الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

مثالب الفلاسفة 6: نيتشه.. فيلسوف القسوة

شايع الوقيان

“أنا لستُ إنساناً، أنا ديناميت”، هكذا تكلم نيتشه وهو على حافة الجنون في كتاب «هذا هو الإنسان»: “أنا أعرف مصيري.. يوماً ما سوف يرتبط اسمي بشيء رهيب.. أزمة لا مثيل لها على الأرض”.

عندما يتعلق الأمر بمفكر؛ مثل نيتشه، فسوف يكون من الصعب الفصل بين حياته الشخصية وفلسفته؛ فهو ذاته يقول: “لقد كتبت فلسفتي بدمي وجسدي”. فما الجانب المظلم من هذا الرجل؟ هل حياته أم فكره؟ الحقيقة أنه كلاهما؛ فحياته معتمة وفكره قاتل!

ولد نيتشه عام 1844 لأسرة متدينة، ومات أبوه وهو صغير، فنشأ مع أمه وجدته وأخته واثنتين من عماته، فكان هو الذكر الوحيد. لم يمنع دينُ الأسرة كرهَ نيتشه للأديان، ولم يمنع الطابع الأنثوي لها احتقاره للنساء.

في بدء حياته كشاب، ذهب نيتشه إلى أحد مواخير الدعارة؛ فأصيب بمرض السفلس الذي سيظل يلازمه طوال حياته، ويجعلها جحيماً لم ينهِه الجنون بل الموت. وبسبب المرض صار يعاني صداعاً مزمناً وغثياناً وأرقاً، إضافة إلى ضعف بصره الذي جعل القراءة أمراً شاقاً عليه. في السنوات العشر الأخيرة من حياته أصيب بالجنون.

تأثر نيتشه بشوبنهاور فاجنر؛ ولكنه لاحقاً تخاصم مع فاجنر لأسباب، من ضمنها أن نيتشه أعلن، في حالة انهيار لا واعٍ، حبه لكوزيما زوجة فاجنر. وكان يرى أنه أحق بها؛ فأرسل إليها: “أريان.. إنني أحبك- ديونيس”.. فكان يرمز لها بأريان، ولنفسه بديونيس. وقبل انهياره العقلي التام، كان يذيل رسائله بـ(نيتشه- قيصر).

شوبنهاور فاجنر

ما ذلك الشيء الرهيب الذي توقع نيتشه أنه سيرتبط باسمه؟ هل هو هتلر؟ أم موسوليني؟ أم شيء جنوني قادم؟!

هتلر بين جنوده

من المؤكد أن هتلر أُعجب بنيتشه، وقد أهدى موسوليني المجموعة الكاملة لأعمال نيتشه. وقد غذَّى لديهما الشعور العنصري وجنون القوة.

كان نيتشه يكره اليهود، وسقراط، والمسيح، والكاثوليكية، والبروتستانتية، والديمقراطية، والاشتراكية.. كان يرى كل أولئك تجلياتٍ لأخلاق العبيد الضعفاء. وكان يدعو إلى تعاليم مخالفة لتعاليم المسيح، ويسمي نفسه (عدو المسيح). فالقوة والقسوة والحرب والبطولة والإرادة واللا وعي واللا عقل؛ كلها كلمات مفتاحية لفهم فكر نيتشه.

لقد كان نيتشه يغار من المسيح، كما يقول أندريه جيد. كان نيتشه يريد أن يقدم نفسه كمخلص جديد، المسيح المقلوب على الصليب.. عدو المسيح الذي يدعو إلى اقتحام الحياة وأهوالها ونعيمها بدلاً من الزهد فيها.

يقول على لسان زرادشت: “يا إخوتي.. عليكم أن تكونوا قساةً عتاةً أشداء؛ إن الحياة امتلاك واستحواذ ومحق للضعفاء. لقد اخترع اليهود أخلاقَ العبيد.. إن الإنسان نهر نجس لا يطهره إلا أن يكون محيطاً يضم هذه النجاسة في جوفه”.

تأثر نيتشه بنظرية التطور، وآمن أن الاصطفاء الطبيعي هو جوهر الحياة.. ودعا من أجل ذلك إلى أخلاق القسوة بدلاً من الشفقة؛ بل دعا إلى إلغاء المستشفيات، وترك الإحسان، ونجدة الضعفاء.. فليمت المرضى والمكسوحون والفقراء والمعاقون.. لا يجب علينا مساعدتهم،كما تدعونا لذلك أخلاق اليهودية والمسيحية. اتركوا الطبيعة تأخذ مجراها حتى لا يبقى عندئذ إلا الأقوياء الأسوياء غلاظ القلوب. مع تطور تراجيديا القسوة، سوف تصطفي الحياة أرقى الناس.. ثم في نهاية المطاف سيظهر الإنسان الأعلى (السوبرمان).

هذا الإنسان النقي القوي ينظر إلينا نحن البشر اليوم كما ننظر نحن إلى القردة.

بعد موت نيتشه بسنوات.. ظهرت معسكرات الإبادة النازية، وبدأ البرنامج بقتل الأطفال المعاقين والمشوهين والمسلولين بالحقن السامة، ثم بإطلاق الرصاص عليهم جماعياً. بعد ذلك أدخلوا إلى البرنامج كلَّ من يعارض العرق الآري وطموحه الشيطاني: اليهود، والمرضى، والمثليين والاشتراكيين.

المراجع:

  1. فؤاد زكريا، نوابغ الفكر الغربي: «نيتشه»، دار المعارف بمصر، الطبعة الثانية.
  2. سلامة موسى، «هؤلاء علموني»، مؤسسة هنداوي.
  3. عبد الرحمن بدوي، «موسوعة الفلاسفة»، الجزء الثاني، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
  4. Friedrich Nietzsche, Thus Spoke Zarathustra, trans. Adrian Del Caro, Cambridge University Press.
  5. J. Hollingdale, A Nietzsche Reader (Penguin Classics), Penguin Books.

♦ كاتب سعودي

لقراءة الحلقات السابقة 

مثالب الفلاسفة 4: هايدجر.. الفيلسوف النازي

مثالب الفلاسفة 5 : ألتوسير.. الفيلسوف القاتل!

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

شايع الوقيان

كاتب سعودي باحث في الفلسفة