الواجهة الرئيسيةمقالات

مثالب الفلاسفة 2: فتغنشتاين.. الفيلسوف العنيف

شايع الوقيان

لودفيغ فتغنشتاين، أعظم فلاسفة القرن العشرين، كان له جانب مُظلم في شخصيته المثيرة للجدل.

وُلِد لودفيغ في فيينا عام 1889من أب بروتستانتي وأم كاثوليكية، وكان جدُّه يهوديًّا في الأصل، والعائلة كانت ثرية؛ بسبب امتلاك أبيه مصانع حديد في النمسا وأمريكا. كان الطفل لودفيغ عبقريًّا مذهلًا؛ أتقن أشياء كثيرة في زمن وجيز.

لاحقًا تطورت مواهبه؛ فكان يُجيد العزف على البيانو وتصميم المنازل واختراع محركات الطائرة النفاثة، بل ذهب إلى إنجلترا لدراسة المحركات؛ هناك تعلَّم الرياضيات أيضًا، فأخذت كل اهتمامه، فقرأ في فلسفة الرياضيات؛ لا سيما كتاب راسل وايتهد “برنكيبا ماثماتيكا”. عاد إلى فيينا، ونصحه المنطقي العظيم فريجه، بأن يعود إلى كامبريدج ويدرس على يد راسل.

بيرتراند راسل

وبالفعل عاد، وكان قلقًا من مستقبله.. فلا يدري أيكون ملاحًا جويًّا أو فيلسوفًا؟ ينقل راسل أن فتغنشتاين قال له ذات مرة: هل أنا غبي يا راسل؟ قال: لماذا تسأل؟ قال: إذا كنت غبيًّا فسأصبح ملاحًا جويًّا، وإذا لم أكن غبيًّا سأصبح فيلسوفًا. قال راسل: اكتب لي عن أي موضوع فلسفي لأخبرك.. فكتب له، ولما قرأ راسل أول جملة، قال: لا يجب عليك أن تكون ملاحًا جويًّا.

كان لودفيغ ملولًا ومكتئبًا ومضطربًا إلى أبعد حد. وقد قُلت في غير موضع: إنه يفكر كالعلماء ويعيش كالشعراء، فحياته غير مستقرة؛ مرة يشتغل في الفلسفة، ومرة في الموسيقى، وثالثة في البستنة، ورابعة في تصميم المنازل، وخامسة في الجيش النمساوي (إبان الحرب الأولى)، وسادسة في التمريض (إبان الحرب الثانية)، وسابعة في التدريس؛ ولكن كتبه الفلسفية أنيقة ودقيقة ومرتبة ومخيفة.

حتى حياته اليومية كانت متزعزعة؛ فملابسه مهلهلة، ويأكل الطعام وحده، ويهمل ترتيب مكتبه. وأما حياته العاطفية والجنسية فلا تقل اضطرابًا.. فلا يدري أيحب النساء أم الرجال، وبالفعل أقام علاقات جنسية مع نساء ورجال.

فتغنشتاين

كانت الكارثة الأخلاقية التي مرَّ بها متعلقة بفترة التدريس؛ في عام 1920 ترك لندن وذهب إلى قرية في جنوب النمسا ليُدَرِّس للأطفال الرياضيات؛ كان مدرسًا عبقريًّا وأفاد الطلاب، لكنه كان عصبي المزاج وعنيفًا في التعامل؛ فكان يضربهم بالعصا بشدة ويصفعهم على آذانهم ويجرّ البنات من شعورهن، وهذا جعل بينه وبين أولياء الأمور عداوة شديدة.

ذات مرة كان هناك طفل هزيل، يتيم الأب، اسمه جوزيف هيدباور، وأُمُّه تعمل خادمة، ولم يستطع الجواب عن سؤال رياضي، فضربه فتغنشتاين مرتَين أو ثلاثًا على رأسه بقوة، فسقط مغشيًّا عليه. أُصيب لودفيغ بالرعب فحمله إلى غرفة المدير، ثم هرب.

في أثناء هروبه إلى بيته قابله أحد أولياء الأمور الساخطين فأمطره بالشتائم واشتكاه إلى الشرطة؛ لأنه صفع ابنته حتى سال الدم من أُذنها. تراكمت عليه القضايا، وكانت قضية هيدباور ذي الإحدى عشرة سنة القشَّة التي قصمت ظهر البعير. تذكُر إحدى الفتيات أنه شدَّها بقوة مع رأسها وأنها ذهبت تشتكيه إلى المدير؛ لكن لودفيغ أنكر ذلك!

هل كان لودفيغ عنيفًا شريرًا؟ مما يُذكر عنه أنه رجل زاهد وأنه تأثَّر بالروائي الروسي تولستوي، فتنازل عن جزء من ثروته التي ورثها من أبيه، لأخته، ووزَّع الباقي على الأدباء والشعراء المفلسين في النمسا.

يبدو أن مهنة التدريس وما حدث في تلك القرية أثَّرَا كثيرًا عليه، فبعد عشر سنوات عاد إلى القرية؛ لكي يعتذر إلى الطلاب الذين آذاهم، وبالفعل قابلهم واعتذر إليهم؛ إلا الطفل اليتيم هيدباور، الذي مات بعد الحادثة بأربع سنوات باللوكيميا.

المراجع:

1- عزمي إسلام، لودفيغ فتغنشتاين، دار المعارف.

2- هانس سلوجا، فتغنشتاين، ترجمة صلاح إسماعيل، المشروع القومي للترجمة.

3- Monk, Ray. Ludwig Wittgenstein: The Duty of Genius, Vintage.

4- Haidbauer incident (Wikipedea).

لقراءة الحلقات السابقة 

مثالب الفلاسفة 1: روسو.. المُرَبِّي الشرير!

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة