الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

مجلة غربية: هكذا صممت إيران دستورها لتصدير المذهب الشيعي

كيف تستثمر إيران المذهب الشيعي باسم القوة الناعمة؟

ترجمة كيو بوست –

بنت طهران دستورها على مفهوم “الإسلام الشيعي” باعتباره أحد المكونات الرئيسة في التصميم الجيوسياسي الإيراني في المنطقة، وهي الميزة التي مكنتها من لعب دور بارز في العالم الإسلامي عبر دغدغة مشاعر الشيعة الموزعين في البلدان الإسلامية. وفي هذا السياق، يمكن تعريف “التصميم الجيوسياسي” على أنه محاولة من قبل نظام ثقافي لبناء عالم اجتماعي – ثقافي في مناطق مستهدفة محددة، عبر آليات حكومية موجهة.

بعد أن قام جوزيف ناي من جامعة هارفارد بصياغة مفهوم “القوة الناعمة” للمرة الأولى في العالم، أدركت الأنظمة فورًا أهمية المفهوم تمامًا مثل أهمية “القوة الصلبة”. ويمكن القول إن أبرز جوانب القوة الناعمة هو إثارة الرهبة بغرض امتلاك القدرة على احتلال أجندة الآخرين. وعند الحديث عن القوة الناعمة، فإن “الثقافة” هي حجر الزاوية الرئيس هنا. يعرّف “ناي” القوة الناعمة على أنها القدرة على “جعل الآخرين يريدون النتائج التي تريدها أنت”، من خلال الوسائل القائمة على “التعاون مع الناس بدلًا من إجبارهم”. وبغض النظر عن الأساليب التي يجري اتباعها، كلما رأى الناس سياسات الدولة “مشروعة” أكثر، كلما ازدادت قوتها الناعمة.

اقرأ أيضًا: 70 موقعًا بـ16 لغة: رويترز تكشف عن شبكة إعلامية إيرانية ضخمة تدير حملات تضليل عالمية

وعند الحديث عن الأساليب المستخدمة من إيران، يجب ألا ننسى اعتمادها على مراكز ثقافية “شبه عسكرية”، إلى جانب وجودها العسكري في العراق وسوريا، وهذا يعني أن قوتها الناعمة “في بعض المناطق” من العالم تستند إلى قوة ناعمة معززة بقوة صلبة، على خلاف الآليات الإيرانية المستخدمة في مناطق أخرى من العالم. لكن العوامل الأيديولوجية الدينية هي ما تجعل إيران أكثر إقناعًا من نظيراتها من الدول -مثل تركيا– عند الحديث عن التغلغل في بعض التجمعات السكانية في البلدان الإسلامية، لا سيما الشيعية منها. وبرغم أن “الإسلام الشيعي” يمتلك فصائل متناقضة ومتخالفة عدة، إلا أن إيران عملت على بناء قدراتها في تعبئة جميع الطوائف الشيعية تحت مظلة نظام الخميني الذي أنشأ بعد ثورة 1979.

 

“إمام طاهر”

وفي هذا الصدد، يمكن اعتبار الخميني الأب المؤسس لإيران الشيعية. وفقًا لهذا المذهب، لا يمكن اعتبار الدولة التي لا يرأسها “إمام طاهر” دولة إسلامية. يشير المذهب الشيعي إلى أن “الإمام الخفي سيعود، وأن على الشيعة انتظار عودته لإقامة دولة”. ولذلك، لجأ الخميني إلى تطوير نظرية “ولاية الفقيه”، التي سمحت للشيعة بتأسيس دولة خاصة بهم حتى دون عودة “الإمام الخفي”. ويمكن القول إن هذه النظرية تمثل أول محاولة تاريخية لتصميم دولة شيعية بما يخالف معتقدات هذا المذهب.

المادتان (109) و(110) من الدستور الإيراني تحددان سلطة ولاية الفقيه ومسؤوليته. المادة 109 تنص على أن ولاية الفقيه تعمل كزعيم للأمة حتى عودة المهدي. لكن المثير هو أن هذه المادة تمنح ولاية الفقيه سلطة على الجيش والقضاء والتشريع. ولهذا، نجد أن الأحكام التمهيدية للدستور تنص بوضوح على أن إيران تقوم على الإمامة والمهدية. ووفقًا للمادة 12 من الدستور، فإن الدين الرسمي لجمهورية إيران الإسلامية هو “مدرسة الجعفرية الاثنا عشرية من الإسلام الشيعي”. بحسب هذا البند، فإن “هذا المبدأ سيبقى ثابتًا إلى الأبد”. وبالطبع، هذه النصوص في الدستور الإيراني تجعل الطائفية والعنصرية “مشروعة” في نظر أتباع الطوائف الشيعية الموالية لإيران.

اقرأ أيضًا: واشنطن تايمز: الدعاية الإيرانية تستهدف الأمير محمد بن سلمان بالشائعات

في الحقيقة، ينص دستور إيران على دولة قائمة على الدين والطائفة، ويمكن إيجاد هذه العنصرية والمبادئ الطائفية “مشرعنة” في جميع مؤسسات الدولة الإدارية ومناصبها. فقط أولئك الذين يتعهدون بالتحالف مع نظرية “ولاية الفقيه” هم من يستطيعون تسلم مناصب رئيسة في المؤسسات الإيرانية بمختلف أنواعها. في إيران، يجري تقييم السلوكيات الفردية والمجتمعية وفقًا للمبادئ الشيعية، بينما يجري تنظيم الأنظمة الأسرية والتعليمية والثقافية وفقًا للقيم الشيعية بشكل حصري.

وهكذا، لم تتحول إيران إلى دولة أيديولوجية طائفية فحسب، بل أصبحت كذلك الزعيم الديني والروحي للعالم الإسلامي الشيعي. الشيعية هي مجرد أداة عميقة تستخدمها الحكومة لإقناع التجمعات الشيعية في منطقة الشرق الأوسط وجذبها ضد سياسات معينة. وبهذا، تحولت الهوية الطائفية إلى هوية روحانية سياسية بالنسبة لإيران. ووفقًا للتعريف الوارد في الدستور، فإن “الجمهورية الإسلامية هي نظام قائم على الإيمان بالأئمة والقيادة المتواصلة، ودورها الأساسي في استمرارية الثورة الإسلامية”. ولهذا، نجد أن أهم مبادئ إيران الشيعية هي “الإمامة والقيادة”. “الإمامة” هي الاعتقاد بأن القيادة انتقلت من النبي محمد إلى علي ونسبه، وأن هذه القيادة اغتصبت من قبل الآخرين. وبموجب هذا المعتقد، يزعم الشيعة أن الآخرين مخطئون وكفرة يقمعون المؤمنين.

نحن لا نتحدث هنا عن معتقدات دينية طائفية خرافية مجردة، بل إن ما حصل بالفعل هو تسييس “النظرية اللاهوتية” بغرض أوحد، هو امتداد القوة والسلطة خارج الحدود الإيرانية.

 

كيف تعمل طهران على تصدير أيديولوجيتها الدينية إلى الخارج؟

أصبحت المراكز الثقافية الإيرانية في جميع أنحاء العالم أداة مهمة لنشر الإسلام الشيعي على مستوى العالم. وتعتبر المنشورات الدينية والجامعات والمراكز الثقافية أبرز أدوات إيران من ناحية التوسع الشيعي. وقد وصل الأمر إلى قيام إيران بإنتاج منشورات دينية شيعية وتوزيعها إلى دول أخرى؛ فعلى سبيل المثال، قامت شركة الخودة الدولية للنشر (International al-Khoda Publishing) -التي تأسست في طهران عام 1984- بافتتاح مكاتب لها في أفغانستان وتركمانستان والعراق وطاجيكستان وقيرغيزستان. تقوم هذه الشركة بتنظيم معارض كتب بشكل منتظم في بلدان مختلفة، ووزعت أكثر من 1200 كتاب مترجم إلى 25 لغة مختلفة.

اقرأ أيضًا: منظمة “أوج” الإيرانية: الثقافة والفن في خدمة دعاية الحرس الثوري

ومن الأدوات المهمة الأخرى التي تستخدمها إيران لنشر أيديولوجيتها، منظمة “المجمع العالمي لأهل البيت”، التي تمتلك مكاتب في أكثر من 90 دولة. لدى هذه المنظمة 39 مكتبًا في آسيا، و42 في إفريقيا، و18 في الأمريكيتين، و40 في أوروبا. ومن أخطر نشاطات هذه المنظمة، هو جلب شباب شيعة من مختلف البلدان إلى طهران عبر “منح دراسة”، ثم تلقينهم المعتقدات الإيرانية الشيعية، ثم إقناعهم بتأسيس منظمات غير ربحية في بلدانهم الأم بما يتوافق مع سياسات تلك الدول. وبحسب موقع المنظمة، فإنها تمتلك أكثر من 5300 “مذيع أجنبي” موزعين في أكثر من 70 دولة.

من بين أدوات إيران الأخرى الجامعات، لا سيما جامعة المصطفى الدولية، التي يجري تعيين رئيسها ومجلس أمنائها من قبل ولاية الفقيه مباشرة. تمتلك هذه الجامعة 170 فرعًا لها، موزعة في إيران وفي المملكة المتحدة وإندونيسيا وماليزيا ولبنان والهند وباكستان وأفغانستان وتايلاند.

وأخيرًا، تعتبر المراكز الشيعية الثقافية من أهم أدوات طهران في العالم؛ فعلى سبيل المثال، هنالك 45 مركزًا تعليميًا للثقافة الشيعية في الأمريكيتين، و19 في تايلاند، و27 في الهند، و180 في إفريقيا.

 

المصدر: مجلة “ذي نيو توركي” الرقمية

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة