الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

متى ترفع حركة النهضة يدها عن القضاء التونسي؟

القاضي عمر الوسلاتي: القضاء التونسي فشل في تحقيق استقلاليته عن السلطة التنفيذية والأحزاب النافذة واللوبيات

تونس –  فاطمة بدري

عاد النقاش حول مسألة استقلالية القضاء في تونس هذه الأيام، على خلفية التعاطي المسيس للسلطات القضائية مع التحقيق المفتوح ضد أعلى مسؤولَين قضائيَّين في البلاد بتهمٍ تراوحت بين التلاعب بالملفات القضائية المتعلقة بالاغتيالات السياسية، والعمليات الإرهابية، والفساد المالي. جدل احتد مؤخراً بعد تدخل أطراف سياسية وتغييرها مسار القضية، ليتجدد بذلك الاعتقاد الراسخ لدى التونسيين بشأن تبعية القضاء التونسي لسلطة أحزاب نافذة؛ على رأسها حركة النهضة المتهمة بسعيها للتغطية على القاضيَين محل التتبع، خوفاً من السقوط.

اقرأ أيضاً: تونس.. حركة النهضة تجيش الشارع تمرداً على النظام

في بداية نوفمبر 2020، وجَّه البشير العكرمي، وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بتونس، والطيب راشد، رئيس محمكة التعقيب، مراسلات إلى التفقدية العامة بوزارة العدل، وإلى وزير العدل، وإلى المجلس الأعلى للقضاء، ضمناها تهماً متبادلة بين الطرفين؛ لكن سرعان ما تسربت إلى الرأي العام.

احتشاد أنصار حركة النهضة وسط العاصمة التونسية- (وكالات)

اتُّهم بشير العكرمي الرئيس الأول لمحكمة التعقيب، بالفساد المالي والتدليس والارتشاء والثراء غير المشروع ومراكمة ثروة في مدة زمنية وجيزة باستغلاله سلطته، وبطريقةٍ غير شرعية. وفي المقابل، اتُّهم الطيب راشد العكرمي بالتلاعب بملف اغتيال الشهيدَين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، عام 2013، والتورط في إخلالات إجرائية في القضيتَين. كما اتُّهم بتلفيق التهم لخصومه، ومحاولة التستر على متورطين في الإرهاب، بغلق ملفات رغم ثبوت الصبغة الإرهابية.

القضاء على المحك

وضعت هذه الاتهامات صورة القضاء التونسي على المحك، وسارع مجلس القضاء العدلي بالإعلان أنه سيطبق القانون على الرجلَين، وكل المتورطين معهما في القضية. وفي الـ24 من نوفمبر الماضي أُسند إلى التفقدية العامة لوزارة العدل مهمة متابعة الملف، ومدّ المجلس بما ستؤول إليه الأبحاث في جميع الشكاوى المرفوعة ضد كل من الطيب راشد، والبشير العكرمي.

قصر العدالة – تونس – أرشيف

وفي الـ12 من فبراير الماضي، وجهت تفقدية وزارة العدل تقريرها إلى وزير العدل المقال محمد بوستة، ومجلس القضاء العدلي، والذي أقر، حسب بعض المطلعين على الملف، بإدانة الرجلَين. وحينها قرر وزير العدل مباشرة إحالة التقرير إلى النيابة العمومية، والقيام بتحرير قرارات الإحالة وتسليمها إلى مكتب الضبط قبل الإمضاء عليها. وبدا واضحاً أنه ستجري محاسبة الجميع؛ بما في ذلك راشد والعكرمي، وتوقع الجميع أن القضاء في طريقه للتخلص من سيطرة السلطة التنفيذية وحزامها السياسي (النهضة وحلفائها) وبقية اللوبيات؛ لكن وقع غير ذلك.

اقرأ أيضاً: عبير موسى تكشف عن اتصالات بين حركة النهضة وإرهابيين داخل السجون

بلغت هذه الأنباء مسامع رئيس الحكومة هشام المشيشي، وبتوجيهاتٍ من حزامه السياسي (النهضة وحلفائها) تقرر في غضون ثلاثة أيام إقالة وزير العدل قبل إمضاء قرار الإحالة. وليبدو القرار عادياً أُقيل أيضاً أربعة وزراء آخرين محسوبين على الرئيس قيس سعيّد.

الطيب راشد وبشير العكرمي – أرشيف

وفي الـ24 من فبراير تدخلت وزيرة العدل بالنيابة، وأمرت باسترجاع تقرير التفقدية العامة بالوزارة والرجوع عن قرارات إحالة مجموعة القضاة المتورطين. في الـ11 من مارس الجاري، أعلن مجلس القضاء العدلي عدم إحالة القضاة المتورطين إلى النيابة العمومية، والاقتصار على إحالتهم إلى مجلس التأديب، في حين تمت إحالة شركاء القاضيَين من محامين وأمنيين وكتبة إلى النيابة العمومية.

“النهضة” على الخط

وبذلك تكون حركة النهضة قد نجحت في إبعاد وزير العدل العازم على تتبع قاضيَين سيجرانها في حال محاكمتهما إلى دائرة الاتهام؛ خصوصاً القاضي بشير العكرمي، إذ تُتهم الحركة بتوظيف بعض القضاة على غرار الأخير لتنفيذ مخططاتها؛ لا سيما المتعلقة بقضايا الإرهاب. وقد اتهمت هيئة الدفاع عن الشهيدَين بلعيد والبراهمي، بشير العكرمي، في يوليو 2020، بتعطيل قضية الاغتيالَين للتغطية على الغنوشي والمقربين منه.

هشام المشيشي يقيل وزير العدل لإنقاذ “النهضة”

وصفت هيئة الدفاع الغنوشي بـ”الفاعل الأصلي في القضية”، مشيرة إلى وجود “تواطؤ واضح وجلي للنيابة العمومية ولقاضي التحقيق؛ بهدف طمس الحقيقة وإخفاء الأدلة التي من شأنها توريط الحركة وقياداتها”.

كما تُتهم الحركة من عدة أطرافٍ بالتلاعب بالترقيات والمناصب والانتدابات في القضاء، وبالاستيلاء على القضاء منذ تولي أحد أبرز قيادييها نور الدين البحيري، وزارة العدل (2013- 2014)، عندما قام بفصل 82 قاضياً من حقبة الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، وعوضهم بقضاة موالين لـ”النهضة”.

اقرأ أيضاً: مقترح أمام البرلمان التونسي لتصنيف “الإخوان” تنظيماً إرهابياً

وفي تعليقه على الملف، انتقد رئيس جمعية القضاة التونسيين أنس الحمايدي، طلب وزيرة العدل بالنيابة استرجاع الإحالات من مجلس القضاء العدلي، معتبراً أن في ذلك تأكيداً على وجود عملية تسييس كبيرة لهذا الملف، وتدخلاً واضحاً للسلطة التنفيذية.

توظيف القضاء في قضية اغتيال البراهمي وبلعيد

وقال الحمايدي لـ”كيوبوست”: “إن قيام وزيرة العدل بالنيابة حسناء بن سليمان، باسترجاع الإحالات من مجلس القضاء العدلي يعد تدخلاً سياسياً متعمداً في المسار التأديبي لإعاقة عملية المساءلة والمحاسبة دون سند قانوني، ونحن نطالبها والحكومة برفع أيديهم عن هذه الملفات”.

من جانبه، أكد القاضي عمر الوسلاتي، أن القضاء التونسي فشل في تحقيق استقلاليته عن السلطة التنفيذية والأحزاب النافذة واللوبيات.

اقرأ أيضاً: أبناؤكم في خدمتكم.. دعاة الجهاد في تونس

وقال الوسلاتي لـ”كيوبوست”: “منذ قرابة العقد، استقبل سلك القضاء عدة رسائل من جهات مختلفة؛ ترمي كلها إلى السيطرة عليه، ولعل أخطرها عملية إعفاء أكثر من 80 قاضياً في فترة حكم نور الدين البحيري. هذه الخطوة بثت الخوف داخل الجهاز القضائي، وجعلت الكل يشعر أنه مهدد بالإعفاء؛ وهو ما حمل الكثيرين للخضوع لهذه الضغوط، وسارت كل الحكومات المتعاقبة على هذا المنوال؛ فكانت النتيجة قضاء غير مستقل”.

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

فاطمة بدري

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة