الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

ما هي سيناريوهات السلطة الفلسطينية بعد حادثة سجن جلبوع؟

السلطة الفلسطينية في موقف محرج أمام الداخل الفلسطيني من جهة وتجاه التزاماتها مع اسرائيل من جهة ثانية

كيوبوست- مصطفى أبو عمشة

لا يزال الدور والحضور السياسي للسلطة الفلسطينية يتراجع يوماً بعد يوم على وقع الأحداث المتراكمة في الأراضي الفلسطينية، وذلك بحسب ما يؤكده محللون ومراقبون سياسيون، خصوصاً بعد حادثة فرار 6 أسرى من سجن جلبوع الشديد الحراسة، عبر نفقٍ امتد لعدة أمتار خارج أسواره، في عملية فرار أشبه  أشبه بالأفلام الهوليودية.

لكن لم تمضِ عدة أيام حتى أعلنت السلطات الإسرائيلية، السبت، اعتقال 4 سجناء من بين 6 فلسطينيين هربوا من سجن جلبوع شديد التحصين شمال إسرائيل قبل أيام، وقالت الشرطة الإسرائيلية: “تم إلقاء القبض على سجينَين آخرين قبل مدة قصيرة، بينما كانا يختبئان في مرآب للشاحنات”.

اقرأ أيضاً: الأزمات الداخلية في السلطة الفلسطينية وإسرائيل تنعكس على المواجهات العسكرية

لكنّ السؤال الذي يبقى يلوح في الأفق؛ هو حول دور السلطة الفلسطينية في ضبطِ الأمن في الأراضي الفلسطينية، وسيناريوهات السلطة في التعامل مع حادثةِ سجن جلبوع، خاصة بعد إلقاء القبض على أربعةٍ منهم، وما هو مستقبل التنسيق الأمني، وهل يمكن في المستقبل تكرار سيناريو جلبوع مرى أخرى؟

باديء ذي بدء، وفور وقوع عملية الهروب، تحدث رئيس المكتب الإعلامي في مفوضية التعبئة والتنظيم لحركة فتح؛ منير الجاغوب، إلى “كيوبوست”، مشدداً على ضرورة أن يكون هناك حاضنة وطنية لهؤلاء الأسرى، ودعمهم بأيِّ وسيلةٍ، مشيراً إلى أن مخصصاتهم الشهرية لا تزال مستمرة من قبل السلطة الفلسطينية، حتى بعد موعد هروبهم، وبعد إلقاء القبض على أربعة منهم مرة أخرى، وإرجاعهم للسجن، وبالتالي فإنّ حاضنتهم الوطنية لا تزال موجودة، سواء كانوا داخل أو خارج السجن.

تجاهل واضح

لكن المحلل السياسي الفلسطيني د.ذوقان قيشاوي، يختلف مع هذا الطرح؛ مؤكداً أنّ السلطة الفلسطنية حتى هذه اللحظة لم تعلن عن موقفها الواضح والرسمي تجاه عملية الهروب، ولم تؤيد ولم تعارض ولم تُدِنْ أو تشجبْ، وكأنّها تجاهلت الموضوع للعديد من الأسباب بحسب رؤية قيشاوي، ومنها وجود بادرة انفراج مع الإدارة الأمريكية الجديدة، وهذا طموح كبير للسلطة لإعادة فتح قنوات التواصل مع الإدارة الأمريكية، مشيراً إلى أنها لم تكن ترغب أن يكون هناك موقف واضح ومعلن يؤدي إلى تعطيل إعادة فتح قنوات التواصل مع الإدارة الأمريكية الجديدة.

ذوقان قيشاوي

ويرى قيشاوي في تصريحاتٍ خاصة إلى “كيوبوست”، أنه في حال كانت السلطة قد أبدت تأييدها لعملية الهروب، فهذا سيضعها تحت العديد من الضغوط والابتزاز من قبل إسرائيل، وأهمها الابتزاز المالي والتي تعاني منذ فترة من أزمة مالية خانقة، وأصبح المخرج الأوحد هو الترتيب مع إسرائيل من أجل ضمان تدفق الأموال، وبشكلٍ مستدام، لخزينة السلطة من قبل الجانب الإسرائيلي.

ويضيف قيشاوي تعقيباً على مسألة الهروب من السجن، وتبعات القبض على أربعةٍ من الفارين: “إذا استنكرت السلطة أو شجبت عملية الهروب من سجن جلبوع، أو إذا اتخذت أية خطوات عملية ساهمت في تسليم الأسرى الهاربين، فكانت ستجابه بهبة جماهيرية ضخمة، حيث إن الشارع بشكل عام كان ولا يزال محتقناً منذ فترة، وبالذات بعد مقتل نزار بنات، وكذلك فإن هناك موجة تعاطف وتأييد شعبي لعملية الفرار، حيث إن الشارع تصرف على سجيته بالرقص، وتوزيع الحلوى، والأغاني والأهازيج، بالإضافة إلى أن العديد العديد من الفصائل؛ مثل الجهاد الإسلامي، وحركة حماس، أبدت تأيدها الكبير والواضح لها”.

الشرطة الإسرائيلية تمكنت من إعادة توقيف أربعة سجناء كانوا من بين 6 فلسطينيين هربوا من سجن يخضع لحراسةٍ أمنية مشددة شمال إسرائيل

وحول السيناريوهات المحتملة حيال تعامل السلطة مع الحدث، يؤكد قيشاوي أن السلطة ستعمل على تعزيز الحماية الشعبية للأسرى، بحيث تكون السلطة ظاهرياً بعيدة كل البعد عن أي نوع من أنواع المساندة لإسرائيل في القضايا الأمنية المتعلقة بالفصائل الفلسطينية، وفي نفس الوقت تعمل على تعزيز الحماية الشعبية للأسرى، حتى تحافظ على علاقاتها ومصالحها مع اسرائيل، ومع المجتمع الدولي.

وسيكون ذلك عبر القيام بعمليات تنسيقٍ سرية  بين السلطة وإسرائيل، من أجل مساعدة الجانب الإسرائيلي في المسائل الأمنية مقابل ثمن سياسي كبير يعود بالمنفعة على السلطة، والتي يرى قيشاوي أنها ستكون ورقة رابحة للسلطة لن تفرط بها، فهذه لغة المصالح في منظومة الأمن والسياسة، يضيف قيشاوي.

أما مستقبل التنسيق الأمني، في ظلِّ أن الإعلام العبري قد تحدث في وقتٍ سابق، نقلاً عن مصادر أمنية، أن السلطة وعدت بالتعامل مع قضية الأسرى الهاربين من جلبوع، فيرى قيشاوي بأن وقعَ الحدث كان تأثيره كبيراً على المجتمع الإسرائيلي، وعلى المؤسسة الأمنية، ومصلحة السجون الإسرائيلية، مؤكداً أن إسرائيل تستخدم قضية التنسيق الأمني كإحدى الأدوات المهمة، مشيراً إلى أن السلطة ستستمر بعمليات التنسيق الأمني المعتادة تاريخياً؛ سواء فيما يتعلق بقضية الأسرى الهاربين، أو غيرها من القضايا الطارئة في المستقبل.

اقرأ أيضًا: مكاسب “حماس” وإسرائيل كمن يهيم من دون رأس.. والسلطة تأكل أظافرها

وضع صعب

وفي سياقٍ متصل مقارب لرؤية قيشاوي، يؤكدّ المحلل السياسي الفلسطيني ناجي شراب، أن السلطة بعد عملية فرار الأسرى من جلبوع، وإلقاء القبض على أربعةٍ منهم، وإعادتهم للسجن مرة أخرى، باتت في أصعب أوضاعها، فمن ناحية لا يمكن أن تعلن السلطة وقف التنسيق الأمني؛ لأن هذا مرتبط ارتباطاً وثيقاً بوجود السلطة، ويعادل استمرارها من عدمها، مشدداً على أن سيناريو وقف التنسيق الأمني بالكامل يعدّ سيناريو مستبعداً.

ناجي شراب

ومن هنا، يرى شراب في حديثه إلى “كيوبوست”، بأن هروب الاسرى من جلبوع حمل دلالاتٍ سياسية كبيرة جداً، وعلى رأسها تصاعد قوة حركة الجهاد الإسلامي، كما رأينا في الشهور الأخيرة، حيث بدأت بالانتقال إلى دور أكثر فعالية.

أما الدلالة السياسية الأخرى تتمثل، بحسب رؤية شراب، في شخصية زكريا الزبيدي، وهو أبرز الفارين من سجن جلبوع مؤخراً، وهو عضو المجلس الثوري لحركة فتح، وكان يرأس كتائب شهداء الأقصى في جنين، وأحد قيادات فتح في جنين خلال انتفاضة الأقصى، فما قام به الزبيدي، هو والسجناء الفارين، يشكل قوة ذاتية لحركة فتح التي ينتمي إليها.

وبالتالي، فإن السلطة أمام مواقف وسيناريوهات صعبة، ولم يكن أمامها إلا سيناريو الصمت إزاء هذه العملية حتى تتضح الرؤية، بالإضافة إلى خيار السماح بسياسة المديح والمباركة لهذه العملية، لكن ليس عبر الشخصيات الرسمية للسلطة، وإنما عبر خروج قيادات من حركة فتح تخرج لتمجيد ومباركة العملية.

 اقرأ أيضاً: هل تزيح “حماس” منظمة التحرير؟

منير الجاغوب

محاولات متكررة

ما حدث في سجن جلبوع لم يكن الأول من نوعه، فقد قام بعض الأسرى بالتخطيط لعمليات هروب من السجون الإسرائيلية، فهناك العديد من المحاولات والتجارب السابقة، وأبرزها عملية الهروب من سجن شطة في العام 1958، وكذلك محاولات الهروب الثلاث التي قام بها  الأسير حمزة، حيث كان آخرها في العام 1971.

وهناك محاولة هروب 16 أسيراً من سجن عسقلان في العام 1996، وكذلك محاولة للهروب من سجن جلبوع في العام 2014، ومن هنا، فإن الناشط والمحلل السياسي ذوقان قيشاوي، يؤكد أن محاولات الهروب قائمة، وتبقى أدمغة الأسرى تفكر بكل الطرق والإمكانيات والأفكار لغايات الخروج من السجون الإسرائيلية، وبالذات الأسرى الذين لديهم أحكام عالية، حيث إن فرص خروجهم خلال صفقات التبادل تكاد تكون شبه مستحيلة، مشيراً إلى أن عملية الهروب الأخيرة من سجن جلبوع ستساهم في تضييق الخناق على الأسرى، وتقليل فرصهم في الهروب، حيث ستقوم إسرائيل بمراجعة وفحص وتقييم كل السجون للحدّ من أي فرصة للهروب، وهذا ما تترجم فعلياً عبر إلقاء القبض على أربعة منهم بعد فرارهم، وهذا يعود إلى قوة المنظومة الأمنية الإسرائيلية.

وهذا مايذهب إليه أيضاً  منير الجاغوب الذي يرى أن السلطات الإسرائيلية ستتخذ إجراءاتٍ مشددة، وستشدد في البنية الهندسية للسجون، وبالتالي فإن مسألة الهروب مستقبلاً ستكون صعبة، واحتمالياتها ضعيفة، ويبقى سيناريو إجراء مفاوضات مع السلطات الإسرائيلية، عبر الفصائل الفلسطينية المتنوعة، والسعي لتحرير الأسرى، هو الخيار الأكثر نجاحاً وفعالية.

ويرى الجاغوب أن عملية هروب السجناء الأخيرة حملت في طياتها ثلاث رسائل مهمة؛ الأولى تمثلت في تعزيز الوحدة الوطنية، والثانية بأن السجن لا يغلق على أحد، وأن الفلسطيني في أي لحظة يمكن أن يتمرد، ويسعى إلى التحرر بمفرده، أما الرسالة الثالثة فقد أعادت تلك الحادثة قضية الأسرى إلى الواجهة.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مصطفى أبو عمشة

باحث وكاتب صحفي فلسطيني مهتم بشأن الشرق الأوسط والإسلام السياسي

مقالات ذات صلة