الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

ما يجب فعله لتجنب الحرب في تايوان

كيوبوست- ترجمات

توماس كريستينسن♦

مع تزايد حدّة التوتر بين بكين وواشنطن بسبب تايوان، يبدو أن الاستراتيجيين جميعاً قد نسوا ما قاله المنظّر توماس شيلينغ منذ سنواتٍ عدة: “يتطلّب ردع خصمٍ ما عن اتخاذ إجراءٍ غير مرغوب مزيجاً من التهديدات والضمانات الموثوقة”، حيث دعا عددٌ من المحللين والمسؤولين الأمريكيين إلى التّخلي عن سياسة “الغموض الاستراتيجي”، وانتهاج سياسة “الوضوح الاستراتيجي”، من خلال الالتزام التام باستخدام القوة العسكرية للدفاع عن الجزيرة، في حال حصول اجتياح عسكري صيني لها.

تكثّفت هذه الدعوات بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، لدرجة أن بعض المعلقين بدأوا بدعم فكرة الاستقلال الرسمي لتايوان بشكلٍ علني لأن السماح لبكين بالسيطرة على تايوان سيجعل الدفاع عن حلفاء الولايات المتحدة الآخرين في آسيا أمراً مستحيلاً.

إلّا أنّ تغيير السياسة الخارجية الأمريكية تجاه تايوان سيكون استفزازياً ومسبباً لهجوم بدلاً من أن يكون رادعاً له. فالردع يتطلّب المصداقية في كلا عنصريه: التهديد والضمانات. التهديد؛ يتطلّب إبراز كلفة اتخاذ الإجراء المحظور، والنيّة والإرادة السياسية لفرض هذه الكلفة. أمّا الضمانات؛ فهي تتطلّب إعلام المُستهدف، بشكلٍ غير قابل للتشكيك، أنّه لن يتم استغلال عدم قيامه باتخاذ الإجراء المحظور.

اقرأ أيضاً: خطران مباشران على الاقتصاد العالمي بعد غزو تايوان

إن تجنّب الحرب في مضيق تايوان يتطلّب ردع جميع الأطراف، فعلى الأقل يجب ردع تايوان عن إعلان استقلالها الرسمي عن الصين، كما يجب ردع واشنطن عن الاعتراف بتايوان على أنّها دولة مستقلّة أو عن إعادة التحالف معها بشكلٍ رسمي، ويجب ردع الصين أيضاً عن استخدام القوّة العسكريّة ضد تايوان.

لا يمكن الاكتفاء بتهديد هذه الأطراف فقط، بل يجب أيضاً ضمان عدم حصول تداعياتٍ كارثية لمصالحها في حال امتنعت عن اتخاذ هذه الخطوات المحظورة. وعلى الرغم من صمود الرّدع الثلاثي ونجاحه لما يقارب الأربعين عاماً في الحفاظ على السلام في مضيق تايوان، إلّا أنّ التوترات المتزايدة زادت من هشاشة هذه الترتيبات.

بدأ الردع بالانهيار الكامل منذ بدايات إدارة ترامب، فالتهديد لم يكن قوياً يوماً، وهي لم تبدأ إلّا الآن بالحصول على أسلحة قادرة على إعاقة هجوم صيني لمدة أسابيع. ومن ناحيةٍ أخرى، تزعزعت ضمانات تايوان -المتمثّلة بعدم قيامها بإعلان استقلالها عن الصين في حال لم تقم الأخيرة بالهجوم- مع مرور الوقت.

يمكن للولايات المتحدة والصين تجنب وقوع حرب في تايوان- بلومبيرغ

أشارت استطلاعات الرأي العام إلى أنّ عدداً متزايداً من مواطني تايوان يعتبرون أنفسهم تايوانيين وليسوا صينيين، أو أنّهم مزيج من الاثنين معاً. تجنبت رئيسة تايوان تساي إنغ وين اتخاذ أي إجراءات من شأنها أن تؤدي إلى هجوم صيني إلّا أنّ تساي لم تضمن للصين أن تايوان ستمتنع عن السعي وراء الاستقلال بحكم القانون.

كما بات توازن التهديدات والضمانات الموثوقة غير مستقر في الصين أيضاً. لطالما كانت الصين قادرة على التهديد بفرض عواقب عسكرية واقتصادية وخيمة على تايوان في حال إعلان استقلالها.

والآن، وبعد أن قامت بكين ببناء قدراتها العسكرية، أصبح بإمكانها أيضاً أن تهدِّد بفرض مثل هذه العواقب على الولايات المتحدة في حال تدخّلها في النزاع على مضيق تايوان. ولكن لم تتمكن بكين من أن تضمن لتايوان أن امتناعها عن السعي نحو الانفصال الدائم أو الاستقلال سيكافأ بضبط النفس من قبل الصين، بدلاً من السعي لفرض التوحيد بشروطٍ صينية. على العكس من ذلك، زادت بكين من ضغطها العسكري على تايوان بشكلٍ كبير، وهددت باستخدام القوة إن لم تتمكن من تحقيق الوحدة بشكلٍ سلمي. لم تحدد بكين موعداً نهائياً لتحقيق الوحدة، إلّا أنّ الرئيس الصيني شي جين بينغ صرّح بأنّ التقدم في تحقيق الوحدة مع تايوان شرط أساسي لتحقيق حلمه في “التجديد العظيم للأمة الصينية”، بحلول عام 2049.

اقرأ أيضاً: المناورات العسكرية الصينية في مضيق تايوان ما هي إلا بروفة لـ”قطع الرأس”!

أما على الجانب الأمريكي، فقد تزعزعت أيضاً أركان الرّدع. ففي الماضي، كانت الولايات المتحدة قادرة على التهديد بردٍّ عسكري فعّال في حال القيام بهجوم صيني على تايوان. وحتى لو اعتقد القادة في بكين أنهم سينتصرون في نهاية المطاف، فإن كلفة هذا الانتصار ستكون باهظة للغاية، بالإضافة إلى التهديد بفرض عقوباتٍ اقتصادية مؤلمة على الصين.

وفي الوقت نفسه، ومن خلال التزامها المستمر عبر الإدارات المتعاقبة بسياسة “الصين الواحدة”، تمكنت واشنطن من طمأنة بكين أنه إذا لم تستخدم القوة ضد تايوان، فإن الولايات المتحدة لن تدعم استقلال الجزيرة.

تراجعت مصداقيّة تهديدات وضمانات الولايات المتحدة الأمريكية في مضيق تايوان. فالتحديث العسكري الصيني، وخاصةً منذ أواخر التسعينيات، يعرّض ليس فقط تايوان، بل أيضاً القوات الأمريكية المسلّحة المنتشرة للدفاع عن تايوان للخطر. إذ يمكن لصواريخ الصين، وغواصاتها، وقدراتها السيبرانية أن تعرّض السفن والطائرات والقواعد العسكرية الأمريكية الكبيرة في غرب المحيط الهادي للخطر.

تثير نقاط الضعف الجديدة هذه تساؤلاتٍ حول ما إذا كان بإمكان الولايات المتحدة القيام بتدخل فعَّال للدفاع عن الجزيرة. وبالنسبة لطمأنة الصين، فإنّ خطاب واشنطن المتزايد باتجاه دعم انفصال تايوان الدائم عن الصين أو استعادة شيء مشابه لعلاقة تحالف مع الجزيرة، يزيد المخاوف في بكين من أن انتظار الحل السلمي للخلافات على المضيق لن يؤدي إلّا إلى خسارة تايوان للأبد.

رئيسة تايوان تساي إنغ وين تلقي خطاباً في حفل لتكريم جنرالات الجيش التايواني- رويترز

إن الحفاظ على السلام في مضيق تايوان يتطلب أن تقوم الولايات المتحدة باستعادة مصداقية تهديدها، بالإضافة إلى مصداقية ضمانها عدم الإلحاق الضرر بمصالح بكين هناك، إذا هي امتنعت عن الهجوم على تايوان. وكي تقدّم تهديداً ذا مصداقية، على الولايات المتحدة إعادة تشكيل تموضعها العسكري في شرق آسيا، وأن تتبنى تموضعاً أكثر قدرة على الحركة، وأوسع انتشاراً وأكثر مرونة، بحيث يكون من الصعب على بكين أن تقوم بهجوم ناجح. وهذه الاستراتيجية من شأنها أن تحرم الصين من احتمالية تحقيق انتصارٍ عسكري سريع وغير مكلف على تايوان.

وفي السياق ذاته، ينبغي على الولايات المتحدة أن تواصل التأكيد للحلفاء الإقليميين على وجود مصلحة لهم في علاقات سلمية ومستقرة عبر المضيق، وبالتالي ينبغي عليهم المساهمة في استراتيجية أمريكية معتدلة ومسؤولة لردع العدوان الصيني. وعلى الولايات المتحدة أيضاً أن تعزِّز تعاونها مع الحلفاء للاستعداد لردود عسكرية مشتركة أو منسقة في حال وقوع نزاع على تايوان.

وفي الوقت نفسه، يجب على واشنطن أن تواصل بذل الجهود الدبلوماسية للتأكيد لبكين أنها ستتكبد تكاليف اقتصادية ودبلوماسية في حال نشوب صراع.

اقرأ أيضاً: هنري كيسنجر: لا ينبغي لتايوان أن تكون في قلب المفاوضات بين الصين وأمريكا

لتايوان أيضاً دور مهم في ردع هجومٍ صيني، حيث يجب عليها أن تثبت قدرتها على الصمود أمام الحصار، بالإضافة إلى تكبيد خسائر فادحة لأي اجتياح. بالتالي، على تايوان إنشاء احتياطيات أكبر من الموارد الاستراتيجية، مثل الوقود والغذاء تحسّباً لاختيار بكين حصار الجزيرة بدلاً من غزوها. كما يجب أن تستمر الولايات المتحدة في الضغط على تايوان لإنشاء دفاعاتٍ ساحلية وجوية أكثر قوة وقدرة على الحركة.

على عكس أوكرانيا، التي تتمتع بحدود برية مع حلفاء الولايات المتحدة، سيكون من الصعب للغاية تأمين إمداد لتايوان في حالة نشوب صراع. لهذا السبب، يجب على تايوان أن تخزن وتتدرب مسبقاً على الأسلحة التي ستحتاجها. يجب عليها أيضاً توسيع قدراتها في مجال الدفاع المدني، لخلق تهديدٍ حقيقي للجيش الغازي، ولتوزيع الموارد الأساسية على الجمهور أثناء الحصار. فالولايات المتحدة لا يمكنها أن تساعد في الدفاع عن تايوان، إذا لم تدافع الجزيرة عن نفسها.

ولكن لا يمكن الاكتفاء بالتهديد الموثوق لمنع اندلاع الحرب، وعلى الولايات المتحدة أيضاً أن تستعيد مصداقية ضماناتها وأن تؤكّد لتايبيه وبكين أن هدفها ليس استقلال تايوان، بل للسلام في مضيق تايوان.

سفن حربية صينية تطلق صواريخ خلال مناورة بالذخيرة الحية قبالة الساحل الشمالي الشرقي للبلاد- رويترز

على واشنطن أن تؤكّد أيضاً أنها تعارض أي تغيير أحادي الجانب للوضع الراهن من قبل أيٍّ من الجانبين، وأنّها ستقبل بأي نتيجة يتفق عليها الطرفان سلمياً. لطالما كان هذا هو الموقف الرسمي للولايات المتحدة، إلّا أنّ سلسلة من التصريحات والمواقف من قبل القادة السياسيين في واشنطن ألقت بظلالٍ من الشك على نهج الولايات المتحدة، وفي بعض الأحيان كانت تصرفات الولايات المتحدة تتعارض مع هذه التصريحات.

لذلك، فعلى إدارة بايدن أن تتحدث وتتصرف بقدرٍ أكبر من الانضباط والاتساق مما هي عليه حالياً في أمور تايوان، وأن تستمر في الضغط على بكين للانخراط في مناقشات مباشرة مع القيادة المنتخبة ديمقراطياً في تايبيه، والسعي إلى حل طويل الأمد للخلافات على المضيق، ينال موافقة شعب تايوان.

على الولايات المتحدة أيضاً أن تتجنب الإيماءات السياسية الرمزية التي تؤدي إلى تفاقم مشكلة بكين دون أي فائدة، وأن تزيد التركيز على التدابير الموضوعية التي تجعل تايوان والقوات الأمريكية المنتشرة في آسيا أقوى وأكثر مرونة. هذا يعني أن المسؤولين والسياسيين الأمريكيين، بمن فيهم أعضاء الكونجرس الأمريكي، وأولئك الذين يقومون بحملاتٍ انتخابية، يجب أن يمتنعوا عن الإدلاء بتصريحاتٍ مفيدة سياسياً وضارة استراتيجياً بشأن تايوان.

ومثل هذه التصريحات والتهديدات ستقوّض الضمانات (التي تعتبر عنصراً أساسياً للردع) المقدمة لبكين، مما يزيد من احتمالية نشوب صراع على مضيق تايوان بدلاً من تقليله.

♦مدير برنامج الصين والعالم في جامعة كولومبيا للعلاقات الدولية، ونائب معاون وزير الخارجية السابق لشؤون شرق آسيا والمحيط الهادي.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة