الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

ما وزن تركيا الحقيقي في إسلام فرنسا؟

بقي الإسلام السني التركي في فرنسا مستقلاً نسبياً حتى التسعينيات.. إلا أن الوضع تغير منذ ذلك الحين.. حيث حرص رجب طيب أردوغان على استغلال هذا المجتمع الشاب والمحافظ لأغراض سياسية

كيوبوست

حتى وقت قريب كانت هناك معلومات متداولة على شبكة الإنترنت تؤكد أن 50% من الأئمة في فرنسا يأتون من تركيا؛ لكن السناتور الإيطالي المحافظ أندريا كانجيني، فجَّر مؤخراً أثناء إدانته الهجوم على كاتدرائية نوتردام في نيس قنبلة موقوتة، عندما أكد أن 50% من المساجد الفرنسية تموَّل من قِبل تركيا، وهناك العديد منها، حسب الاستخبارات الفرنسية، كانت مركزاً لجذب التطرف الإسلامي.

صحيفة “لوموند” الفرنسية، استغربت هذه الأرقام، وهي تدَّعي أنها غير صحيحة بتاتاً، رغم أنها تشدد على أن النفوذ التركي يتعاظم شيئاً فشيئاً؛ لكنه حتى وقت قريب لم يشكل سوى خُمس إسلام فرنسا إن صح التعبير، فواحد من كل خمسة مساجد في فرنسا -حسب الصحيفة المقربة من اليسار- هي تحت النفوذ التركي.

نائب رئيس الوزراء التركي بكير بوزداغ في زيارة إلى الجالية التركية 2013- وكالات

الثقل التركي

يقدر عدد السكان الأتراك أو مَن يعودون إلى أصول تركية في فرنسا بنحو 700000 شخص؛ غالبيتهم من المسلمين، ويتركز وجودهم في شرق البلاد؛ لا سيما في مدينتَي ستراسبورغ ومولوز؛ أكبر مدن مقاطعة الألزاس المحاذية للحدود الألمانية؛ هذا البلد الذي يحوي أكبر جالية تركية في أوروبا.

صحيفة “لاكروا” الفرنسية الكاثوليكية، تؤكد في إحصائياتها أن هناك ما بين 300 و400 مكان عبادة مرتبط ارتباطاً مباشراً بالجالية التركية في فرنسا في جميع أنحاء البلاد، من بين ما يقدر بنحو 2600 مسجد فرنسي، وهذا يعني أن نحو 15% من أماكن العبادة هي فعلياً بيد الأتراك.

اقرأ أيضاً: من سوريا إلى فرنسا عبر فيينا.. كيف استغل أردوغان الجهاد الدولي؟

وهذه الأرقام لا تخفي حقيقة مهمة مفادها أن تركيا توفر 50% من “الأئمة المعارين”. هؤلاء رجال دين أرسلتهم تركيا للإشراف على الجالية المسلمة في فرنسا، وتعويض النقص في الأئمة المتدربين في فرنسا. ورغم أن عدد هؤلاء الأئمة البالغ 151 إماماً فقط، حسب الإحصاءات الرسمية من مجموع يقدر بين 1500 و1800 إمام معار؛ فإن الرئيس إيمانويل ماكرون، مُصر على الاستغناء عنهم؛ بسبب تأثيرهم ونفوذهم المتعاظم في فرنسا، وعدم إيمانهم بتاتاً بقيم الجمهورية.

هم ليسوا مضطرين فعلاً إلى ذلك؛ فتركيا تتكفل بدفع رواتب هؤلاء الأئمة، كما أنها تدفع رواتب 56 مساعداً لهم، وقامت أنقرة أيضاً بتمويل كلية لتدريس العقيدة الإسلامية، وتم افتتاحها في ستراسبورغ في عام 2012.

ما يقرب من 80% من المساجد في فرنسا يعتمد على تبرعات المسلمين أنفسهم، والمساجد التركية ليست استثناء؛ ولكنها تعتمد على شريحة من المصلين أكثر ثراءً، فللجالية التركية ثقل اقتصادي مهم للغاية في فرنسا؛ حيث يعمل عدد مهم منها في قطاع الخدمات والإنشاء والعقارات، وحققوا جراء ذلك ثروات طائلة، ومن ثمَّ فإن عملية جمع الأموال لبناء مسجد تتم في حدود سنتين إلى ثلاث سنوات مقارنة بخمس إلى عشر سنوات في المجتمع الفرنسي ذي الأصول المغاربية.

مسجد السلطان أيوب المزمع إنشاؤه بتكلفة باهظة في ستراسبورغ- وكالات

هياكل إسلامية

حسب معلومات وزارة الداخلية الفرنسية، فإن الإسلام التركي في فرنسا يتمحور حول ثلاثة هياكل رئيسية؛ أولها “اتحاد الشؤون الثقافية التركية الإسلامية”، الفرع الفرنسي لوزارة الشؤون الدينية التركية، والاتحاد يمثل الصوت الرسمي والتاريخي للطائفة السنية التركية، وتنضوي تحت لوائه 280 جمعية و151 من الأئمة الأتراك.

اقرأ أيضاً: هل تدفع حكومة أنقرة ثمن سياستها الخارجية داخل الشارع التركي؟

هناك أيضاً منظمة “مللي جوروش” أو الرؤية الوطنية، وهي منظمة إسلامية أوروبية قريبة من جماعة الإخوان المسلمين، لديها 100 ألف عضو في القارة العجوز، ويشرف فرعها الفرنسي على 300 جمعية وعشرات الآلاف من المؤمنين في فرنسا.

الهيكل الثالث والأخير هو الاتحاد الفرنسي للعلويين (FUAF)، وهو يمثل فرعاً للإسلام الصوفي الذي يميل إلى التسامح؛ لكنه يعاني سياسة التهميش في تركيا، حيث يمثل العلويون ما نسبته 20% من الأتراك في فرنسا، والصوفية معادية بشكل واضح للإسلام الراديكالي.

اتحاد الشؤون الثقافية التركية الإسلامية في ضيافة أردوغان 2013- وكالات

بقي الإسلام السُّني التركي في فرنسا مستقلاً نسبياً حتى التسعينيات، إلا أن الوضع تغيَّر منذ ذلك الحين؛ فمنذ بروز نجم رجب طيب أردوغان في حزب العدالة والتنمية، حرص هذا الأخير على الظهور كحامٍ للمسلمين السُّنة، ومن هنا جاء احتجاجه على إيمانويل ماكرون، واحتقاره العلمانية الفرنسية؛ لكن هذا الحرص يمتد أيضاً إلى ما هو أبعد من ذلك، فالمصالح الانتخابية التي يمثلها الشتات التركي في أوروبا تصل إلى أكثر من ثلاثة ملايين ناخب، وهو مجتمع شاب ومحافظ ومتدين في غالبيته، وأردوغان رجل سياسة يعرف كيف يستخدم المسألة الدينية لأغراض انتخابية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة