ترجمات

مترجم: السياسيون الصادقون لن يصلحوا الفساد

<<الروبوت يراقبهم جميعًا>>

ترجمة كيو بوست –

نشر الكاتب والمؤلف الفنزويلي المعروف “مويسيس نيام” مقالة على مجلة الأتلنتك الأمريكية يتحدث فيها عن المشاكل التي تحدّ من جهود مكافحة الفساد على مستوى العالم، وأبرزها استغلال الأنظمة الدكتاتورية “محاربة الفساد” من أجل ممارسة القمع السياسي وسجن المعارضين السياسيين مثلما يحدث في إيران وفنزويلا وغيرها من الدول. و يعتقد “نيام” أن وجود السياسي “الصادق الأمين” لا يكفي لمحاربة الكسب غير المشروع، بل لا بد من سنّ قوانين “ذكية” تعمل بالترافق مع الابتكار التكنولوجي وشفافية المعلومات. ويقدّم “نيام” في نهاية مقالته مثالًا “يحتذى به” لأسلوب “ذكي وفعّال” يستطيع القيام بما فشل به البشر.

يقول الكاتب إن الخبر السار هو أن العالم ضاق ذرعًا من الفساد المستشري في كل مكان، لكن الخبر السيء هو أن الطريقة التي يُحارب بها الفساد غير فعالة. وفي كثير من الأحيان يركّز العلاج على إيجاد وتمكين زعيم صادق يكرّس نفسه للقضاء على هذه الآفة. كما ويصبّ المرشحون للمناصب الرئاسية في مختلف أنحاء العالم جام تركيزهم على برامج انتخابية قائمة على مكافحة الفساد ويقدّمون أنفسهم على أنهم الحل. ومع ذلك، إن ما تحتاجه الدول حقًا قوانين ذكية تعمل على تخفيض حوافز وفرص الفساد، بالإضافة إلى مؤسسات قوية تقوم بإنفاذ تلك القوانين وتستطيع حرمان المسؤولين الفاسدين وشركائهم في القطاع الخاص من الحصانة والإفلات من العقاب، ومنعهم من تحقيق الثراء على حساب الشعوب والأموال العامة.

يتّضح نفاذ صبر العالم من الفساد من خلال ظهور مكافحي الفساد كمرشحين سياسيين، وازدياد المظاهرات الضخمة المناهضة للفساد في جميع أنحاء العالم – الهند والمكسيك وبلغاريا وروسيا وتايلاند وغيرها الكثير من الدول. لم يعد مواطنو هذه البلدان وغيرها يعتقدون بأن الفساد أمر لا مفر منه، أو أن محاربته لا تجدي نفعًا. وقد كان تأثير بعض الاحتجاجات الشعبية مفاجئًا جدًا؛ فعلى سبيل المثال، أدت المظاهرات إلى الإطاحة برئيس غواتيمالا ورئيسة كوريا الجنوبية وسجنهما. وفي البرازيل، أدّت المسيرات الضخمة إلى تهيئة الظروف لعزل وإقالة الرئيسة ديلما روسيف.

إن الإطاحة بالزعماء الفاسدين هو أمر رائع ومثلج للصدر، ولكن الزعيم السياسي الصادق وحده لا يمكن أن يكون الترياق الأفضل لاستئصال الفساد. المجتمع الذي يراهن على زعيم صادق وأمين لحل مشاكله سرعان ما يخسر وآماله تخيب. هكذا قادة قد يتمتعون بالنزاهة فعلًا، وربما يُظهِرون العكس في نهاية المطاف. لقد وصل سليفيو برلسكوني وفلاديمير بوتين وهوغو تشافيز إلى السلطة بعد تقديم وعود بالقضاء على الفساد، ولكن جميعنا نعرف ما حصل بعد ذلك.

وفي كثير من الأحيان يتم استخدام مكافحة الفساد ذريعة للقمع السياسي. وبالفعل، الكثير من الحكّام المستبدّين يستغلون الغضب الشعبي تجاه القادة المرتشين للقضاء على منافسيهم السياسيين. لنأخذ على سبيل المثال روسيا حيث يقوم بوتين باتهام الروس المؤثّرين بتهم فساد ويزج بهم في السجن، وهذا ما حصل تمامًا مع رجل الأعمال الروسي ميخائيل خودوركوفسكي الذي كان أغنى رجل في روسيا ذات مرة، فقد قضى عشر سنوات في السجن بتهمة التهرب الضريبي والسرقة، وفي الحقيقة كان يموّل السياسيين المناهضين لبوتين.

وفي الصين، منذ أن تولى “شي جين بينغ” الرئاسة عام 2012 تعرّض أكثر من مليون مسؤول صيني “للعقاب” بسبب الفساد، وحُكم على بعضهم بعقوبة الإعدام، وهذا ما أقرّته وأكدته الحكومة الصينية بنفسها. الحكومات في كوبا وإيران وفنزويلا غالبًا ما تستخدم تهم الفساد لسجن خصومها، ولا شك بأن هنالك أفراد فاسدون فعلًا بين أولئك الذين يسجنهم الدكتاتوريون. ومع ذلك، فإن الأسباب الحقيقية وراء تلك الاعتقالات ترتبط بالسياسة أكثر من ارتباطها بخيانة الأمانة.

عملية مكافحة الفساد لا ينبغي أن تكون فاسدة بذاتها؛ ففي الأرجنتين وتشيلي وبيرو وكولومبيا وأوروغواي، يقوم “مصرف التنمية للبلدان الأمريكية” بدعم وتمويل مختبرات الابتكار العامة “Public Innovation Laboratories” التي تجرّب أساليب جديدة لرصد ومراقبة سلوك الحكومة. وفي البرازيل، قام فريق من خبراء تحليل البيانات بتطوير تقنيات ذكاء اصطناعي لرصد ومراقبة الموظفين العموميين، وركزوا بشكل خاص على الحدّ من الاحتيال والسرقة بين أعضاء الكونغرس الذين يسعون إلى تسديد تكاليف سفرهم الخاص ونفقاتهم الغذائية على حساب الدولة والأموال العامة. لذا قاموا باختراع روبوت ذكاء اصطناعي أطلق عليه اسم “روزي” يقوم بمراقبة مصاريف البرلمانيين البرازيليين، ويجري تحليلات لطلبات تسديد التكاليف التي يجريها المشرّعون وصنّاع القرار، ثم يقوم بحساب احتمالات الاحتيال من عدمه، وفيما إذا كانت المعاملات المالية مبررة. وبالفعل، كشَفَ الروبوت “روزي” عن الكثير من حالات الغش والاحتيال عند المسؤولين وأعضاء الكونغرس البرازيلي. ولم يتوقف فريق الخبراء عند هذا الحد، بل أنشأوا حسابًا خاصًا بهذا الروبوت على “تويتر” يقوم بإعلام متابعيه على الفور بأية محاولة من قبل أعضاء الكونغرس لتحميل الحكومة النفقات الخاصة التي لا علاقة لها بعملهم.

الروبوت “روزي” مجرد مثال صغيرة يظهر الاتجاهات الإيجابية والإمكانيات الجديدة في جهود مكافحة الفساد، ويكشف عن قوّة المجتمع المدني المنظم إلى جانب الابتكار التكنولوجي وشفافية المعلومات في القطاع العام. قد يرى البعض أن الذكاء الاصطناعي لا يكفي ولا يثمر في بلد استشرى فيه الفساد، ولا يحقق نجاحًا شاملًا في مكافحة الكسب غير المشروع، ولكن النتائج مبهرة حقًا. ولنأخذ على سبيل المثال قضية شركة “أوديبريشت” العملاقة، وهي أكبر شركة أشغال عامة في أمريكا اللاتينية، حين قدّمت رشاوى بقيمة 800 مليون دولار وحصلت على فوائد بقيمة 3,3 مليار دولار من هكذا مخطط، ولكن بفضل جهود “روزي” تم الكشف عن عمليات احتيال ورشاوى وحُكم على رئيس الشركة “مارسيلو أوديبريشت” بالسجن 19 عامًا. وبالتأكيد فإن تطوير تقنيات ذكاء اصطناعي على غرار “روزي” من شأنه أن يردع فساد المسؤولين وصنّاع القرار ويجبرهم على التفكير مرّتين قبل إساءة استخدام الأموال العامة؛ فالروبوت “روزي” يراقبهم جميعًا.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة