الواجهة الرئيسيةمقالات

مثالب الفلاسفة 1

روسو.. المُرَبِّي الشرير!

  • شايع الوقيان

جان جاك روسو، أعظم فلاسفة التربية، لم يكن رجلًا فاضلًا.

وُلِد روسو عام ١٧١٢ في جنيف، وماتت أُمُّه وهي تَلِده. تولَّى أبوه رعايته وتعليمه في المنزل. تشاجر الأب مع أحد الناس فحُكم عليه بالسجن فهرب تاركًا روسو وأخاه. تولَّى خاله برنار تربيته فأرسله إلى مدرسة داخلية في توران، ثم وجد له خاله مأوى في سافوي لدى سيدة تُدعى دي وارين، وكان عمرها أربعة وعشرين عامًا.

وقع روسو في حب مربيته المتدينة، وهو حب غريب! فقد كان يناديها “أُمِّي”؛ ولكنه مع ذلك يشير في اعترافاته إلى نزوع جنسي نحوها، بل إنه كان يتلذذ بعقابها له وضربها إياه على مؤخرته؛ ولعلها فطنت لهذه المشاعر الغريبة فمنعته من النوم في غرفتها.

توجَّه إلى باريس بعد أن قضى خمس سنوات مع دي وارين. في باريس انعقدت بينه وبين ديدرو أواصر الصداقة، وتعرف هناك على فولتير ودالامبير، واشترك معهم في كتابة الموسوعة.

كتب روسو قصة حياته على شكل (اعترافات) وهي سرد أدبي رائع لمغامراته، وكان صريحًا فيها إلى حد مربك للعقلية المحافظة آنذاك. وكتب كتبًا كثيرة في السياسة والأخلاق؛ أشهرها “العقد الاجتماعي” و”أصل التفاوت بين البشر”، وكان يرى أن الإنسان بطبيعته خيّر؛ ولكنه صار شريرًا فاسدًا بسبب التحضر والعمران.

ورأيه هنا مغاير لرأي فلاسفة التنوير الفرنسي؛ لذا فقد سخر فولتير من روسو ومن دعوته الناسَ إلى حياة البدائية الأولى.

في عام ١٧٤٥، ارتبط روسو (دون زواج) من خادمة فقيرة وقبيحة المنظر وجاهلة تُدعى تريزا لو فاسير. كان روسو قابلها عندما كانت عاملة نظافة في فندق سانت كونتين، فارتبط بها. هل أحبها؟ هناك مَن يرى أنه ارتبط بها شفقةً عليها، وهناك مَن يرى أنه اختار هذا النوع الجاهل والقبيح لكي يشعر هو ذاته بعلو نفسه.

عام ١٧٤٦ أنجبت منه رغمًا عنهما ولدًا، فارتعبت الفتاة التي كانت علاقتها معه سرية، وبسبب خوفها على شرفها. فعهدا بالرضيع إلى داية تُسمى جوان، والتي وجدت الحل المألوف آنذاك: إيداعه في ملجأ اللقطاء بعد إقناع المسكينة تريزا بذلك.

 اقرأ أيضًا: جان جاك روسو.. فيلسوف متشرد متأرجح بين العقل والعاطفة

يقول روسو “ما دام هذا هو العُرف السائد في البلاد، فللمرء أن يتبعه إذا ما أقام بها”. في العام التالي، ١٧٤٧، تكرر الخطأ! يقول: “تكررت المضايقة وتكرر العلاج”، فأنجبت طفلًا ثانيًا، وأودع هو الآخر في الملجأ. في عام ١٧٤٨ ولد الثالث، وأودع الملجأ. وفي عام ١٧٥٠وبعد فوزه بجائزة أكاديمية ديجون عن مقاله “خطاب في الفنون والعلوم” كدَّر حياته خبر مزعج: تريزا حامل للمرة الرابعة! وكالسابقين أودعه في الملجأ. والطفل الخامس ولد في ١٧٥٢ وحدث له ما حدث لإخوته.

يقول روسو في اعترافات: “لقد بدا لي هذا الإجراء حكيمًا.. لقد أسلمتهم إلى الدولة لكي تربيهم بسبب عجزي عن ذلك، ولقد تصرفت كمواطن صالح”. ثم يقول “إني كثيرًا ما باركت للسماء؛ لأنها صانتهم مما لقيه أبوهم في حياته”.

 اقرأ أيضًا: كاتب وكتاب: «اعترافات جان جاك روسو».. بين «البارانويا» والاضطهاد

إنها لكارثة حقًّا أن أعظم فلاسفة التربية، وصاحب أعظم كتاب تربوي في العصر الحديث “إميل”، أودع أطفاله الخمسة في ملجأ اللقطاء رغمًا عن أُمِّهم. وفي اعترافاته يحاول كثيرًا أن يبرر موقفه؛ ولكن هيهات. يقول: “إن جان جاك لم يكن قط عديم الشعور، ناكرًا لصلات الرحم، ولا كان أبًا جاحدًا لحظة واحدة في حياته! من المحتمل أن أكون قد أخطأت؛ ولكني لم أكن قط قاسي القلب”.

المراجع:

١- روسو، اعترافات جان جاك روسو، ترجمة حلمي مراد، دار البشير.

٢- محمد حسين هيكل، روسو: حياته وكتبه، دار المعارف.

٣- روبرت ووكلر، روسو، مقدمة قصيرة جدًّا، ترجمة أحمد الروبي، دار هنداوي.

  • كاتب سعودي

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات