّز الجنسي -مع التركيز، على سبيل المثال، على المستهدفين الذين اغتيلوا “بعد أن أغرتهم النساء”- فإن الوقت قد حان لكي نُظهر للنساء العاملات لصالح الموساد -اللائي من الواضح أنهن لا يقللْنَ موهبة أو نجاحاً أو تطوراً عن أقرانهن الذكور- الاحترام الذي يليق بهن.

ومن بين اللائي ذُكرْنَ في الكتاب إيزابيل بيدرو، التي كلفها الموساد في الستينيات، تحت رعاية مديرها، آنذاك، إسحاق شامير، بالقيام بعملياتٍ في مصر؛ وقد نجحت، في الحصول على المخططات الخاصة بسد أسوان، والعديد من الأمور الأخرى.

العميلة إيزابيل بيدرو التي نفذت عمليات سرية في مصر في الستينيات- “هآرتس”

وهناك أيضاً شيريل بينتوف، المعروفة باسمها الحركي “سيندي”، والتي ساعدت في القبض على موردخاي فعنونو، المسؤول عن تسريب معلوماتٍ عن الأسلحة النووية عام 1986، وسيلفيا رافائيل، التي شاركت في العديد من عمليات الموساد في جميع أنحاء العالم؛ بما في ذلك عملية فاشلة في ليلهامر بالنرويج عام 1973، حيث تم إطلاق النار بالخطأ على النادل المغربي أحمد بوشيكي، بعد أن ظنوا أنه علي حسن سلامة، كبير قادة “فتح” ومنظمة التحرير الفلسطينية، آنذاك.

اقرأ أيضاً: ما التغييرات التي طرأت على الموساد الإسرائيلي في السنوات الأخيرة؟

وهناك أيضاً عليزا ماغين هليفي، التي خططت وشاركت في عشرات العمليات، وكانت أول نائبة لرئيس الموساد في التسعينيات. كما حصلت سارة آرونسون -عضوة منظمة نيلي؛ وهي شبكة تجسس يهودية كانت تعمل لصالح البريطانيين في الحرب العالمية الأولى- على ذكرٍ مشرِّف في الكتاب الجديد باعتبارها “أول امرأة مقاتلة على أرض إسرائيل”. وقد كُتبت العديد من الكتب والمقالات عن أعمال التجسس والاستخبارات التي قامت بها النساء؛ لكن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها سرد قصة شاملة عن أولئك اللائي يعملن في خدمة الموساد؛ على الرغم من أن العديد من الأنشطة الخطيرة التي شاركت فيها هؤلاء العميلات/ المقاتلات، وغيرهن، قد تم الكشف عنها في الماضي.

وبالتالي، فإن التعاون الأخير بين مشعل وبار زوهار كان بالفعل مصدراً لإثارة الفضول والتوقعات الكبيرة. وعلى الرغم من القيود التي تحيط بعملٍ كهذا؛ فإنها مهمة رائعة للغاية. وقد أجرى المؤلفان مقابلات مع العشرات من عميلات الموساد، وتم السماح لهن بوصف تفاصيل لم تُنشر من قبل عن العمليات التي انخرطن فيها، وبعضها حديث العهد تماماً.

سارة آرونسون عضو الحركة السرية اليهودية في الحرب العالمية الأولى- “هآرتس”

إن “محاربات الموساد” هو عمل مثير للإعجاب من حيث النطاق. وعلاوة على ذلك، فقد مُنح المؤلفان الإذن بذكر تفاصيل لم تنشر من قبل، وذكر بعض الشخصيات البارزة التي لم يتم الكشف عنها من قبل، ولا حتى بأسمائها الحركية، وقصصها مثيرة، وذات أهمية وطنية وعملياتية.

كما يحتوي الكتاب على بداية واعدة؛ حيث نجد فصلاً موجزاً جداً بعنوان “امرأة مقاتلة تتحدث”، وهو مونولوج من قِبل عميلة في الموساد يُشار إليه باسم “ليات”؛ وهو مكتوب بضمير المتكلم، ويُنصف الشخصية المعنية، وقصتها تكسر القالب المألوف لكتب المؤلفين السابقة. ومع ذلك، فإن أسلوب كتابة الفصول التالية يسرق الأضواء من العديد من القصص، وبعضها؛ خصوصاً أحدثها، قد تم رفع أوامر منع النشر عنها، وهو ما سمح بنشرها للمرة الأولى. حتى المقابلات التي أجريت مؤخراً تبدو وكأنها “أساطير” تم تناقلها بين

الأجيال.

اقرأ أيضاً: “هل كان أشرف مروان عميلاً مزدوجاً؟”.. الضابط المسؤول عن تجنيده بالموساد يُجيب

فمع معلوماتٍ مثل هذه -بعضها محدَّث وذو أهمية حقيقية (مثل وصف الكشف عن المفاعل النووي في سوريا)- ومع إمكانية الوصول الباهرة للنساء اللواتي لم يتم إجراء مقابلات معهن من قبل، كان بوسع المؤلفَين تحقيق نتيجة أكثر جدوى وجمالاً. فعلى عكس بطلات كتابهما، اللائي تم اختيارهن بشق الأنفس، والاحتفاء بقدراتهن الجريئة والارتجالية، فإن مشعل وبار زوهار ما زالا عالقَين في أسلوبهما القديم في الكتابة، وفشلا في أن يكونا على قدر التحدي.

نفذ الموساد عملية اغتيال أبي جهاد في تونس – أرشيف

حيث اختار مشعل وبار زوهار أن يرويا القصص بترتيبٍ زمني، مع حصول كل عميلة على فصلٍ خاص بها، أو في بعض الأحيان كان يتم ذكر العديد منهن دفعة واحدة إذا كنّ قد عملن معاً؛ مما أعطى للكتاب بنية تخطيطية؛ كالتالي: إليكم قصة مجندة الموساد، هكذا تم تدريبها، وهكذا اخترقت البلد المستهدف، وهذه هي العملية التي تم على أساسها ذكرها في هذا الكتاب؛ حيث يتم تقديم كل مقاتلة جديدة من الموساد في بداية كل فصل، مع استثناءات قليلة، مثل ماغين هليفي أو رافائيل، ومن ثم يختفين دون أي ذكر آخر في الكتاب؛ مما يعني أنه لا توجد نظرة متعمقة في أهمية الدروس التي يمكن استخلاصها من القصص الشخصية لهؤلاء النساء في عالم التجسس الذي يسيطر عليه الرجال.

وتقريباً، فإن أي ذكر للمعضلات أو الشكوك التي كانت لدى هؤلاء النسوة بشأن عملية بعينها، أو ما يتصل بالصورة الأوسع عموماً، يتم تقديمه على مستوى سطحي؛ وهو المستوى الذي يرتبط بشكل أكبر بالأنوثة والجنس، والخوف الذي يتعرضن إليه عندما يضغطن على الزناد، وبالطبع توقهن للعلاقات الرومانسية. ونتيجة لذلك، فلا توجد دروس مثيرة للدهشة في هذا الكتاب؛ بل الكثير من الأفكار المبتذلة.

جيل فوليارد التي تم التعرف عليها في دبي والاشتباه في صلتها بمقتل القيادي في “حماس” محمود المبحوح- “أسوشييتد برس”

ويأتي عدد كبير من الاقتباسات والقصص في الكتاب عن النساء في الموساد على لسان آخرين، وعندما تحصل البطلات أنفسهن أخيراً على الحق في الكلام، فإن ذكرياتهن على الأغلب تبدأ دائماً، أو تنتهي، بالكليشيهات؛ حيث تقول إحداهن “هناك بالطبع لحظات من الخوف”، وتضيف أن “الأدرينالين الناجم عن الخوف يساعد على مواجهة التحديات، والقيام بالمستحيل”. ما المتوقع من عميلة في الموساد؟ تجيب: سحرها الشخصي، والاتزان والهدوء، وحس المغامرة، “فدون ذلك، لم أكن لأوجد في الموساد”.

“صدمة” الضباط المسؤولين

ويكتب المؤلفان: “حان الآن دور الضباط المسؤولين عن سيلفيا ليشعروا بالصدمة”، ويصفان تفاصيل الكشف عن علاقة رومانسية أبقتها العميلة رافائيل سراً. فقد كان رؤساء رافائيل يعرفون أنها “امرأة مستقلة ورومانسية”؛ لكنهم لم يعتقدوا أنها ستنخرط في شيء من هذا القبيل دون إخبارهم، ويتابع مشعل وزوهار، مضيفين أن سيلفيا كانت على علاقة غرامية مع واحدٍ أو أكثر من رجال الموساد الآخرين في باريس، والتي لم تبلغ عنها المسؤولين الأعلى رتبة؛ فقد كانت تتوق إلى الحب، وإلى “علاقة حميمية وشخصية”.

عميلة الموساد سيلفيا رافائيل ( DAVID ‘BUNTY’ RAPHAEL)

ووفقاً للمؤلفين، يتولد لديك بين السطور انطباع بأن خلفية العلاقات الرومانسية للمرأة في الموساد مختلفة تماماً عن تلك الخاصة بنظرائهن من الرجال، الذين كانت علاقاتهم العاطفية تُدار ظاهرياً لأغراضٍ “نفعية”. وفي ما يخص “ليرون”، إحدى البطلات الأخريات اللواتي ورد ذكرهن في الكتاب -وهي عميلة بارزة وحاصلة على أوسمة من الموساد، في منتصف التسعينيات- يصرح المؤلفان بأنها اكتشفت خلال فترة عملها في الوكالة أن “المرأة حسنة المظهر والذكية” تتمتع بأفضلية.

اقرأ أيضاً: لماذا تواصل أشرف مروان مع الموساد؟

فقد كانت تعرف أن النساء “يثرن شكوكاً أقل من الرجال”، وأنه في حين أن النساء قد يكون لديهن قوة بدنية أقل من الرجال؛ “إلا أنهن يستخدمن عقولهن أكثر”. ويكتب المؤلفان: “إن طريقة تفكير المرأة وقوة الرجل هما مزيج مذهل؛ فلا حدود لما يمكن القيام به”؛ حيث يمتد هذا النوع من السرد القديم المزعج في جميع أقسام الكتاب.

وسوف يدرك مَن قرأ كتاباً أو أكثر من كتب مشعل وبار زوهار في الصفحات الأولى، أن “محاربات الموساد” هو استمرار لما قاما به من قبل، وبدلاً من أن يكون مبشراً بعملٍ أدبي قائم بذاته؛ فهو يتقاسم العيوب نفسها التي نتجت عن تعاونهما السابق، فهما يستخدمان نهجاً منمقاً عفَّى عليه الزمن، يميل إلى المبالغة في الدراما، وبالكاد يخوض في أية مناقشة تتعلق بالجوانب الأخلاقية لهذه القصة؛ بخلاف تقديم تفاصيل العمليات أو القيل والقال.

الممثلة الإسرائيلية بار رفائيلي في دور عميلة للموساد في الفيلم الإسرائيلي “كيدون”.. عن قصة اغتيال المبحوح في دبي- “هآرتس”

وبالنسبة إلى عشاق هذا النوع، وغيرهم، ممن ينظرون إلى الكتاب على أنه مجموعة من مغامرات التجسس المليئة بالإثارة، والتي ليست معقدة للغاية، ولا تطرح الكثير من الأسئلة التي قد أُثيرت بشأن موضوع العملاء الإناث في الموساد؛ فكل هذا لن يزعجهم. فبعد كل شيء نحن نتحدث عن مقتطفات، وليست القصة كاملة.

اقرأ أيضاً: هل نجحت قوة إسرائيل الناعمة في تحسين صورتها دولياً؟

وعلى غرار غيره من الكتب الأكثر مبيعاً من قبل مشعل وبار زوهار عن الموساد، فإن هذا الكتاب يتضمن أيضاً الكثير من المواد التي سبق عرضها مراراً وتكراراً؛ وهو فقط يؤكد قصص العميلات اللواتي عملن لحساب المنظمة، إلى جانب بعض التفاصيل والحكايات الجديدة؛ فعلى سبيل المثال، هناك قصة “سيغال”، عميلة الموساد التي حققت على ما يبدو العديد من الإنجازات المثيرة للإعجاب.

لكن الشيء الوحيد الذي يقدمه المؤلفان إلى القراء عن عملها هو مجموعة من العموميات التي لا تفيد؛ على غرار: “الاتصالات التي أنشأتها؛ خصوصاً على المستويات العليا، والتي لا تزال تؤتي ثمارها”. لكن دون اسم البلد المستهدف أو أي تفاصيل مهمة أخرى، ولا يسع المرء إلا أن يقرأ هذا ويشعر بالغيرة من إمكانية الوصول الكبيرة التي تمتع بها المؤلفان في الوصول إلى أفراد الموساد الذين قابلوهم، ومن القصة نفسها، وتفاصيلها التي خضعت للرقابة بطبيعة الحال، والتي لم يتم تقديمها بشكل جيد، ولم تشبع فضول القراء.

الممثلة ليرون فايسمان في فيلم “عميل في قلب بيروت” عن قصة ناشطة الموساد “ياعيل”- “هآرتس”

ومع ذلك، وربما بدافع الرغبة في جذب المزيد من القراء، اختار مشعل وبارا زوهار استخدام الكثير من الكليشيهات والقليل من الكتابة الأدبية الجميلة؛ فهناك العديد من التفاصيل والأسماء التي تم الاستشهاد بها دون أية محاولة للغوص ولو قليلاً في أعماق عملية اتخاذ قرار أو الجوانب النفسية للبطلات كونهن جاسوسات في أراضي العدو.

وهناك كتاب آخرون، بما في ذلك كتاب روايات خيالية، كانوا هم أنفسهم جواسيس؛ مثل جون لو كاريه أو جوناثان دي شاليط (الاسم المستعار لإحدى الشخصيات السابقة في مؤسسة أمنية إسرائيلية)، كانوا ليعرفوا كيفية غور التعقيدات النفسية لحياة عميل تجسس.

اقرأ أيضاً: هل يخترق “الموساد” الإسرائيلي إيران بالفعل؟

وعلاوةً على ذلك، فإن الشخصيات النسائية التي ابتكروها -بما في ذلك العميلة يارا شتاين، في كتاب دي شاليط- قد أبرزت الفروق الدقيقة في المشاعر والمعضلات التي تتوقع رؤيتها في كتاب عن نساء الموساد الحقيقيات. فقد ضحى المؤلفان بالعمق على مذبح القالب، ولا يعوض ما قدماه عن مدى الإحساس بضياع فرصة.

والمحصلة النهائية مخيبة للآمال إلى حد ما؛ لا سيما بالنظر إلى الشعور الذي ينتابك أثناء قراءة “محاربات الموساد” بأن نوعاً مختلفا ًتماماً من الكتب كان من الممكن أن يُكتب.

♦صحفي مهتم بالشأن السياسي والثقافي الإسرائيلي.

المصدر: هآرتس

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة