الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

مثالب الفلاسفة 3: فرانسيس بيكون.. الخائن!

  • شايع الوقيان 

بيكون واحد من أهم فلاسفة العصر الحديث، ويُعد، مع لوك، مؤسس الفلسفة التجريبية. ومن الطريف أن بعض الباحثين يرون أن بيكون هو مَن كتب مسرحيات شكسبير، وأن هذا الأخير اسم وهمي. ولكنه رأي ضعيف وغير معتبر اليوم.

وليم شكسبير

ولد بيكون في لندن عام ١٥٦١، ولم يبقَ منه للتاريخ سوى كتاب “الأرجانون الجديد” الذي وضع فيه أصول المنهج التجريبي الحديث؛ لكن حياته السياسية لم تكن تنم عن رجل فاضل أو أخلاقي. هل أفسدته السياسة؟ يرى عباس محمود العقاد هذا الرأي، وأن أخلاق عصره كانت فاسدة؛ ولذا لم يكن بدعًا منهم (العقاد، باكون، ٣٢٣). لكن عبدالرحمن بدوي يرى أن بيكون ذو مسلك شائن وخسيس ولا مبرر لأفعاله أبدًا (مادة بيكون، موسوعة الفلسفة، ج١).

ما الذي فعله هذا الرجل حتى يصُب عليه المؤرخون سيلًا من اللعنات والازدراء؟

كان أبو بيكون وزير العدل لدى الملكة إليزابيث الأولى، وكان ذا حظوة في البلاط الملكي. وهذا هو السبب الجوهري لانخراط بيكون في اللعبة السياسية. تعلَّم في جامعة كامبريدج؛ ولكنه تركها دون الحصول على شهادة. درس المحاماة، وكان أول مناصبه السياسية المهمة هو حصوله على العضوية في مجلس العموم البريطاني. كان لبيكون صديق مقرب هو روبرت دفرو، إيرل أسِكْس الثاني (Earl of Essex ).

وكان هذا الإيرل مقربًا من الملكة. وقد توسَّط عندها لكي تعيِّن صديقه بيكون محاميًا عامًّا؛ لكنها رفضت. سبب رفضها أن بيكون هاجم سياستها الضريبية في البرلمان، فأثار غضبها. ولكي يرضي الإيرل صديقه منحه ضيعة من ضياعه.

لكن عالم السياسة لا يستقر على حال؛ فتتغير المصالح وتتغير معها المشاعر. فقد حدث أن سخطت الملكة على الإيرل بعد أن نما إلى علمها أنه يدبِّر للثورة عليها. كان بيكون يطمح إلى كسب مودة الملكة، فاشترك مع المدَّعي العام، كوك، في المرافعة ضد صديقه الحميم إيرل أسكس، فتم إعدامه جراء هذا الاتهام.

لكن “سفالات بيكون” -كما يعبر بدوي- لم تنتهِ عند هذا الحد. مع تولِّي جيمس الأول الحكم بعد وفاة إليزابيث، تم تعيين بيكون وزيرًا للعدل كما كان أبوه، ثم أصبح بارونًا. لكن مجلس النواب اتهم بيكون بتلقي رشوة،  فثبتت التهمة عليه، فدفع غرامةً ماليةً كبيرة وعزل من منصبه وحُكم عليه بالسجن؛ لكن الملك عفا عنه، فلم يُسجن، ولكنه عاش بعيدًا عن المعترك السياسي.

يذكر بدوي حادثة لم أجدها في أغلب المصادر. يقول إنه عندما كان مدعيًا عامًّا طلب الملك منه ومن المدَّعي الآخر، كوك، أن يقوما بتعذيب أحد المساجين؛ كي يعترف ببعض التهم. فرفض كوك ووافق بيكون فورًا! وعيَّنه الملك بارونًا ووزيرًا أول.

كان بيكون يحاول تبرير خيانته لصديقه بأن الوطن والملكة أهم من مشاعر الصداقة. وأنه تكفَّل ماديًّا بمراسيم دفنه. لكن المحقق أنه لم يكن يرمي إلى العدالة بل إلى تملُّق الملكة؛ فقد بذل جهدًا كبيرًا لكي يُدين صديقه، ونجح في ذلك بالفعل. لكن الملكة لم ترد له الجميل، فلم يترقَّ في مناصب أعلى إلا في عهد الملك جيمس الأول.

المراجع:

١- عبدالرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة، الجزء الأول، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

٢- عباس محمود العقاد، باكون، المجموعة الكاملة، المجلد التاسع عشر، دار الكتاب اللبناني.

٣- يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، دار المعارف.

  • كاتب سعودي

لقراءة الحلقات السابقة 

مثالب الفلاسفة 1: روسو.. المُرَبِّي الشرير!

مثالب الفلاسفة 2: فتغنشتاين.. الفيلسوف العنيف

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة