الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

مثالب الفلاسفة 4: هايدجر.. الفيلسوف النازي

شايع الوقيان

هتلر، ذروة الجنون الآري.. قتل ما يربو على أحد عشر مليون إنسان، ولا ينافسه سوى ستالين وماو تسي تونغ. كانت مخيمات الموت تعدم عشرين ألف إنسان كل يوم.

هتلر

تسلَّم هتلر السلطة في 30 يناير 1933، وبعدها بثلاثة أشهر تم تعيين الفيلسوف المعروف مارتن هايدجر، مديرًا لجامعة فرايبورج. وقد تم انتخاب هايدجر بدعم كبير من وزير التعليم النازي، آنذاك. وكان المدير السابق للجامعة رفض إعلان كراهيته لليهود، فتمت تنحيته وتعيين هايدجر، الذي وجد في هتلر بطله وفي الحزب الوطني الاشتراكي بغيته.

هل يُعقل أن يتورط فيلسوف من أعظم فلاسفة التاريخ في هذا الجنون؟

ذكر كارل ياسبرز، كما ينقل هابرماس، أن هايدجر “ذو عقلية ديكتاتورية، ذات طبيعة غير ميالة للحرية وتجهل التواصل”.

كارل ياسبرز

كيف تورَّط هايدجر مع النازية؟

أعتقد أن الشوفينية الجرمانية التي اتَّسم بها الفكر الألماني منذ فخته حتى القرن العشرين، كانت سببًا في غلو هايدجر في تقديس ألمانيا، هذا البلد الذي “يقع بين كماشتَين”، كما يقول، ويقصد أمريكا ورسيا. ويرى أن خلاص العالم سيأتي من الشعب الألماني، الشعب الميتافيزيقي الوحيد بعد الإغريق.

هذا التقديس للعرق الجرماني جعل هايدجر يرى في هتلر المُخَلِّص والمنقذ لألمانيا. ومن هنا فلم يلبث أن أعلن انتماءه إلى الحزب، ومن المريب أنه لم يلغِ انتماءه إلا مع نهاية الحرب الثانية.

 اقرأ أيضاً: ما هو طريق مارتن هيدجر إلى اللغة ؟

حنا آرنت

لم يكن هايدجر يكره اليهود شخصيًّا، فحبيبته هي الفيلسوفة اليهودية الشهيرة (حنا آرنت)، وبعض أصدقائه يهود؛ ولكنه وقف ضدهم فقط ليرضي الحزب، وقد قام هذا الفيلسوف بأعمال دنيئة ليرضي الفوهرر وحزبه:

1- عندما تولَّى إدارة الجامعة رفض قبول طلبات الالتحاق التي تقدم بها طلاب غير آريين، ولا سيما يهود، ولم يُقبل يهودي في جامعته رغم أن عددًا من الجامعات الألمانية في عهده كانت لا تزال تقبل اليهود طلابًا.

2- أجبر هايدجر أعضاءَ هيئة التدريس في الجامعة على أداء القسم لهتلر.

3- طلب من الطلاب أن يحيوا الفوهرر عند بداية كل درس.

4- وشى بالعالم الكيميائي هيرمن ستادنجر، الذي يعمل في الجامعة ذاتها، بأنه “ليس مواليًا لهتلر”، وأنه من الرافضين للحرب، وطالب بفصله بدون تعويضات! ولكن بسبب سمعة ستادنجر العالمية تم تخفيف العقوبة. ونال هذا الرجل جائزة نوبل في الكيمياء عام 1953.

5- بل إنه وشى بصديقه المقرب، إدوارد بومجارتن، الذي يعمل في جامعة جوتنجن؛ حيث أرسل إليهم هايدجر رسالةً يقول إنه متأمرك ومعارض للحزب النازي ومؤيد لليبرالية الغربية؛ ولكن مدير الجامعة رفض طلبه واعتبرها رسالة كراهية لا غير.

هذه الأفعال إن صحَّت فنحن أمام فيلسوف فاشستي ومتطرف؛ لكن الدراسات تظهر بشكل مستمر، وفيها جدل كبير حول حقيقة انتماء هايدجر إلى النازية.

هو شخصيًّا يقول إنه لم ينتمِ إلى الحزب؛ ولكنه كان يصانعه إبان إدارته للجامعة. يقول في رسالة إلى حبيبته وتلميذته حنا آرنت: “العزيزة حنا، إن الشائعات التي تقلقكِ ما هي إلا قذف وتشهير…”، ثم بدأ يسرد أفضاله على اليهود “إن مَن ناقشت رسالته كان يهوديًّا، وإنني طلبت إعطاء منحة لطالبَين يهوديَّين.. إلخ” (رسالة بتاريخ 1933). ويذكر أنه رفض وضع ملصقات في الجامعة ضد اليهود.

 اقرأ أيضاً: «هيدغر»: حينما يحرمني الآخر الاستقلال الوجودي

عندما كان هايدجر شابًّا كتب بحثًا عن اللاهوتي المتطرف إبراهام سانتا كلارا، الذي كان يدعو في القرن الـ17 إلى حرق اليهود! وعاود هايدجر الكتابة عنه في الستينيات ولم يشجب دعوته إلى حرق اليهود، ولم يشِر يومًا إلى الهولوكوست. وأخيرًا فقد ظل هايدجر صديقًا للعالم يوجين فيشر الذي كان يرأس معهد التطهير العرقي، وأهداه كتابًا له عام 1960!

♦ كاتب سعودي

المراجع:

1- رسائل حنا آرندت ومارتن هايدجر، تعريب حميد لشهب، دار جداول، 2014.

2- يورغن هابرماس، هايدجر والنازية: التأويل الفلسفي والالتزام السياسي، ترجمة عز الدين الخطابي، منشورات عالم التربية، 2005.

3- مارتن هايدجر، مدخل إلى الميتافيزيقا، ترجمة عماد نبيل، دار الفارابي، 2015.

4- Richard L. Rubenstein, The Philosopher and the Jews: The Case of Martin Heidegger, Modern Judaism, Vol. 9, No. 2 (May, 1989), pp. 179-196

5- Martin Heidegger, The Self-Assertion of the German University and The Rectorate 1933/34: Facts and Thoughts, translated by K. Harries, Review of Metaphysics, 38:3 (1985:Mar.) p.467

6- Otto Poggeler, Martin Heidegger’s Path of Thinking translated by Magurshak and Barber Humanities Press International.

لقراءة الحلقات السابقة 

مثالب الفلاسفة 1: روسو.. المُرَبِّي الشرير!

مثالب الفلاسفة 2: فتغنشتاين.. الفيلسوف العنيف

مثالب الفلاسفة 3: فرانسيس بيكون.. الخائن!

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة