الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

مثلث الإرهاب.. عودة داعش إلى مالي والنيجر وبوركينا فاسو

تشكل هذه المنطقة الجغرافيةَ المفضلةَ لعناصر داعش والمجموعات الإسلامية المتطرفة بسبب السيولة الأمنية وعدم الاستقرار السياسي

كيوبوست- عبد الجليل سليمان

لم تعد منطقة ليباتكو غورما التي تُشكِّل مثلثاً حدودياً، بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو، البؤرة الوحيدة لأنشطة الحركات الجهادية المتطرفة في الساحل الإفريقي، فقد ارتفعت وتيرة الهجمات الإرهابية لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” منذ فبراير المنصرم، مستغلاً انشغال القوات الفرنسية والأوروبية (برخان وتاكوبا) بالانسحاب من جمهورية مالي، حيث استهدف مفارز قبلية من مسلحي الطوارق في منطقة ميناكا، وعناصر من الجيش المالي في “تيسيت” على الحدود مع بوركينا فاسو والنيجر.

نحو 16 جندياً مالياً قُتلوا في هجماتٍ إرهابية خلال الأسبوعين المنصرمين، فيما لقى 24 جندياً مصرعهم جراء انفجار عبوة ناسفة في بوركينا فاسو، قبل أن تعلن وزارة الدفاع النيجرية، عن مقتل 6 جنود، في هجومٍ إرهابي غرب البلاد؛ على حدود بوركينا فاسو، مُشيرة إلى أنه الثاني من نوعه خلال 10 أيام. وفي 16 مارس، أسفر هجوم مزدوج على حافلة وشاحنة عن مقتل 21 شخصاً قرب المثلث الحدودي نفسه.

اقرأ أيضاً: خشية التحاقهم بفاغنر.. الاتحاد الأوروبي يُجمِّد التدريبات العسكرية للجنود الماليين

أيدٍ ممدودة وأسلحةٌ مُشرعة

تظاهرات ضد الإرهاب في واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو- وكالات

ورغم إطلاق الرئيس النيجري محمد بازوم مُبادرةً للحوار مع قادة الجهاديين تحت عنوان (اليد الممدودة) في محاولة لإحلال السلام، فإن الهجمات الإرهابية لم تتوقف، لاسِيَّمَا على طول الحدود الثلاثية الممتدة لأكثر من 1400 كيلومتر مع مالي وبوركينا فاسو.

ويعتقد راصدون ومراقبون لمُنحنيات وإحداثيات انتشار الحركات الجهادية في إفريقيا إلى أنها صارت الجغرافية المفضلة لعناصر داعش، والمجموعات الإسلامية المتطرفة، بسبب السيولة الأمنية وعدم الاستقرار السياسي، متمثلاً في الانقلابات العسكرية المتكررة، والتوترات الإقليمية، وضعف الجيوش، الأمر الذي يُسهّل انتقال العناصر المتطرفة بين الدول، فضلاً على توفر الموارد التي ترفد تلك المجموعات بالإمدادات، وتمنحها قدرة أكبر على الاستمرار والتنقل.

اقرأ أيضاً: بين الحرب والحوار.. هل تحقق مقاربة (بازوم) في الساحل ما فشلت فيه برخان؟

ما زاد الطين بِلة في هذا السياق، هو القرار الفرنسي الأوروبي بسحب قواتهما من مالي بعد تدهور العلاقة بين باماكو من جهة، وباريس وبروكسل من جهة أخرى؛ عقب الانقلاب العسكري الذي أطاح بحكومة إبراهيم بوبكر كيتا المنتخبة، أغسطس، 2020، وما نتج عن ذلك من توتراتٍ متسارعة بين المجلس العسكري الحاكم في مالي، وفرنسا والاتحاد الأوروبي؛ ما دفع الأول إلى الاستعانة بخدمات مجموعة فاغنر الروسية التي تحظى بانتشارٍ واسع ليس في مالي وحدها، بل في الكثير من الدول الإفريقية، مثل إفريقيا الوسطى وبوركينا فاسو، وذلك بفضل التقارب الكبير بين موسكو والنخب العسكرية الحاكمة في تلك الدول.

ووفقاً لتقارير متطابقة، تمكنت فاغنر من إيجاد موطئ قدم لها في نحو 23 دولة إفريقية، ما يعزِّز الدور الروسي في القارة التي تزخر بثرواتٍ طبيعية مهولة تتكالب عليها القوى الدولية.

فقر مدقع وأوضاع هشة

نازحون من مقاطعة كايا في بوركينا فاسو- المفوضية العليا لشؤون اللاجئين (UNHCR)

بالنسبة لعبد الله جرمه، الباحث في الشؤون الإفريقية، فإن عودة الهجمات الإرهابية بقوة في المثلث الحدودي بين مالي، بوركينا، والنيجر يُعزى أولاً إلى هشاشة الأوضاع السياسية في تلك الدول، إذ شهدت اثنان منها انقلابات عسكرية خلال العامين المنصرمين (مالي وبوركينا فاسو)، فيما تغرق النيجر -رغم الديمقراطية الناشئة- في فقرٍ مدقع إذ تصنف ضمن أفقر الدول في العالم قاطبة.

يشير جرمه، في سياق إفادته لـ”كيوبوست”، إلى أنّ المُثلث الحدودي بين الدول الثلاث المعروف بـ(ليباتكو غورما)، يعتبر بيئة مثالية لتحركات المجموعات الجهادية، حيث تكاد الرقابة الأمنية تنعدم، فضلاً عن التداخلات والتشابكات القبلية عبر الحدود، وغياب التنمية وسط قاطنيه، من قبائل الطوارق والفولان الذين يمتهنون رعي الإبل والماشية، ويتجولون في مساحاتٍ واسعة من القارة دون التقيد بحدود، وهؤلاء يشكِّلون الرافد البشري الرئيسي للمجموعات الجهادية.

اقرأ أيضاً: دعوات أوكرانية للتجنيد تثير الجدل في إفريقيا

مقاربات بديلة

عبد الله جرمه

يُشدّد جرمه، على أنّ المقاربات الأمنية في التعامل مع ما يُسمّى بظاهرة الإرهاب لن تُجدي وحدها، فلا بُدَّ أن تترافق بمقاربةٍ حوارية سلمية، يلعب فيها زعماء العشائر ووجهاء القبائل وشيوخ الطريق الصوفية، خاصة المريدية والتيجانية والقادرية، الأكثر انتشاراً وقبولاً في منطقة الساحل، وغرب القارة؛ أدواراً كبيرة؛ على أن تضطلع الحكومات بوظائفها في التنمية، وإنشاء البنيات التحتية، ونشر المرافق الصحية والتعليمية، ومشاريع التنمية وتدريب الجيوش وقوات الأمن الأخرى وتسليحها وتحسين رواتبها حتى تؤدي مهامها بشكل لائق.

يلفت جرمه خلال مداخلته مع “كيوبوست”، إلى أن الدول الغربية خاصة فرنسا، لا تبذل جهوداً حقيقية في التعرف على جذور الأزمات في إفريقيا، لكونها تستقي معلومات من مصادر تريد إبقاء الأمور كما هي من أجل استمرار مصالحها الشخصية، كالنخب العسكرية والسياسية الحاكمة، وهذا ما أفشل عمليات برخان وتاكوبا، وهيأ الأرضية للانقلابيين في مالي وبوركينا فاسو على وجه الخصوص، لأن القضاء على هذه التمردات التي صارت تأخذ صيغاً مستعارة من الجماعات الإرهابية مثل داعش والقاعدة، وتتشبه بها، يتطلب أولاً تكريس حالة من الاستقرار السياسي عبر ترسيخ الأنظمة الديمقراطية، على أن يترافق ذلك مع دعم مشاريع التنمية، ونشر الخدمات التعليمية والصحية، وبهذه الطريقة سيتم تقليص البطالة والفقر تدريجياً، حيث يمثلان السببان الرئيسان اللذان يدفعان شباب المنطقة إلى الالتحاق بالمنظمات الإرهابية.

اقرأ أيضاً: هل ستلعب إفريقيا دوراً في الحرب الروسية- الأوكرانية؟

الأصوات الأخرى

عبدالقادر حكيم

“ليس كل ما تقوله السلطة العسكرية الحاكمة في مالي خاطئاً، ولا كل ما يصدر عن باريس عين الحقيقة”، هكذا ابتدر المحلل السياسي المهتم بالشؤون الإفريقية، عبد القادر حكيم، إفادته لـ”كيوبوست”، قبل أن يُردف متسائلاً: هل هذا هو الوقت المناسب ليحزم الفرنسيون حقائبهم ويغادروا؟ وما السبب في ذلك؟ هل حقاً باريس حريصة على الديمقراطية المجهضة في مالي مثلاً، إلى حد إفساحها المجال أمام الجهاديين وفاغنر؟!

في كل الأحوال، يضيف حكيم؛ على باريس أن تصغي جيداً لما يُقال في باماكو وواغادوغو ونيامي، فتصريحات الكولونيل سليمان ديمبيلي، المتحدث باسم الجيش المالي، الأخيرة، بأنّ مغادرة فرنسا لن تجعل بلاده وحيدة، وأن على باريس مراقبة الوقت جيداً لترى ما سيحدث، ليست مبنية على خيال إفريقي حالم، وإنما على وقائع ومعطيات، حيث هناك توجه عام رسمي وشعبي في دول الساحل على إدارة حوار مُجتمعي مع المجموعات الجِهادية ومُبادرة الرئيس النيجري، محمد بازوم أبرزها.

عناصر من داعش في غرب إفريقيا- وكالات

الجانب الآخر غير المرئي من المشهد، هو أن مثلث الإرهاب، بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر، تقطنه مجموعات رعوية من الفولان والطوارق، هي لا تميل إلى العنف بطبيعة حالها، كما تنزع في أسلوب تدينها إلى التصوف المتسامح، وبالتالي فإن الأزمة الراهنة سياسية ذات أبعاد اقتصادية تنموية وأمنية، وليست دينية على أي حال، والناظر بعمق إلى ديموغرافيا المثلث لن يجهد نفسه كثيراً في اكتشاف أثر العنف على تقليص سبل العيش الهشة، وشل قدرة السكان على إعالة أنفسهم، حيث يفر المزيد منهم بحثاً عن الأمان، وقد نزح 2.1 مليون شخص داخلياً في بوركينا فاسو ومالي والنيجر، فيما يعاني 4.3 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، ويحتاج 13 مليون شخص إلى الدعم الإنساني.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة