الواجهة الرئيسيةترجمات

ما هي النسبية الأخلاقية؟ وكيف تظهر لنا تناقضاتنا الكثيرة؟

هل تؤمن بنسبية مشوهة؟

ترجمة كيو بوست –

يعتقد المؤلف والفيلسوف “راي بريبل” أن النسبية الثقافية غير متماسكة وغير أخلاقية. ويقدّم في مقالته في مجلة “فيلوسوفي ناو” البريطانية، العديد من الحجج والبراهين، التي يحاول من خلالها إثبات خطأ أفكار هذه النظرة الفلسفية.

هل أنت من أنصار النسبية؟ المؤمن بالنسبية هو ذلك الشخص الذي يقول أشياء مثل: “هنالك العديد من الحقائق، والعديد من الطرق لرؤية الأشياء”، على عكس صاحب النظرية المطلقة، الذي يقول: “هذه هي الطريقة التي يجب أن تكون بها الأشياء، وليس هناك طريقتان”.

إذا كنت تؤمن بأن النسبية لطيفة ومتسامحة وغير متسرعة، وأن النظرية المطلقة متحيزة وغير رحيمة وغافلة، فأنت الجمهور الذي أستهدفه. يمكن للمرء أن يؤمن بنسبية الأشياء -دون أية إشكالية- فيما يتعلق بذوقه في الفن، أو التشجير، أو أيّ شيء ينطوي على تقييمات ذاتية بحتة فقط. ولكن النوع النسبي المثير للاهتمام من الناحية الفلسفية هو النسبية الثقافية، المعروفة أيضًا باسم النسبية الأخلاقية.

ليس هنالك مشكلة في حقيقة أن الثقافات المختلفة تقوم بالأشياء بشكل مختلف، إذا كنت بصدد اتخاذ قرار بشأن المكان الذي ستتناول العشاء فيه. ولكن قبول الاختلافات قد يكون صعبًا ومخادعًا عندما تتخذ قرارات بشأن القضايا الأخلاقية. فكيف ينبغي للمرء أن يفكر ويتصرف عندما تتصادم الثقافات من الناحية الأخلاقية؟ ما هي المبادئ التي يجب أن تسود، مبادئك أم مبادئهم؟ كيف يمكن أن نقرر؟ وماذا يجب أن يفعل مناصر النظرية النسبية المتسامح؟

هذه الأسئلة ملحة اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ فالناس من الثقافات الغربية الحديثة كثيرًا ما يتحدثون حول متطلبات التسامح واحترام الثقافات الأخرى. في هذا السياق، عليك أن تكون حريصًا على عدم الوقوع في فخٍ أو أكثر، من الفخاخ التي تبدأ بالتشكّل بمجرد الخوض بهذا الإطار النسبي. وفيما يلي جولة سريعة حول خريطة المصيدة.

أولًا، هل تناقضتُ مع نفسي للتو؟

لننظر في البداية في فكرة من أفكار النسبية: بما أن الأخلاق نسبية وتختلف باختلاف الثقافات، فليس هنالك طريقة للاختيار بين الأنظمة الأخلاقية، ويجب على المرء احترام القرارات الأخلاقية الخاصة بالثقافات الأخرى. وبعبارة أخرى، لا ينبغي للمرء أن يمرر أحكامه الأخلاقية على الأحكام الأخلاقية الخاصة بالثقافة الأخرى، ولا ينبغي له الحكم على تصرفات الناس من الثقافات الأخرى.

هذه الفكرة جديرة بالتصديق ظاهريًا، لكنها مخادعة، وغير صالحة تمامًا. المشكلة في أفكار النظرة النسبية هي أنها ليست نسبية حقًا، بل مطلقة، وهذا ينطبق على الفكرة السابقة؛ “على المرء ألا يصدر أحكامًا أخلاقية على أفعال أشخاص من ثقافات أخرى”. أنصار النسبية يدْعون إلى اعتبار الفكرة السابقة قاعدة أخلاقية تنطبق على جميع الأفراد في جميع الثقافات، وهذا ما يتناقض مع مبدأ النسبية الأخلاقية نفسها. ولذلك، من المثير للسخرية أن مناصري النسبية الأخلاقية يستخدمون عبارات أخلاقية مطلقة تمامًا وليست نسبية، في تناقض صارخ مع مبادئ النظرة الفسلفية التي يؤمنون بها.

ثانيًا: هل هذا ما أقصده؟

لنتفق جدلًا على أن الأحكام الأخلاقية تختلف باختلاف الثقافات، وأن النظرة النسبية تمنح كل ثقافة حمايةً من نقد الثقافات الأخرى، فدعونا نرى أين سيؤدي بنا الأمر.

لنفترض أن هنالك اعتقاد عام -متوافق عليه- في ثقافتي، أن ذوي البشرة الداكنة أقل شأنًا من الآخرين، وأننا نمتلك الحق في استعبادهم واستخدامهم لمصالحنا، وأننا غير مخطئين أخلاقيًا في ذلك بسبب عدم أهليتهم، فهذا يعني أن المعتقدات الأخلاقية التي يحملها أصحاب البشرة الداكنة أنفسهم مختلفة كليًا (كما هي معتقدات أي ثقافة أخرى)، وبالتالي يمكنهم أن يتخذوا أيّ نوع من الأحكام الأخلاقية التي تحلو لهم، حتى وإن تناقضت مع ثقافتي. وبما أن نظامي الأخلاقي يختلف عنهم، لا يمكن الحكم على أحكامهم الأخلاقية من خلال معتقداتي.

دعونا نفكر في قبطان سفينة للعبيد المسلمين بين أفريقيا والشرق الأوسط في منتصف القرن الثامن عشر، قبل أن تجعل بريطانيا تجارة العبودية غير قانونية عام 1807. قال القبطان حينها “لماذا علي أن أهتم؟ العبودية مقبولة في ثقافتي؟ إذا كنت ترغب في إلغاء العبودية من ثقافتك فهذا شأنك، أتركني وشأني”. تاجر العبيد هذا أصدر أحكامًا أخلاقية ضمن الإطار النسبي، وهذا لم يمنعه من التصرف بشكل مروع تجاه الثقافات الأخرى، بل شجعه على ذلك.

ولذلك، فإن النسبية لا تؤدي إلى التناقض فحسب، بل كذلك إلى استنتاجات أخلاقية كريهة للغاية، بل وتوفر عذرًا لأيّ نوع من السلوكيات التي يسلكها أعضاء الثقافة الواحدة. فكّر في رد أي دولة متسلطة، متهمة بانتهاك حقوق الإنسان من قبل منظمة العفو الدولية: “ليس لديك الحق في الحُكم، ولا يحق لك التدخل”، وهذا هو الدفاع المثالي ضد النسبية.

لاحظ أيضًا أن النسبية لا توحي بأيّ شرط للتسامح مع الغرباء وسط الثقافات الأخرى، وهذا ما أكده الفيلسوف الفرنسي تزفيتان تودوروف، حينما قال: “مناصرو النسبية المتسقة قد يطالبون جميع الغرباء بالعودة إلى بلادهم، حتى يتمكنوا من العيش محاطين بقيمهم الخاصة”.

ثالثًا، ما حجم ثقافتي؟

هنالك أيضًا مشكلة حول ما يشكّل الثقافة، والأمر يعتمد على كيفية تعريفك لهذا المصطلح. فالثقافة قد تنطوي على مجموعات أسرية، أو كونفدرالية من الأمم. ولكن المسألة تصبح ذات أهمية حاسمة، عندما يطرح أحد أتباع النسبية سؤالًا حول كيفية قيام الجدران الثقافية بحماية مجموعة واحدة من الانتقاد الأخلاقي. فهل كانت عائلة “مانسون” مجموعة ثقافية؟ الإجابة نعم، وبالتالي، هل كان علينا أن نتسامح ونحترم قراراتها الأخلاقية ونظامها الأخلاقي الخاص بها؟

نحن نميل إلى الحديث بهدوء حول “الثقافة”، وقد يسهب أحدهم في الحديث عن “الثقافة الإسبانية”، كما لو كانت قائمة موحدة من المعتقدات والممارسات التي يلتزم بها الجميع، وهذا هراء بالطبع. فهنالك تنوع كبير في التفكير الأخلاقي داخل الثقافة الواحدة. ولو ادعى أحدهم من داخل مجموعتك قائلًا “هذا ما نفعله في ثقافتنا”، فسترد عليه بالقول “تقصد من؟ وماذا تقصد بثقافتنا؟”.

من المفترض أن تنشأ الأخلاق بشكل طبيعي كجزء من الثقافة، إلا أن النسبية تعمل لصالح الفرد حينما يحلو له الأمر، وبشكل غير مبرر.

رابعًا، تسامح أم احترام؟

يتبنى أنصار النسبية الثقافية مبدأ التسامح والاحترام، ولكن من الصعب أن نرى “تسامحًا” أو احترامًا” في مبدأ النسبية الأخلاقية. فالفكرة القائلة بأن “الثقافات المختلفة لديها أنظمة أخلاقية مختلفة” هي بذاتها لا تحمل أي نزعة أخلاقية تجاه الثقافات الأخرى، ولا تنطوي أصلًا على أي تسامح أو احترام للآخرين؛ ولو كان الأمر كذلك، سنكون مضطرين إلى التسامح واحترام وقبول أكثر المجموعات الأخلاقية الثقافية ترويعًا في التاريخ.

كيف يمكن للمرء التصرف عند حصول صدام ثقافي؟ النسبية لا تقدم أية إجابات، ولا توفر طريقة لاتخاذ قرار أخلاقي.

خامسًا، هل دمرت كل شيء للتو؟

يدّعي مناصرو النسبية الثقافية أن المعتقدات الأخلاقية مجرد عادات تشربناها عبر الوقت، مثل تقنيات الطهي، وبالتالي ليس هناك صواب أو خطأ مطلق. ولكن هذا المبدأ يترك الأفراد دون سبب موضوعي للتصرف الأخلاقي، بعيدًا عن التعاطف الذي قد تشعر به، أو محاولة تجنب العقاب.

في الحقيقة، قد تبدو النسبية لائقة، إلا أنها تدمر الأخلاقية؛ لأنها تجرد الفرد من الأسباب المنطقية التي تدعوه إلى التصرف بشكل أخلاقي. وهذا ينطبق على الطريقة التي يتصرف بها المرء تجاه أي شخص، بما في ذلك أشخاص من ثقافات أخرى، والأشخاص الذين يعيشون في البيت المجاور، وحتى أفراد العائلة. ولو كانت الأخلاقية تتعلق بما يفعله الناس ببساطة، فليس هنالك سلطة موضوعية نسترشد بها، وبالتالي ليس هنالك مشكلة في فعل أي شيء يحلو لك.

سادسًا، ليس هناك من يؤمن بالنسبية الأخلاقية بالفعل

إذا حاولتَ تبنّي النسبية الأخلاقية، فستناقض نفسك في نهاية المطاف، أو ستجد نفسك متسامحًا مع العبودية، وستقضي على أيّ سبب موضوعي للتصرف بشكل لائق. وإذا كنت تناصر النسبية الأخلاقية حتى هذه اللحظة، فاحفر عميقًا بما فيه الكفاية، وستجد حتمًا بعض الممارسات التي لا ترغب بقبولها كمسألة ثقافية، ولا تنسى مسائل الاستغلال الجنسي للأطفال، والتعذيب، والاغتصاب، والمذابح الجماعية.

معظم الناس الذين يدّعون امتلاك وجهات نظر نسبية سيخفقون عند الإبحار في هذه المسألة، وسيرغبون في عدم التسامح مع المعتقدات الأخلاقية التي تنطوي على ممارسات جماعية خاطئة في الثقافات الأخرى.

هذا التناقض الجوهري هو جزء أساسي من معنى “النسبية المشوهة”. إذًا، مناصر النسبية الأخلاقية هو ذلك الشخص الذي يتبنى النسبية من جهة، بينما يصدر تصريحات غير نسبية من جهة أخرى. ولهذا، فإن كل من يناصر النسبية الأخلاقية، يناصر نسبية مشوهة.

الخلاصة

قد تتساءل الآن، هل ينبغي ألا نتسامح مع التنوع بسبب مشاكل النسبية الأخلاقية؟ وهل هذا يعني وجوب اضطهاد الناس من الثقافات المختلفة لمجرد اختلاف معتقداتهم الثقافية؟ ردي هو بالتأكيد لا. لكن هذه المشاكل تعني أن التسامح العالمي البسيط لكل المعتقدات الأخلاقية لا يمكن أن يكون قانونًا أخلاقيًا حيويًا ذا معنى. وبدلًا من ذلك، نحن بحاجة إلى إطار قوي يمكن من خلاله مناقشة صدامات الأنظمة الأخلاقية – وليس شيئًا ينهار بمجرد النظر إليه.

بالطبع أنا لا أدعو إلى وضع قائمة موحدة من القواعد والمبادئ، ولكنني أعتقد أن وضع حظر شامل على انتقاد القيم والمعتقدات الأخلاقية الخاصة بثقافة أخرى أمرٌ خطير، وله نتائج عكسية. إن الاحترام الحقيقي للناس من الثقافات الأخرى يعني الانخراط معهم، والتساؤل بجدية حول قراراتهم الأخلاقية: لماذا تعتقد ذلك؟ كيف يمكنك تبرير ذلك الفعل؟ ما هي العواقب المترتبة على قراراتكم الأخلاقية؟ هل تتناقضون مع أنفسكم؟ هل يتفق الجميع في ثقافتك على كل أمر؟

يجب أن تكون الأخلاقية في النهاية قابلة للجدل، وإعطاء الأسباب، وتقديم الأدلة، ولا يمكن أن تتوقف على ثقافة المرء التي ينتمي إليها.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة