الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

مجاعة أيرلندا الكبرى.. الموت جوعاً لإطعام المستعمر

كيوبوست

من موطنها الأصلي، في جبال الأنديز بأمريكا الجنوبية، انطلقت البطاطس في رحلة انتشارها إلى جميع أنحاء العالم؛ فمع الغزو الإسباني للأمريكتَين تعرَّف الأوروبيون على البطاطس وحملوها إلى بلادهم؛ لتصبح اليوم رابع أهم محصول في العالم بعد الأرز والقمح والذرة.

ومن ضمن المناطق التي وصلت إليها كانت أيرلندا، وهناك تأقلمت البطاطس مع حالة الطقس، ثم استُخدِمت للزينة في الحدائق، وأصبحت بداية القرن الـ19 مصدراً غذائياً أساسياً بالنسبة إلى الفلاحين؛ خصوصاً في فصل الشتاء؛ لكن هذا الاعتماد الكبير عليها، وإهمال باقي المحاصيل، أدَّى إلى مجاعة البطاطس أو المجاعة الأيرلندية الكبرى.

آفة زراعية

شكَّلت البطاطس بحلول القرن الثامن عشر سلعة محورية في سلة أيرلندا الغذائية، لكونها مغذيَّة، وتحتوي على سعرات حرارية عالية، كما تميَّزت بنموها السريع في التربة الأيرلندية. وبحلول أوائل الأربعينيات من القرن التاسع عشر، أصبح ما يقرب من نصف السكان الأيرلنديين، في الريف تحديداً، يعتمدون بشكل محوري على البطاطس في نظامهم الغذائي.

وخلال عام 1845، حدثت مجاعة البطاطس في أيرلندا، بعدما تأثر المحصول في أوروبا بمرض (اللفحة المتأخرة) الذي يتسبب في تلف أوراق وجذور البطاطس ودرنتها، ويتسبَّب في المرض كائنٌ حيٌّ يُصيب البطاطس يُسمى ((Phytophthora infestan.

أدَّت آفة اللفحة المتأخرة الزراعية إلى حدوث مجاعة البطاطس في أيرلندا- (Britannica)

تأثرت دولٌ أوروبية عدة بالمرض، إلا أن أيرلندا تضررت بشكل خاص، وفتكت بها المجاعة، بعد أن قضتِ الآفة الزراعية تلك على نصف محصول البطاطس في عام 1845، ونحو ثلاثة أرباع المحصول على مدى السنوات السبع التالية، حتى تعافى المحصول أخيراً عام 1852، وانتهت المجاعة.

في ظل الهيمنة البريطانية

في الفترة التي حدثت خلالها مجاعة البطاطس، كانت أيرلندا مستعمرة تابعة لـ”بريطانيا العظمى”، التي احتلت أيرلندا رسمياً في عام 1801.

وخلال الحكم البريطاني عانى الأيرلنديون المعتنقون المذهب الكاثوليكي -وقد كانوا الأغلبية- الاضطهاد، حيث مُنعوا من امتلاك واستئجار الأراضي، كما حُرموا من التصويت وشغل المناصب بموجب قوانين، أُلغي جزء منها في عام 1829، إلا أن تأثيرها على المجتمع الإيرلندي بقي سارياً.

اقرأ أيضاً: عودة ذكريات “الكساد الكبير” في أزمة “كورونا”

وعلى الصعيد السياسي، تم تعيين ممثلين عن الشعب الأيرلندي، ومن المستوطنين البريطانين، إلى جانب موالين من الأقلية البروتستانتية للإمبراطورية البريطانية. ومع بداية مجاعة البطاطس، كانت عائلاتٌ إنجليزية وأنجلو- إيرلندية شكّلتِ الطبقةَ الحاكمة، وباتت تستحوذ فعلياً -بسبب القوانين- على معظم الأراضي؛ مما أجبر الأيرلنديين على العمل كمزارعين، يدفعون إيجار الأرضي التي يستخدمونها في بلادهم، لإنتاج محصول البطاطس الذي بالكاد كان يسد رمق عائلاتهم، ومع اشتداد الأزمة التي سببتها المجاعة، لم يعد بمقدور بعض المزارعين دفع إيجارات الأراضي، فطُردوا منها!

اقرأ أيضاً: حول موقفها من العبودية.. “المسيحية” لم تهاجمها إنما فكَّكَتها من الداخل

وعن طريقةِ تعاطيها مع الأزمة، فقد اتخذت بريطانيا مجموعة إجراءات، لم تكن كافية، واتسمت بالتجاهل، فلم تتعدَّ المساعدة التي قدمتها بريطانيا سوى بعض القروض، وتمويل مطابخ الحساء، وتوفير فرص العمل في بناء الطرق والأشغال العامة، واستيراد دقيق الذرة الذي استاء منه الأيرلنديون؛ لتسببه في سوء التغذية. في الوقت الذي كانوا فيه مضطرين إلى زراعة الأراضي المستأجرة بمحاصيل عالية الجودة، وتربية المواشي، لتصديرها إلى بريطانيا؛ حيث يؤكد مؤرخون أن الفلاحين الفقراء في أيرلندا، والذين ضربتهم المجاعة دون رحمة، ظلّوا مجبرين على تصدير منتجات غذائية أخرى إلى بريطانيا. وتشير السجلات إلى أن سلعاً مثل البازلاء والفاصوليا والأرانب والأسماك والعسل، صُدّرت من أيرلندا في عام 1847.. وقت المجاعة!

اعتذار بريطاني

انتهتِ المجاعة، إلا أن أثرها على الشعب الإيرلندي امتد حتى يومنا هذا؛ فقد أدَّت إلى تغير ديموغرافي بعد أن أسفرت عن وفاة نحو مليون أيرلندي من الجوع والأمراض الناتجة عن سوء التغذية، إضافة إلى اضطرار مليون شخص إلى الهجرة هروباً من المجاعة.

أدَّت مجاعة البطاطس إلى تغير ديموغرافي في أيرلندا

من جانبه، قام رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، بإصدار بيان عام 1997 يعتذر فيه رسمياً لأيرلندا عن تعامل الحكومة البريطانية مع المجاعة الأيرلندية الكبرى. فقد عانى الأيرلنديون في مرحلة الحكم البريطاني، الإهمال في محنتهم، والاضطهاد على أساس ديني.

وتخليداً للذكرى، أنشأت بعض المدن التي هاجر إليها الأيرلنديون، في الولايات المتحدة وكندا وغيرهما، نصباً تذكارية للمجاعة، في حين تم إنشاء متحف خاص حول المجاعة في جامعة كوينيبياك في هامدين، كمصدر للباحثين عن معلومات حول مجاعة أيرلندا الكبرى وتأثيرها وعواقبها.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات