الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

مثالب الفلاسفة 8: ابن سينا.. الفيلسوف السكّير

شايع الوقيان

يعد أبو علي الحسين بن عبدالله بن سينا، من أعظم فلاسفة الإسلام؛ بل والقرون الوسطى عموماً، وقد امتد أثره للشرق والغرب. ولد ابن سينا عام 370هـ/ 980م في قرية أفشنة قرب بخارى، ومات في همَدان (إيران) 427هـ/ 1037م.

لم يكن ابن سينا فيلسوفًا وحسب؛ بل كان متبحراً في كل العلوم، ولا سيما الطب. وكتابه «القانون» كان مرجعاً في الطب لقرون طوال.

يوم أن كان صغيراً كان يجالس أباه وأصحابه ممن تأثروا بالفكر الإسماعيلي القادم من مصر. وقرأ لإخوان الصفا، ودرس المنطق على يد أبي عبدالله الناتلي، أحد علماء عصره، ولقب بالمعلم الثالث؛ بسبب تطويره للمنطق بعد المعلمين: أرسطو والفارابي.

ابن سينا شخصية قلقة، ولا يرضى إلا بأشد المسائل الفلسفية صعوبةً. ويذكر تلميذه أبو عبيد الجوزجاني، أنه إذا اقتنى كتاباً يكتفي بقراءة المسائل الأكثر تعقيداً وصعوبةً فيتصدى لحلها، وكان يضع نفسه أمام تحدٍّ لكل العقول.

أرسطو

ذات مرة وهو شاب صغير قرأ كتاب أرسطو (ما بعد الطبيعة)، فلم يفهم منه شيئاً فأعاد قراءته أربعين مرة، حسبما يقول هو نفسه، فاغتم وأصيب بالهم؛ لأنه لم يفهم. وصدف أن كان يسير في الوراقين فوجد دلالاً معه كتاب صغير فهمّ أن يشتريه ثم تراجع؛ لكن الدلال أعطاه إياه بثمن بخس، فأخذه فإذا هو للفارابي يشرح كتاب أرسطو، فقرأه فانكشفت له كل مغاليق ذلك العلم، فتصدق في اليوم الثاني على الفقراء شكراً لله. وكان يقرأ ويكد في الطلب ولا يتعب، فينفق الليل والنهار في القراءة، وإذا غلبه النوم عدل إلى قدَح من النبيذ ليستعيد قوته. وإذا نام رأى المسائل التي أعيته في الحلم، فتنكشف له وجوهها في المنام!

أصيب سلطان بخارى نوح بن منصور، بالقولنج (إمساك شديد)، فعالجه ابن سينا، فقربه السلطان إليه واستوزره. ومع أعمال الوزارة في النهار، لم يعد يجد سوى الليل وقتاً للكتابة والدرس. فكان يجتمع حوله المقربون من تلاميذه، ويتدارسون، حتى إذا فتروا دعا ابن سينا المغنين وغنوا وشربوا، فإذا دنا الفجر صلى بهم وهم سكارى. وكان ابن سينا مدمناً على الشرب والجنس حتى قيل إن الخمر والنكاح قتلاه.

يقول البيهقي في (تاريخ حكماء الإسلام) إنه “كان مشغوفاً بشرب الخمر، واستفراغ القوى الشهوانية، ثم اقتدى به في الفسق والانهماك من بعده”.

رغم عبقريته وكرمه؛ فإنه كان حسوداً. ومما يروى أنه استفرد بمكتبة السلطان الساماني، ووجد فيها كتباً لم يعرفها أحد من قبل، فقرأها كلها، ثم احترقت المكتبة، وقيل إنه هو من فعل ذلك ليستأثر لنفسه بما وجد من علم! كما كان سيئ الأخلاق مع الآخرين؛ إذ كان يسخر من تكريس مسكويه وقته للأخلاق، وليس للرياضيات والمنطق، فرمى إليه بجوزة، وقال: هيا أيها الأخلاقي، علمنا، كم مساحة سطح هذه الجوزة بالشعيرات؟

فقام مسكويه فرمى عليه أوراقًا من كتابه «تهذيب الأخلاق»، وقال: احتياجك لإصلاح أخلاقك أشد من احتياجي لمعرفة سطح هذه الجوزة. فخجل ابن سينا منه، وقال: مهلًا يا ماهيتاب.. إني كنت أداعبك. وماهيتاب بـ”الفارسية” تعني: يا ضوء القمر. وكان مسكويه، وقتئذ، في عمر الثمانين.

اقرأ أيضا: محرك البحث “جوجل” يحتفل بالذكرى 1038 لميلاد ابن سينا

كان ابن سينا يعالج الناس؛ ولكنه يهمل صحته، فأصيب بقولنج شديد، فلما استفحل المرض حقن نفسه في يومٍ واحد ثماني حقن، وطلب من أحد غلمانه أن يضيف إليها الأفيون؛ لكن الغلام زاد فيه بدون قصد، فتضاعفت علته، حتى يئس من شفاء نفسه وترك العلاج، وهو يقول: “المدبر الذي يدبر جسمي عجز عن التدبير”. وما هي إلا أيام حتى مات.

المراجع:

1- مصطفى نبيل، سيرة ذاتية عربية: من ابن سينا حتى علي مبارك.

2- ظهير الدين البيهقي، تاريخ حكماء الإسلام، تحقيق محمد كرد علي.

3- حنا الفاخوري وخليل الجر، تاريخ الفكر الفلسفي عند العرب.

♦ كاتب سعودي

لقراءة الحلقات السابقة 

مثالب الفلاسفة 6: نيتشه.. فيلسوف القسوة

مثالب الفلاسفة 7: هيجل.. هل كان عميلاً؟

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة