شؤون عربية

ما وراء قيام مصر بمحو اسم السلطان “سليم الأول” عن أحد شوارعها!

لماذا تغير مصر اسم أحد شوارعها؟

كيو بوست –

تعتبر أسماء الشوارع والأماكن العامة دليلًا على وعي الشعوب بمرحلة تاريخية معينة؛ فأسماء الأماكن العامة لا تطلق عبثًا، بل هي محاولة لترسيخ وعي المواطنين بحقبة زمنية معينة، أو ربطه باسم “علم” من الأسماء التي أثّرت إيجابيًا على حاضر الوطن أو ماضيه.

وقد تُسمى بعض الأماكن العامة في بلد ما باسم شخص أجنبي، خصوصًا إذا كان صاحب الاسم قد ترك بصمة إيجابية على العالم، أو على البلد الذي خلّد اسمه. على سبيل المثال، يوجد في القاهرة شارع العالم الفرنسي جان فرانسو شامبليون، ويعد شارع “شامبليون” من أهم شوارع منطقة وسط البلد، وقد أطلق اسمه على الشارع تقديرًا للجهود التي قام العالم الفرنسي بها، من أجل فك رموز اللغة الهيروغليفية، عبر استعانته بـ”حجر الرشيد”، الذي جرى اكتشافه إبان الحملة الفرنسية على مصر.

وغير بعيد عن شارع شامبليون، هناك “ماسبيرو”، حيث يقع مبنى الإذاعة والتلفزيون المصري، وقد أطلق الاسم على المبنى تكريمًا لجهود عالم “المصريات” الشهير، جاستون ماسبيرو، بسبب مساهماته في التنقيب ودراسة الآثار المصرية القديمة والمحافظة عليها.

كما وتُطلق القاهرة العديد من أسماء الدول العربية على شوارعها الكبرى، فهناك شارع “جامعة الدول العربية”، وشارع سوريا، وشارع السودان، وشارع فلسطين.

وبالإضافة إلى ذلك، هناك شوارع بأسماء مواطنين عرب، قدموا إلى مصر، وتركوا فيها بذورًا من الخير، بحسب ما أرّخ لهم المصريون، وخلدوهم في كتبهم، قبل تخليد أسمائهم على الشوارع، مثل شارع سليمان الحلبي، المواطن السوري الذي قدم إلى مصر، واغتال الجنرال “كليبر” قائد الحملة الفرنسية، وجرى إعدامه على يد الاحتلال نتيجة عمله هذا. يسمي المصريون الحلبي بـ”قاهر الفرنسيين”.

ويوجد أيضًا شارع “جول جمال”، المسمى على اسم المناضل السوري المسيحي، الذي كانت له بصمة أثناء العدوان الثلاثي على مصر 1956، عندما اقتربت البارجة الفرنسية العملاقة “جان بار” من ساحل مدينة بورسعيد المصرية، فأعطى الرئيس جمال عبد الناصر أوامره باعتراض البارجة، وجرى تجهيز 3 قوارب سريعة لاعتراضها. أصر جول جمال على قيادة أحد القوارب، وبعد مناورات مع البارجة، وعدم تأثرها بالنيران المصوّبة تجاهها، قام جول جمال بالإبحار بعيدًا، ثم بالالتفاف المفاجىء، ثم قاد قاربه بالسرعة القصوى، وقبل أن يصل البارجة بأمتار، قفز للمياه، وترك القارب الملغّم يصطدم في المنطقة الأضعف من البارجة العملاقة، مما أدى إلى إغراق أعظم بارجة فرنسية في ذلك الوقت، وأول بارجة في العالم مجهزة برادار.

استطاعت نيران البحرية الفرنسية قتل جول جمال، لكن قصته ما زالت تدرس في المناهج الدراسية إلى الآن، كما جرى إطلاق اسمه على أحد شوارع في القاهرة.

 

شارع “سليم الأول”: أسماء الغزاة على الشوارع!

قررت محافظة القاهرة، تغيير اسم شارع “سليم الأول” بمنطقة الزيتون، بناء على ما تقدم به أستاذ للتاريخ المعاصر بجامعة حلوان المصرية. وعلل أستاذ التاريخ طلبه بتغيير اسم الشارع، بأنه لا يصح إطلاق اسم مستعمِر لمصر على أحد شوارعها، وهو مستعمِر أفقدها استقلالها، وحولها إلى مجرد ولاية من ولايات الدولة العثمانية، إلى جانب قيامه بقتل آلاف المصريين خلال دفاعهم عنها، كما وأعدم آخر سلاطينها “طومان باي”.

ويعود اسم الشارع إلى سليم الأول سلطان تركيا العثمانية، الذي كان السبب في الفتح العثماني الذي حرم مصر من استقلالها ما يزيد على 400 عام.

ولاقت خطوة تغيير الاسم ترحيبًا من قِبل مثقفين مصريين، وقادة الرأي. يعود ذلك إلى أن سليم الأول لم يكن من الأبطال الذين أفادوا مصر، وأثروا فيها إيجابًا، بل كان من أهم الذين حولوا مصر إلى مجرد ولاية عثمانية، وقاموا بنهب خيراتها ونقلها إلى تركيا على مدار 400 عام من الاحتلال. لم تستطع مصر خلال تلك الفترة أن تنجب مثقفًا واحدًا، ولا فنانًا، بل إن العثمانيين تعاملوا مع مصر كـ”بيت مال تركي”، بالإضافة إلى نقلهم آلاف الصناع المصريين المهرة وترحيلهم إلى تركيا، مما جعل تلك المرحلة الطويلة من الاحتلال، تُجمد التاريخ المصري، وتحولها إلى ولاية تابعة، محرومة من التقدم والازدهار. واتفق المؤرخون على نقل عمال وصناع 53 مهنة بالقوة إلى الأستانة، وبهؤلاء الصناع المصريين بدأت نهضة كل الفنون التركية المعروفة. الأمر ذاته حدث مع بغداد ودمشق وجميع حواضر العرب التي احتلها العثمانيون.

يذكر أن سليم الأول هو تاسع سلاطين الدولة العثمانية، واستمر حكمه من عام 1512 حتى 1520م، وأطلق عليه الأتراك لقب القاطع أو الشجاع، وأطلق عليه الأروربيون لقب “العابس”، بسبب تجهم وجهه وعبوسه. ومن العيوب التي ذكرتها الصحف المصرية لذلك السلطان:

أنه أمر بشحن كل نفيس فيها إلي إسطنبول “الاستانة” عاصمة حكمه، وفي مقدمتها الآثار المحمدية للرسول الكريم، بل وجمع كل صنايعي (أصحاب الصنعات)، وشحنهم إلي بلاده ليسهموا في بناء نهضتها. وظلت مصر تحت الحكم العثماني المباشر 4 قرون، وأخذت مصر تدفع الجزية لتركيا حتى عام 1952.

كما ويعتبر “سليم الأول” أحد أبرز الحكام الدمويين الذين تعاقبوا على حكم مصر، وليس أدل على ذلك من قيامه بقتل إخوته وأبنائهم، حتى يضمن تثبيت حكمه ضد مؤامراتهم.

بالإضافة لقيامه بقتل حاكم مصر “طومان باي” شنقًا على باب زويلة، قبل أن يعلق جثته لمدة ثلاثة أيام، بعدما رفض طوماي باي الاستسلام له، والاعتراف بأن مصر تابعة للدولة العثمانية.

يقول المؤرخ إبن إياس، وهو شاهد عيان على ما حدث:

“عند باب زويلة توقف ركب السلطان الأسير طومان باي، كان في حراسة 400 جندي من الانكشارية، وكان مكبلًا فوق فرسه، وكان الناس في القاهرة قد خرجوا ليلقوا نظرة الوداع على سلطان مصر، وتطلع طومان باي إلى (قبو البوابة)، فرأى حبلًا يتدلى، فأدرك أن نهايته قد حانت، فترجل، وتقدم نحو الباب بخطى ثابتة، ثم توقف وتلفت إلى الناس الذين احتشدوا من حوله عند باب زويلة، وتطلع إليهم طويلًا، وطلب من الجميع أن يقرأوا له الفاتحة 3 مرات، ثم التفت إلى الجلاد، وطلب منه أن يقوم بمهمته”.

 

والسلطان سليم الأول ليس السلطان العثماني الوحيد الذي يثير اسمه جدلًا سياسيًا بين أنقرة والدول العربية، إذ أدت تغريدة أطلقها وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان، هاجم فيها السلطان العثماني فخر الدين باشا، إلى غضب أنقرة، التي اعتبرت تغريدة وزير الخارجية الإماراتي مسيئة للعثمانيين والأتراك.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة