الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

مترجم: كيف يؤدي الحب إلى التطرف؟

الحب يحقق النشوة في مرحلة، والبؤس في مرحلة أخرى

ترجمة كيو بوست –

“إن الحاجة الإنسانية للحب والانتماء والارتباط تجعل الشباب عرضة للمجموعات المتطرفة التي تعد بالتواصل العميق، والرفقة، والأخوة، والانتماء”، هذا ما ذكرته أستاذتان في العلوم الاجتماعية في الجامعة الأمريكية بواشنطن، في مقالتهما في مجلة “فير أوبزيرفر” الأمريكية.

من شأن إلقاء نظرة خاطفة على الكتب الحديثة حول التطرف أن يمنحنا بصيرة حول نوع العواطف التي يراها معظم الباحثين وصناع القرار محوريةً لجذب الشباب نحو اليمين الراديكالي. تحدثت أشهر الكتب -مثل “عصر الغضب” و”غرباء في أرضهم” و”رجال بيض غاضبون”- عن المشاعر السلبية المؤدية للتطرف مثل العزلة، والغربة، والقلق، والغضب، والإحباط، فماذا لو كان الحب أكثر أهمية من كل هذه العواطف؟

اقرأ أيضًا: خلل صغير في دماغك قد يجعلك متطرفًا!

كان الحب ولا يزال محور أعداد لا تحصى من الأغنيات الشعبية والقصص التراجيدية الأدبية والرواية الشعرية. هو أقوى العواطف التي تحدد كينونة الإنسان، وتجعلنا نشعر بالانتماء والاتصال مع الآخرين.

تشعرنا هذه العاطفة بالقيمة والأهمية والرغبة، لكنها في الوقت ذاته، تجعلنا نتصرف بطريقة غير عقلانية في كثير من الأحيان. تحدث علماء الفلسفة عن “داء الحب”، بينما وصف علماء النفس “الوقوع في الحب” بـ”تشتت العقل جراء العاطفة”، وهي حالة عاطفية فسيولوجية ممزوجة بالشوق والحنين واللهفة والوله، تؤدي إلى فقدان النظر إلى الواقع.

الحب يلهم العنف كذلك؛ فمنذ بزوغ فجر العصور، حفّز الحب المبارزات، وجرائم الشرف، والانتحار، وحتى الحروب كذلك. لقد حصلت حرب طروادة بسبب مثلث الحب العاطفي: بعد مرور عشر سنوات على سرقة أمير طروادة هيلين، زوجة مينيلوس، أعلن اليونانيون النصر باستعادة هيلين من جديد. ومن الأمثلة الحديثة أيضًا، قدرة تنظيم الدولة الإسلامية على تجنيد عشرات النساء عبر الإنترنت بعد أن وقعن في شباك حب مقاتلي التنظيم الأجانب.

هذا الحب الرومانسي، المذكور في قصائد شكسبير وأنغام الأوبرا، يستطيع تحفيز الناس على التحرك نحو الأيديولوجيات المتطرفة. ولكن هنالك أنواعًا أخرى من الحب تدفع الأفراد نحو التشدد في كثير من الحالات. يجادل عالما النفس هاري ريس، وآرثر آرون، أن الحب الرفاقي (companionate love) يعتبر رابطة أقوى من الحب الرومانسي. يعبّر هذا “الحب الرفاقي” عن الحب المتبادل، والمودة الحميمة التي نشعر بها تجاه أطفالنا وأشقائنا وأصدقائنا ومرشدينا وغيرهم ممن تتشابك حياتهم معنا.

اقرأ أيضًا: فلسفيًا ولغويًا: كيف يمكن مواجهة الروايات المتطرفة؟

قبل قرنين من الزمان، أصبح الإرهابي “أمروزي نورهاسيم” متطرفًا بسبب سعيه الحثيث نحو الحب والقبول والموافقة من قبل أخيه الأكبر، الذي كان زعيمًا لمجموعة إرهابية. تتبّع الباحثان كلارك ماكولي وصوفيا موسكالينكو الحالة السابقة، وغيرها من حالات التطرف التاريخية، واستنتجا أن “جاذبية الحب الرومانسي والرفاقي تضاهي تمامًا تأثير السياسة وقوتها في تحريك الأفراد نحو المجموعات السرية المتشددة”.

إن الحاجة الإنسانية للتواصل تجعل الشباب عرضة بشكل خاص للمجموعات المتطرفة التي تعد بالتواصل العميق، والرفقة، والأخوة، والانتماء. العاملون في مجال التجنيد يستغلون هذه الرغبات للإيقاع بالجمهور في مصيدة التطرف. فعلى سبيل المثال، تظهر قمصان الشباب اليميني المتطرف في ألمانيا رسائل تعلن أن “العلاقة مع الناس مبنية على الأخوة غير القابلة للكسر”، وتدعو إلى “الولاء والاحترام والتضامن”. وهكذا، يصبح اليمين الراديكالي المتطرف وسيلة للتواصل مع الآخرين، باعتباره رابطة أكبر من أية رابطة أخرى، حتى وإن كانت هذه الصلات مكونة من خلال الكراهية والعنف ضد الآخرين.

 

فقدان الحب

الحب هو أقوى قوة فطرية على الأرض، وبالتالي، فإن فقدان الحب يؤدي إلى صدمة حقيقية لا يستهان بها. عندما نفقد الحب، كما تصف الباحثة بريني براون، فإننا “ننكسر، وننهار، ونفقد الحس، ونصاب بالشلل الفكري، ونتألم، ونؤذي الآخرين”. تقول براون إن غياب الحب والانتماء “سيؤدي دائمًا إلى المعاناة”. وبعبارة أخرى، “الحب يحقق النشوة في مرحلة ما، ويسبب البؤس في مرحلة أخرى”.

من شأن هجران الحب أن يترك الأفراد في حالتي فجع ووهن، ويؤدي بالنتيجة، في أسوأ الحالات، إلى اليأس الانتحاري، أو القتل الانتقامي. كما أن موت أحد الأحباء قد يؤدي إلى حالة لا تطاق، إذ يصبح الأفراد “مجانين بالحزن”، ويتصرفون بشكل عنيف كالمصابين بالذهان.

اقرأ أيضًا: ما الفرق بين الأصولية، والراديكالية، والتطرف، والإرهاب، والفِكر الجهادي؟

من شأن الرغبة في الحب، أو الحسرة والغصة، أن تخلق نقاط ضعف شديدة، يمكن استغلالها بسهولة من قبل الجماعات والحركات المتطرفة. لقد قاد الحب المفقود الإرهابي الجهادي البريطاني توماس إيفانز إلى التطرف، بعدما حاول التعامل مع خسارته المفاجئة، الناتجة عن هجران والده له، وكذلك انكسار قلبه نتيجة لضياع حبٍ رومانسي. فور حصول هاتين “المصيبتين”، سعى توماس إلى الاندماج والانتماء من جديد، فأصبح عرضة للتجنيد من قبل المتطرفين الذين عرضوا عليه شعورًا بالارتباط والمعنى والهدف.

بالطبع، الغالبية العظمى من الأشخاص الذين يعانون من “انكسار القلب” أو فقدان الحب لا يصبحون متطرفين. ومع ذلك، تبقى العواطف السلبية، مثل الغضب والاستياء والانعزال والإذلال، محور عملية التطرف. ما نود التأكيد عليه في هذا الصدد، هو أننا غالبًا ما نتجاهل الحاجة الماسة إلى الحب والانتماء عندما نتحدث عن الحقد والعداء.

 

استعادة الحب

علينا أن ندرك أن عاطفة الحب تلعب دورًا مركزيًا في نداءات اليمين المتطرف الجذابة. علينا أن نعترف كذلك أن المتطرفين -خصوصًا في المراحل الأولى من عملية التطرف- ينجذبون بالعواطف أكثر من انجذابهم إلى الدوافع الأيديولوجية. هذه الحاجات العاطفية لا تتجذر بالغضب فحسب، بل كذلك في الرغبة العميقة في الارتباط والانسجام والحب.

من شأن نقاط الضعف الناجمة عن الوقوع في شباك الحب، أو الشعور بالحزن الشديد لفقدان الحبيب، أن تخلق فرصًا كبيرة للتطرف، سواء من خلال اتّباع خطوات الحبيب نحو التطرف، أو حتى من أجل التعبير عن الحزن والأسى.

اقرأ أيضًا: ما هو الإرهاب بالتحديد؟ ولماذا يربطه البعض بالإسلام؟

“لا نهاية للحزن، هذه حقيقة تثبت أن لا نهاية للحب”، هذا ما قاله المطرب الأيرلندي بونو، في أعقاب تفجيرات مانشستر عام 2017. ربما حان الوقت لأن نأخذ الحب بجدية أكبر، باعتباره قوة محفزة نحو الراديكالية والتطرف. إن تلبية الحاجة الإنسانية الأساسية للحب والتواصل قد تطفئ النار الكامنة وراء كل الغضب الذي نراه، وبالتالي، تجنيب الشباب الانجرار نحو هاوية التطرف.

 

المصدر: مجلة “فير أوبزيرفر” الأمريكية

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة