الواجهة الرئيسيةترجماتملفات مميزة

في حال وقعت حرب بين كوريا الشمالية وأمريكا، ما هي خسائر الطرفين؟

"خطّة أمريكية لتوجيه ضربة عسكرية استباقية ضد كوريا الشمالية"

ترجمة كيو بوست –

كتب المؤلف والباحث الأمريكي جون فيفر مقالة في مجلة فير أوبسيرفر الأمريكية يتحدث فيها عن الآثار المدمرة للحرب المحتملة بين الولايات المتحدة وكورية الشمالية. يستند “فيفر” في مقالته إلى “تقديرات دقيقة جدًا” من قبل خبراء عسكريين وسياسيين، بالإضافة إلى “حسابات” أصدرها البنتاغون شملت خسائر بشرية واقتصادية وبيئية كارثية جدًا. يقول “فيفر” إن أي حرب نووية -وإن كانت محدودة- ستؤدي إلى مقتل الملايين، وإفلاس الولايات المتحدة، وتدمير اقتصادات الكوريتين والصين وتايوان، بالإضافة إلى تعثر الاقتصاد العالمي ككل. ويعتقد “فيفر” أن الحرب مع كوريا الشمالية باتت حتمية ولا مفرّ منها في ظل رغبة زعيمي البلدين بشن هذه الحرب.

الرئيس دونالد ترامب يفكر مليًا في الحروب التي من شأنها أن تقزّم كل شيء؛ فقد أسقَطَ “أم القنابل” على أفغانستان ويفكر الآن في “أم الحروب” في الشرق الأوسط. ويعتبر العديد من الإنجيليين ورجال الدين اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل إشارة إلى اقتراب نهاية الحياة الدنيا. أما الصراع مع إيران فهو على وشك الانفجار، العام المقبل، عندما يقرر ترامب ما إذا كان سيفي بوعده بتمزيق الاتفاق النووي الذي تفاوض عليه أوباما بشق الأنفس، وأسندته حركة السلام بكامل الدعم، كل هذا في غياب أي إجراء من قبل الكونغرس الأمريكي.

أون وترامب

وعلى عكس كل الحروب السابقة والصراعات المستقبلية المحتملة، إنّ الحرب مع كوريا الشمالية باتت حتمية ولا يمكن المفرّ منها، حتى أن صنّاع القرار في واشنطن يتحدثون حاليًا عن “نافذة مدتها ثلاثة شهور” فقط لقيام إدارة ترامب باتخاذ “إجراءات” لإيقاف كوريا الشمالية عن اكتساب القدرة على ضرب المدن الأمريكية بأسلحة نووية. وقد أفادت تقارير أن هنالك خطة أمريكية لتوجيه ضربة عسكرية استباقية لكوريا الشمالية، وأن ترامب يأخذها ببالغ الجدية. أما كوريا الشمالية فقد أعلنت أن الحرب “حقيقة راسخة”، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية في بيونغ يانغ إن “السؤال يدور الآن حول موعد اندلاع الحرب”.

هذه الهالة من حتمية الحرب ينبغي أن تحفّز صنّاع القرار في واشنطن على وضع “منع اندلاع الحرب” على قائمة المهام العاجلة في جميع المؤسسات الدولية، ولدى جميع الدبلوماسيين والمواطنين المعنيين. إن مجرد التحذير من تكاليف الحرب الباهظة لن يقنع الناس بضرورة منع اندلاع هكذا حرب؛ ذلك أنهم يرغبون بالإطاحة بالرئيس “كيم جونغ أون” ونظامه بصرف النظر عن العواقب الوخيمة، علمًا بأن نصف الجمهوريين الأمريكيين يرغبون بهكذا ضربة عسكرية. ولكن التقديرات الأولية لتكاليف الحرب البشرية والاقتصادية والبيئية ينبغي أن تجبر صنّاع القرار على التفكير مرتين قبل القيام بأي عمل عسكري، وأن تحث الناس على الوقوف ضد الأعمال العسكرية من خلال دعم جهود تشريعية من شأنها أن تمنع الرئيس الأمريكي من شن ضربة وقائية دون موافقة الكونغرس الأمريكي.

علينا أن نبيّن للعالم التكاليف المحتملة للحرب مع كوريا الشمالية على أمل إقناع الحكومة الأمريكية بالتراجع عن حافة الهاوية.

 

الخسائر البشرية

من شأن أي حرب نووية بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية أن تسجل رقمًا قياسيًا من حيث الأرواح ودمار الاقتصاد والبيئة. يقول خبير الأسلحة النووية الأمريكي جيفري لويس إن “هذا السيناريو مروع جدًا؛ فقد تلجأ كوريا إلى قصف عشرة صواريخ نووية باتجاه الولايات المتحدة ردًا علي أي ضربة وقائية أمريكية، الأمر الذي سيودي بحياة مليون مواطن على الأقل في نيويورك وحدها، وحوالي 300,000 مواطن حول واشنطن العاصمة، علمًا بأن أنظمة الدفاع الصاروخي في البلاد ليست فعالة كما كان مخططًا لها”. ويضيف “وردًا على كوريا، سيبذل البنتاغون قصارى جهده لقتل أكبر عدد من المدنيين في كوريا الشمالية. وفي الحصيلة سيلقى 2 مليون مواطن أمريكي وكوري شمالي وياباني حتفهم نتيجة لهذه الحرب التي يمكن تجنبها بل وينبغي منع اندلاعها تحت أي ظرف كان”. يقول التقرير إن هذه الأرقام والإحصائيات للخسائر البشرية المحتملة تطابق تمامًا تقديرات المسؤولين والخبراء الآخرين. ووفقًا لمصادر أخرى، فإن حصيلة القتلى ستكون أكبر بكثير في حال استخدمت كوريا أسلحتها من منتصف البلاد؛ مثل “مقتل أكثر من مليوني شخص في سيؤول وطوكيو وحدهما”.

التكاليف البشرية للحرب مع كوريا الشمالية ستكون باهظة جدًا حتى لو لم يستخدم الكوريون السلاح النووي ضد الولايات المتحدة. لنعُد في الذاكرة إلى عام 1994 عندما كان بيل كلينتون يفكر في شن ضربة عسكرية وقائية ضد كوريا الشمالية. حينها، أكّد قائد القوات الأمريكية في كوريا الجنوبية للرئيس كلينتون أن العمل العسكري التقليدي سيسفر عن مقتل مليون شخص في شبه الجزيرة الكورية. واليوم، يقدّر البنتاغون بأن 20,000 مواطن سيفقدون حياتهم يوميًا في هكذا صراع عسكري تقليدي. وهذا يستند إلى حقيقة أن أكثر من 25 مليون شخص يعيشون في سيؤول وحولها، التي تقع على مرمى القوات المدفعية الكورية الشمالية بعيدة المدى.

ووفقًا لتقديرات البنتاغون فإن الخسائر البشرية لن تقتصر على الكوريين فقط، بل هناك حوالي 38 ألف جندي أمريكي يتمركزون في كوريا الجنوبية بالإضافة إلى 100,000 مواطن أمريكي يعيشون هناك. لذلك فإن أي حرب تقليدية على أراضي شبه الجزيرة الكورية ستعرضّ حياة كل هؤلاء الأمريكيين للخطر. هذه التقديرات من قبل البنتاغون حذرة جدًا، فالتوقعات الأكثر شمولًا تفيد بأن أكثر من 100,000 شخص سيلقون حتفهم خلال الـ48 ساعة الأولى من بدء الحرب العسكرية التقليدية، أما في حال استخدام الأسلحة النووية فإن الساعات الأولى ستشهد موت الملايين. وهنا لا بد من التذكير بأنه لا يوجد دليل دامغ حتى الآن على أن كوريا الشمالية طوّرت بالفعل أسلحة بيولوجية. وفي أي سيناريو حرب من هذا القبيل فإن أعداد كبيرة جدًا من الكوريين الشماليين سيلقون حتفهم تمامًا كما حصل في العراق وأفغانستان. ولا ننسى أن تدمير المنشآت النووية الكورية الشمالية يتطلب غزوًا بريًا أمريكيًا للأراضي الكورية، وهذا من شأنه أن يزيد من عدد الضحايا من كلا الجانبين. وخلاصة القول هنا، إن أي حرب تقتصر على الأسلحة التقليدية ستسفر عن مقتل عشرات الآلاف وربما قد تصل إلى المليون.

 

الخسائر الاقتصادية

من الصعب جدًا تقدير الخسائر الاقتصادية لأي نزاع في شبه الجزيرة الكورية، ومن جديد فإننا نؤكد على أن الأمر يعتمد على نوع الأسلحة المستخدمة؛ فيما إذا كانت أسلحة نووية أم تقليدية. وبشكل عام، تفيد التقديرات بأن أي حرب على شبه الجزيرة الكورية ستدمر اقتصادات الكوريتين والصين واليابان وتايوان. وهنا لا بد من الإشارة إلى خطورة تدمير الاقتصاد الكوري الجنوبي الذي يندمج بشكل كبير مع الإمدادات الصناعية الإقليمية والعالمية، التي من شأنها أن تتعطل بشدة بسبب الحرب العسكرية.

وبخصوص الخسائر الاقتصادية الأمريكية، لنأخذ الحرب الأمريكية على العراق على سبيل المثال، فقد أنفقت واشنطن 815 مليار دولار على الحرب العراقية، ابتداءً من عام 2003 وحتى عام 2015، وهذا يشمل العمليات العسكرية وإعادة الإعمار والتدريب والمساعدات الخارجية والمنافع الصحية للمحاربين القدامى.

وفيما يتعلق بالعمليات العسكرية، فإن حساباتنا على الورق تظهر بأن الولايات المتحدة ستواجه ثلاثة أضعاف ما واجهته في العراق؛ فكوريا الشمالية تمتلك أسلحة أكثر تطورًا وتقدّمًا مما امتلكه العراق. بالإضافة إلى ذلك، وبرغم أن نظام “كيم جونغ أون” وحشي بحق الكوريين الشماليين، إلا أن الشعب لن يرحب بالجنود الأمريكيين كما فعل العراقيون ولن يقف مكتوف الأيدي، بل من المتوقع أن ينشأ تمرّد ضد الأمريكيين مثلما حدث ما بعد الحرب العراقية، الأمر الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى تكبّد الولايات المتحدة مزيدًا من الخسائر في الأرواح والأموال. ناهيك عن الأموال الباهظة اللازمة لإعادة إعمار الكوريتين؛ فالأمر لا يقتصر على الشمالية وحدها، بل ستتكبد واشنطن تكاليف إعمار اقتصاد كوريا الجنوبية التي ستتأثر جراء هذه الحرب، وستكون التكاليف المالية أكبر مما أنفقه الأمريكيون على إعادة إعمار العراق وأفغانستان مجتمعتين.

ووفقًا للتقديرات، تتراوح تكاليف الحرب على كوريا الشمالية ما بين 1 إلى 3 تريليون دولار كحصيلة إجمالية للحرب المدمّرة. وبالتالي من شأن الإنفاق على الحملة العسكرية وإعادة الإعمار بعد الحرب أن يدفع بالولايات المتحدة نحو الإفلاس الحقيقي الكامل، “وأن يضعها تحت الوصاية الدولية القضائية”.

 

الخسائر البيئية

فيما يتعلق بالأثر البيئي فإن الحرب النووية ستكون كارثية، وحتى التبادل النووي المحدود سيؤدي إلى انخفاض كبير في درجات الحرارة بسبب الحطام الذي سيتناثر في الهواء والأجواء العليا وسيحجب أشعة الشمس، وهذا بدوره سيؤدي إلى كارثة غذائية وزراعية حقيقية على مستوى العالم. ووفقًا للجنرال الأمريكي المتقاعد سام غاردينر فإن ترامب سيلجأ إلى استخدام الغواصات النووية بالقرب من شبه الجزيرة الكورية نظرًا لتعذر إمكانية إبطال البرنامج النووي باستخدام الأسلحة التقليدية.

ومن الآثار البيئية المدمرة لهذه الحرب -وفقًا للخبراء- الإشعاعات والمواد المميتة التي ستحرق الأخضر واليابس وستجعل مساحات كبيرة من الأراضي غير صالحة للسكن والزراعة. وحتى الحرب التقليدية ستكون مدمرة على البيئة، ففي هكذا سيناريو ستلجأ كوريا الشمالية إلى شن ضربات انتقامية ضد الجنوبية، وستحرق مجمعات الطاقة والكيماويات والأنظمة البيولوجية المختلفة، وقد تقوم أيضًا بضرب مفاعلات نووية سينتج عنها آثار إشعاعية واسعة الانتشار.

وفي نهاية المقال، يؤكد الكاتب على أن قرار الحرب انتحاري من الدرجة الأولى وفقًا لكل الحسابات التي أجراها الخبراء العسكريون، وبالتالي هنالك ضرورة ملحة لمنع اندلاعها من خلال ممارسة ضغوط كبيرة على صنّاع القرار الأمريكيين لتشريع قانون يمنع الرئيس الأمريكي من اتخاذ قرار الحرب دون موافقة مسبقة من الكونغرس، من أجل تجنيب البلاد عواقب هكذا حرب مدمّرة. وينهي الكاتب بالقول إن الحل الدبلوماسي سيكون أفضل بكثير من هذا الدمار مهما تأخر وطال الزمن.

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة