الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

مترجم: الثورة الإيرانية لن تموت، لماذا؟

"الإيرانيون تخطّوا حاجز الخوف، واستطاعوا تجاوز الخطّ الأحمر، ولا عودة للوراء"

ترجمة كيو بوست – 

نشرت مجلة بوليتيكو الأمريكية الشهيرة مقالةً تتحدث فيها عن المظاهرات الشعبية المناهضة للنظام الإيراني، وعن الأسباب التي تدفع الخبراء إلى الاعتقاد بأن “الثورة” لن تنتهِ بعد اليوم، حتى لو تم إخمادها مؤقتًا، بقلم محلل السياسة الدولية رفيع المستوى علي رضا نادر، من مؤسسة “راند” البحثية الأمريكية غير الربحية.

 

“ثورة 2017 هي التحدي الأكبر والأخطر”

لقد واجهت إيران الحديثة العديد من الثورات والانتفاضات والتمردات؛ من الثورة الدستورية عام 1905، مرورًا بثورة عام 1979، والثورة الخضراء عام 2009، ووصولًا إلى أحداث اليوم. ولذلك، فّإن الاحتجاجات الجماهيرية الواسعة التي اندلعت ضد النظام الدكتاتوري خلال الأيام القليلة الماضية ليست سابقة، ولكن، ربما هي الأولى من نوعها، نظرًا لتزامنها مع عددٍ من التحديات الخارجية التي تواجه طهران. إيران لم تشهد هذه العاصفة الملتهبة منذ عام 2009، وربما عام 1979. وباتفاق جميع المحللين والخبراء، فإن انتفاضة عام 2017 هي أكبر تحدٍّ تواجهه إيران الاستبدادية منذ زمنٍ طويل.

اقرأ أيضًا: هل تهب رياح التغيير على النظام الإيراني قريبًا؟

 

“برغم قوتها الظاهرية خارجيًا، إيران هشّة جدًا من الداخل”

الثورة الحالية تختلفُ كثيرًا عن الثورة الخضراء عام 2009، وما يميّزها هو الغضب العارِم الذي لم يقتصر على العاصمة فحسب، بل امتدّ إلى المدن والقرى والبلدات كافة، وانطوى على أعمالٍ عنيفةٍ ضد القوات الأمنية والمكاتب الحكومية، والأهم من ذلك هو طبيعة التمرد المشتّت وغير المقتصر على فئةٍ معينةٍ أو مكانٍ بعينه. لقد امتدّت المظاهرات إلى آلاف المدن والبلدات الصغيرة، التي ردّدت بصوتٍ عالٍ عبارات غاضبة جدًا ضد المرشد الأعلى آية الله خامنئي، مما أدهش العالم بأسره. واللافت للانتباه هو أن الإيرانيين لم يعبّروا عن غضبهم تجاه الخامنئي فحسب، بل تجاه المؤسسة السياسية والدينية برمّتها.

وكشفت هذه الانتفاضة أيضًا عن ثغرةٍ خطيرةٍ في نظام الردع الداخلي للنظام الإيراني. وبرغم أن إيران قد تبدو قويةً في الشرق الأوسط، إلا أن الإيرانيين أنفسهم يستنكرون ويمتعضون من سياساتهم الاقتصادية والاجتماعية والدينية والخارجية. وهذا بالطبع يوفر لواشنطن فرصةً نادرةً لزيادة نفوذها ضد طهران في ضوء النجاحات الإيرانية المزعومة في الشرق الأوسط.

 

“انتفاضة شرسة متدحرجة”

بدأت ثورة عام 2017 في مدينة “مشهد” المحافِظة؛ وانتشرت شائعات مفادها أن المحافظين المعارضين للرئيس حسن روحاني هم من أشعل الانتفاضة، بل واتهم الحرس الثوري الإيراني الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد بالوقوف وراء الاحتجاجات في مشهد. وبغض النظر عن ذلك، انتشرت الانتفاضة بسرعةٍ كبيرةٍ إلى جميع أنحاء إيران، من مشهد إلى مدينة قم وإلى أصفهان وغيرها. ولكن من الواضح أن أسوأ أعمال العنف وقعت في العديدِ من المدن الصغيرة التي يتراوح عدد السكان فيها ما بين 20,000 و50,000 نسمة. وتلك المدن لم تشهد احتجاجات فحسب، بل هجمات شعبية شرسة ضد قوات إنفاذ القانون، والمكاتب الحكومية، ومنشآت الباسيج شبه العسكرية، والمؤسسات الدينية والمصارف والبنوك المرتبطة بالنظام. المثير للاهتمام هو أن المتظاهرين في جميع أنحاء البلاد صرخوا عاليًا ضد الخامنئي، ومزّقوا صوره وأحرقوها، وهذا ما يذكّرنا تمامًا بأيام ثورة عام 1979 عندما تمّت الإطاحة بتماثيل الشاه في كل مكان.

اقرأ أيضًا: شعار “الموت لخامنئي” لأول مرة: هل هي بداية الربيع في إيران؟

 

“هبّةٌ مباغتة – كيف؟”

انتشرت الانتفاضة إلى قلب طهران، مركز الاقتصاد والثقافة، وقيلَ إن الاحتجاجات في العاصمة ضعيفة نسبيًا؛ ذلك أن الناس فيها أفضل حالًا من بقية المواطنين في الجمهورية، وخصوصًا في الجزء الشماليّ منها، ولكن هذا مضللٌ جدًا: لقد توقع النظام الإيراني في السابق حدوث اضطراباتٍ مستقبليةٍ في طهران وفي المدن الكبيرة فقط، وركّز كامل قواته ومصادره الاستخبارية فيها، بعيدًا عن المدن والبلدات الصغيرة، وهذا هو السبب الذي جعل الثورة الحالية مباغتة للقيادة.

وبرغم أن بعض المواطنين في العاصمةِ طهران استفادوا اقتصاديًا جرّاء الاتفاق النووي الإيراني، خصوصًا أصحاب العلاقات والعقود مع الحكومة، إلا أن بقية إيران واجهت فقرًا أكبر في ظلّ رئاسة حسن روحاني، بل إن بعض المدن عانت من نسبةِ بطالةٍ تراوحت ما بين 40 و60 بالمئة. لقد اكتشف الإيرانيون على الأرض أن الدولة تدعم فعليًا التكتلات الفاسدة، خصوصًا بعد التسريبات بخصوص الموازنة العامة، التي شهدت تخفيضات في المساعدات المالية الموجهةِ للفقراءِ من جهة، وزيادة تمويل الحرس الثوري الإيراني والمؤسسات الدينية من جهةٍ أخرى.

 

“زوال حاجز الخوف”

تكهّن البعضُ باستسلام المنتفضين أو تعرضهم للسّحقِ من قِبل النظام، ولكن الإيرانيون كسروا الحاجز الأهم، وتجاوزوا الخطّ الأحمر، ولم يعد بإمكان النظام احتواء المتظاهرين بجدار الخوف الذي خلقته الجمهورية الإسلامية. السلطة الدينية لم تفقد شرعيتها فحسب، بل فقدت أيضًا قدرتها على السيطرة على الجمهور حتى باستخدام أدوات وآليات العنف. وخلافًا لما حصل في الاحتجاجات السابقة، أظهر عددٌ لا يُحصى من الإيرانيين عدم استعدادهم بعد اليوم للمشاركة في لعبة “الإصلاحي مقابل المحافظ”، والمعروفة عند الغرب باسم “المعتدلين مقابل المحافظين”. وبالنسبة لهؤلاء الشباب، لم يعد بإمكان أحدٌ من المؤسسة، حتى الإصلاحيين، أن يجعل حياتهم أفضل. بالنسبة لهم، لا بدّ من انهيار النظام بأكمله، لإتاحةِ ولادةِ إيرانٍ جديدةٍ.

اقرأ أيضًا: كيف يرى الإعلام الإسرائيلي احتجاجات إيران؟

وسينصبّ الاختبار الرئيس على استجابة الحرس الثوري الإيراني والباسيج. يوالي العديد منهم الخامنئي، ولكن الجنود يبقون من عامّة الشعب، يواجهون المآسي اليومية القاهرة ذاتها، كما إخوتهم تمامًا. وبالتالي، فإنه ليس من المستغرب أن بعض الباسيجية أحرقوا بطاقات العضوية دعمًا للانتفاضة، وفقًا لتقارير كثيرةٍ.

 

“الإيرانيون يعانون، وحلفاء النظام يزدهرون”

لقد غضب الإيرانيون كثيرًا، في ظلّ معاناتهم وفقرهم وعدم قدرتهم على إطعام أطفالهم، من إنفاق الحكومة على المغامرات الأجنبية بالمليارات؛ في لبنان وسوريا والعراق وأماكن أخرى. وبينما أصبح الشعب فقيرًا، أصبح النظام أغنى، الإيرانيون يعانون، وحلفاء النظام يتمتعون بالقوة والازدهار. لقد سئم الشعب الإيراني من السياسة الخارجية الإيرانية في الشرق الأوسط، ولا سيّما أن التدخلات الإيرانية في المنطقة جاءت على حساب قوت الشعب المقهور. يفترض الإيرانيون أن تسخّر الحكومة مواردها ودخلها القومي لصالح الناس، خصوصًا الفقراء، إلا أن الحكومة فضّلت نقل أموالها لحلفائها على حساب معاناة الشعب؛ كل ذلك لشراء النفوذ لا غير.

الغضب بين الإيرانيين لا يجب أن يكون مفاجئًا؛ فهذا يعود إلى عقودٍ من القمع والطرد وسوء إدارة النظام. لقد وصل الشعب الإيراني إلى قناعةٍ بأن الحكومة لا تعرهم أيّ اهتمام، وهنا لا بد من ذِكر الزلزال الأخير الذي قتل المئات وخلّف آلاف المشردين، دون أية مبالاة من المسؤولين، بل بتجاهلٍ معيبٍ من الحكومة في طهران. وهذا بالطبع مثالٌ من بين عشراتِ الأمثلة على عدم اكتراث النظام الإيراني بقضايا يومية روتينية، تهمّ الناس العاديين، أكثر من اهتمام النظام بازدهار ونموّ حلفائه في الخارج. لذا، ليس من المستغرب أن تشتعل الانتفاضة الغاضبة ضد المؤسسة السياسية الدينية بأكملها، بما في ذلك روحاني والإصلاحيين الذين دعموه.

الانتفاضة الحالية قد لا تؤدي إلى انهيار النظام بشكلٍ فوريٍ، ولكننا نشهد سكرات موت الجمهورية الإسلامية. وحتى لو انتهت الانتفاضة اليوم، فإنها ليست سوى خطوة واحدة في صراعٍ طويلٍ من أجل خلقِ حكومةٍ أكثر تمثيلًا وديمقراطيةً وشعبية. قد يُلقي خامنئي وروحاني باللوم على “الأعداء” وراء هذه الانتفاضة، لكن عدوهم هو الشعب الجائع والمضطهد في إيران، وبالطبع، هم مستيقظون.

اقرأ أيضًا: إيران تنتهج سياسة إمبريالية تدريجية تهدف إلى بسط نفوذها على دول المنطقة

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة