الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

ما وراء مقولة الرئيس الفرنسي: “عندما ينطلق العنف تتوقف الحرية”

5 خبراء يشرحون القصة الكاملة لتظاهرات فرنسا

كيو بوست – 

تبدو الحكومة الفرنسية مُربكة في طريقة التعاطي مع احتجاجات الحركة الشعبية التي تُدعى “السترات الصفراء” المستمرة منذ أكثر من شهر، رفضًا لرفع أسعار الوقود والظروف الاقتصادية الصعبة.

في الحقيقة، دفعت احتجاجات فرنسا العديد من المراقبين إلى طرح تساؤلات عما آلت إليه قيم الحرية والديمقراطية الفرنسية. هذه التساؤلات لها جانبان؛ الأول العنف الذي كان من قبل المتظاهرين الغاضبين، والثاني كيفية تعاطي الشرطة والاستخبارات مع التظاهرات.

اقرأ أيضًا: الربيع العربي واحتجاجات فرنسا: أي مقاربة ممكنة؟

 

هل ما تزال قيم الحرية الفرنسية بخير؟

يعتقد المحلل السياسي مصطفى الطوسة في حديث مع “كيو بوست” أن الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا طوال أكثر من شهر لم تُعِد النظر بالقيم الديمقراطية التي بُني عليها نموذج الحكم الفرنسي، وحتى الأوروبي؛ فالدساتير الأوروبية تضمن حق التظاهر السلمي… ولكن بشرط ألا يكون “تخريبيًا وعنيفًا”.

المحلل مصطفى الطوسة

ولعل مقولة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخرًا: “عندما ينطلق العنف تتوقف الحرية”، تستوجب التوقف عندها مليًّا، خصوصًا أن الدول الأوروبية لطالما نادت بتعزيز الحريات العامة أثناء مظاهرات الربيع العربي، وعدم استخدام الأجهزة الأمنية القوة ضدها، مهما كان السبب والدافع. وفي السياق، يقول المحلل الطوسة: “عندما يصبح التظاهر السلمي مناسبة للجوء إلى العنف والدمار والخراب والنهب، فإن الآلات الأمنية (شرطة واستخبارات)، سواء فرنسية أو أوروبية، تصبح مرغمة على استخدام القوة؛ لاحتواء وردع هذه الانزلاقات والمآلات الخطيرة”.

ويوضح الطوسة أن ماكرون يقصد بمقولته سابقة الذكر أن “الديمقراطية الفرنسية تضمن الاحتجاج السلمي… ولكن إذا لجأ البعض إلى تخريب الممتلكات العامة والخاصة، فإن ذلك يعتبر خرقًا للديمقراطية، فهو يمنح الدولة الفرنسية الحق للجوء للقوة لقمع التجاوزات؛ كونها تشكل خطرًا على نموذج المؤسسات بأكملها”.

ويتفق الأكاديمي السعودي الدكتور منصور المرزوقي -الذي أقام في فرنسا 10 سنوات- مع كلام الطوسة قائلًا: “القانون الفرنسي يكفل حق التظاهر، في إطار القانون، إلا أن الدولة قد تستخدم نفوذها للتضييق على حق المواطن في التعبير عن رأيه، مثل ما حصل مع الكوميدي ديو دونيه، مثلًا، الذي ألغيت عروضه الكوميدية، رغم أن له الحق فيها في التعبير عن رأيه في انتقاد إسرائيل وازدواجية فرنسا”.

فيما يرى الكاتب، الباحث المختص في رصد الحركات والتيارات اليسارية والقومية ودراستها، الزميل المشارك بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، كامل خطي، في مقولة الرئيس ماكرون “تجسيدًا لمبدأ “الغاية تبرر الوسيلة”، وهو أمر مفهوم ومقدر، فرئاسة الجمهورية هي المسؤول الأول عن الأمن والاستقرار، واستخدامها لما تراه مناسبًا لوقف الأخطار المحدقة بالأمن القومي أمر لا يخضع لمقياس روح الثورة الفرنسية وأساس الديمقراطية الليبرالية، إذ إن هذا النوع من النقاشات لا يمكن له أن يجلب الأمن ويجهض الفوضى”.

ومع ذلك، يعتبر “خطي” أن هذه الأحداث بمثابة فرصة للعرب لمحاسبة الموقف الليبرالي الغربي الذي دعم ما عُرِف بالربيع العربي، والفوضى التي جلبها إلى المنطقة العربية، فالأحداث الجارية التي تشهدها فرنسا بمثابة اختبار يتبين من خلاله ما إذا كان من الممكن التضحية بالأمن والاستقرار مقابل الحفاظ على الروح الديمقراطية! ومع ذلك، يرى الخطي بأن سلوك الأجهزة الأمنية الفرنسية اتسم بالعنف، بل بالعنف المفرط أحيانًا.

من جانبه، يرى د. المرزوقي أنه لا يمكن إغفال الواقع المتأزم الذي يعيشه ماكرون سياسيًا، ومحاولته استخدام أي مشكلة عنف أو انعدام للأمن (أو عمل إرهابي، كالذي حصل في سترازبورغ وتعامل معه بعض المحتجين على أنه مؤامرة من الحكومة)؛ بغرض صرف النظر عن التظاهر وأسبابه، وتحويل الاهتمام إلى الأمن، الذي يعتقد أنه يمكن أن يوحد الغالبية تحت قيادته.

اقرأ أيضًا: مترجم: السياسيون الصادقون لن يصلحوا الفساد

 

البطن الفارغة لا تُفكّر

هناك مَثل فرنسي يقول: “البطن الفارغة لا تفكر”، وهذا يعني أن ضيق الحال الاقتصادي والبطالة التي يعاني منها محتجون دفعتهم إلى الخروج إلى الشارع، والتعبير عن حرمانهم عبر العنف.

في المقابل على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وحكومته أن يتلقفوا هذه الصرخة التي جاءت من أعماق الشعب الفرنسي، وأن يجدوا لها حلًا لكي ينزعوا فتيل الأزمة، بحسب الطوسة، الذي أضاف: “الرئيس الفرنسي حاول ذلك بالتراجع عن رفع أسعار الوقود وتقديم وعودات، ولكن يبدو أنه لم يقنع الحركة الاحتجاجية بعدم الخروج يوم السبت المقبل أيضًا”.

من جانبه، يرى الكاتب كامل خطي بأن خلف الاحتجاجات بعدًا طبقيًا عميقًا، ومحركها الأساس هو الوضع المعيشي المتردي للطبقة الوسطى وما دونها؛ فعلى الرغم من تركز السخط على شخص الرئيس ماكرون، إلا أن دوافع الاحتجاج قد تراكمت عبر عقود من الزمن شهدت تآكل الطبقة الوسطى، وتعاظم الطبقة الدنيا بسبب ازدياد الأعباء المعيشية.

 

خرق قيم الثورة الفرنسية.. ليس الأول!

اتهام السلطات الفرنسية بخرق قيم الثورة الفرنسية لم يكن المرة الأولى، فقد سبق أن جرى اتهامها في أوقات سابقة بهذه الممارسات.

رئيس المركز الأوروبي لدراسات “الإرهاب” جاسم محمد

ويؤكد خبير الاستخبارات جاسم محمد أن التجاوزات التي قامت بها الشرطة الفرنسية بحق المتظاهرين مردها الصلاحيات الواسعة التي حصلت عليها قوى الأمن، وذلك وفق القانون الأخير الذي صدر عام 2018. ومنح القانون الذي يحاكي “الطوارئ” أجهزة الشرطة والاستخبارات الكثير من الصلاحيات، من قبيل التوقيف والحجز لفترات زمنية أطول من ذي قبل، ما اعتبرها محمد متعارضة بالتأكيد مع حقوق الإنسان.

ويعتبر جاسم محمد أن تراجع ملف الحريات بات يمس كل أوروبا، فقد بدأت إرهاصات هذا التراجع عام 2014، حينما مُنحت المزيد من الصلاحيات لأجهزة الشرطة والاستخبارات، وذلك عبر تمكينها من التنصت على أجهزة هواتف مواطنيها، فضلًا عن خضوع المسافر للتفتيش بأي مكان، مع إمكانية فتح هاتفه الذكي وجهاز “اللابتوب” الخاص بأي كان. ولا ننسى صلاحيات أن يدخل الأمن في دول أوروبية عدة إلى جهاز الكمبيوتر الخاص بالمواطن وهو جالس في بيته.

اقرأ أيضًا: ما هي قصة الفساد؟ من أسلافنا إلى القادة المعاصرين

مواقف أوروبا المُبسّطةإبان الخريف العربي

من جهته، يؤكد السفير اللبناني السابق، رئيس بعثة جامعة الدول العربية في باريس سابقًا، الدكتور نصيف حتّي لــ”كيو بوست“، أن الظروف الأوروبية تختلف عن العربية من نواحي طبيعة التنمية وتطور الدولة الوطنية والقضايا التي كانت مطروحة في هذه الدولة أو تلك، إلا أن ذلك لا يمنعنا من عقد مقاربات واستذكار للمواقف الأوروبية التي تمثلت بردود فعل “مُبسّطة” لأحداث ما سميت بـ”ثورات الربيع العربي”، عندما عبرت الردود الأوروبية السطحية حينها عن دعمها لـ”الثورات العربية” بصفتها حملت عناوين جذابة، لم تأخذ بالاعتبار أنها أخفت في عمقها وبعدها التام أي علاقة بمطالب التغيير وتحسين الوضع المعيشي للشعوب، بحسب ما يقول.

من جانبه، يعتبر د. منصور المرزوقي أن “من الصعب المقاربة بين تظاهرات فرنسا وأحداث الربيع العربي التي أسقطت أنظمة سياسية بأكملها، وشهدت حركات احتجاج كبيرة سعت إلى إسقاط توجه سياسي اقتصادي اجتماعي، إلا أن ذلك لا يعني أن فرنسا لم تكن منافقة في موقفها من الربيع العربي، بل هي تنافق على نطاق واسع”.

 

ربيع فرنسي.. ولو جاء في الشتاء

وينوه السفير حتّي، ممازحًا، إلى أن “البعض يقول إن ما يجري في باريس هو ربيع فرنسي ولو جاء في الشتاء”. وشدد السفير على الحاجة الواضحة للتغيير الاجتماعي والاقتصادي في فرنسا بسبب تداعيات ما أسماه “النظام القديم” ذي الصلة بالناحيتين الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، بالإضافة إلى الاعتماد كثيرًا على الدور التنظيمي للدولة.

إلا أن الكاتب كامل خطي يرى غير ذلك، إذ “إن أحد أسباب التأخر في انطلاق حركة الاحتجاج، يعود إلى أن الدولة في فرنسا لم تتخل عن تقديم سلة من الخدمات المجانية للمواطنين، وهذا العبء المالي الذي تتحمله الدولة كان أحد أهم مكاسب حركة الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها فرنسا عام ١٩٦٨. كما أن ضريبة الثروات في فرنسا كانت تصاعدية، بمعنى أنه كلما ازداد حجم الثروة، يصبح صاحبها دافع ضرائب أكبر من ذوي الدخل المحدود، وهذا التطبيق لضريبة الدخل المتصاعدة، تجد فيه الشرائح الاجتماعية الأدنى نوعًا من العدل، لكن رئاسة ماكرون تسعى إلى وقف العمل به، وإحلال ضريبة الدخل الثابتة محله بقصد جعل فرنسا جاذبة لرؤوس الأموال الاستثمارية، كما أن تقديم ضرائب جديدة على الوقود، يعني أيضًا مساواة الأثرياء والفقراء في تحمل العبء، وفي هذا مزيد من الإرهاق للطبقة الوسطى والدنيا. لهذا كله يرى المحتجون أن الرئيس ماكرون ليس رئيسًا يعمل من أجل كل الفرنسيين، وإنما هو رئيس يعمل من أجل الأثرياء فقط”.

اقرأ أيضًا: القضاء على الاحتجاج في البداية أو السقوط: هكذا تصمد الأنظمة الاستبدادية!

 

اختلاط المطالب الاجتماعية مع أجندات أقصى اليمين واليسار

وإلى جانب الأسباب الاجتماعية والاقتصادية الموضوعية للاحتجاجات، فإن السفير اللبناني السابق نصيف حتّي ينبه لحقيقة الأجندات السياسية لأقصى اليمين واليسار في فرنسا، اللذين اتفقا والتقيا عند نقطة مشتركة، هي “الوقوف في وجه الحكومة الفرنسية والرئيس ماكرون”.

السفير اللبناني السابق في باريس
الدكتور نصيف حتّي

ويرى حتّي أنه لا يُمكن فصل التظاهرات الفرنسية عن قضايا الهجرة غير الشرعية والإرهاب التي عصفت بأوروبا في السنوات الأخيرة وارتباطًا بالأزمات العربية، ما أدى إلى بروز تيارات شعبوية يمينية في فرنسا وعموم أوروبا، حاولت أن ترفع شعارات تدعو لإقامة جدران بين دول الاتحاد لضرب التكامل الأوروبي.

فيما يعتبر الكاتب كامل خطي بأن الحديث عن تلاقي أقصى اليمين وأقصى اليسار ضمن حركة الاحتجاج الواسعة، هو “حديث عن النتائج وإن ظن المحللون القائلون بهذا الحديث بأنه حديث عن المسببات، فالفحص الدقيق لأبرز شخصيات حركة الاحتجاجات لا يقدم ما يكفي من مؤشرات على ارتباط هذه الشخصيات بكتل وأحزاب وتيارات سياسية معروفة، وإن لم يخلُ الأمر من تصنيفات سياسية قائمة على التدقيق في خلفيات الشخصيات الأبرز؛ فالقاسم المشترك الأكبر بين جميع الكتل المساهمة في حركة الاحتجاجات، هو تحدر الغالبية من الطبقتين الوسطى والدنيا”.

 

الحل الفرنسي: فقط بخطة طويلة الأمد

يعتبر السفير “حتّي” أن التظاهرات تزيد الأوضاع الاقتصادية لفرنسا تعقيدًا، خصوصًا أنها جاءت عشية أعياد الميلاد المجيدة، حيث نرى فنادق لا تعمل، وهناك شللًا في معظم الأماكن السياحية والتجارية التي تدر دخلًا وتحرك الاقتصاد الفرنسي.

ويتابع “حتّي”: “واقعيًا، دخلنا في حلقة مفرغة ونحتاج إلى خطة حلٍ ليست آنية، ولكن طويلة الأمد، تأخذ بعين الاعتبار التغييرات الهيكلية في أوروبا من أجل معالجتها بشكل شامل، بدءًا بحوار مع القطاعات المجتمعية والمدنية أولًا، ووصولًا إلى بر الأمان”.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة