الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفةشؤون دولية

ما هي الغاية من الحزن؟

كيوبوست- ترجمات

نايجل واربورتون

أثارت موجة الحزن العارمة التي اجتاحت المملكة المتحدة اهتمام العديد من المفكرين والدارسين للسلوك الإنساني، ومن هؤلاء نايجل واربورتون، الذي كتب مقالاً نشرته صحيفة “ذا نيو يوروبيان”، يتناول فيه مفهوم الحزن، وكيفية التعامل معه.

يعبر واربورتون في مطلع مقاله عن استغرابه من أن الفلاسفة لم يبحثوا كثيراً في مسألة الحزن وطقوس الحداد، حتى أن الأمر ليبدو كأنهم كانوا يتجنبون ذلك عمداً. الاستثناء الوحيد كان لدى الرواقيين القدماء الذين اعتبروا أن عدم التأثر بفقد شخص عزيز فضيلة من الفضائل.

قال إبيكتيتوس إن الحزن الشديد على فقدان شخص عزيز هو بمثابة الرغبة في تناول التين في الشتاء، وليس طريقة عقلانية للتعاطي مع الحياة. وبدلاً من ذلك عليك أن تقدر من حولك أثناء وجودهم على قيد الحياة، وأن تدرك أن الطبيعة ستأخذ مجراها. ولكن سينيكا كان أقل تشدداً بشأن الحزن، إذ رأى أنه لا بأس في أن يحزن المرء على فراق من يحب، لكن دون أن يغرق في هذا الحزن.

ويمكن تلخيص موقف الرواقيين بشكلٍ عام بعبارة: “لا تشغل نفسك بأشياء لا يمكنك تغييرها، وركز على تلك التي يمكنك تغييرها. يمكن للحزن أن يسيطر على حياتك، وهو كالغضب، عاطفة عديمة الفائدة، ولن يعيد أي شخص إلى الحياة. ابحث عن طريقة للتحكم في حزنك”.

اقرأ أيضاً: الزغرودة.. إرث عريق من أقصى الحزن إلى أقصى الفرح

اتخذ مايكل تشولبي في كتابه الأخير «الحزن.. دليل فلسفي» مقاربة مختلفة، حيث اعتبر أن فراق شخص عزيز قد يجرحنا، ولكنه يمكن أن يمنحنا قدراً أكبر من فهم الذات. وعلى الرغم من أن الحزن مؤلم للغاية، وقد يستولي علينا في أي وقت، إلا أنه يبقى مجموعة معقدة من المشاعر، ومساراً يوفر فرصاً فريدة لتطوير الذات، ولإعادة توجيه أنفسنا نحو اعالم والآخرين.

أيضاً يختلف تشولبي مع أولئك الذين يرفضون فكرة التأثر بوفاة أشخاص لم يلتقوا بهم من قبل، ويرى أن الحزن على وفاة المشاهير -وهي ظاهرة واسعة الانتشار- يمكن أن يكون حزناً حقيقياً. وبالفعل كان هنالك فيض من الحزن العام على وفاة الأميرة ديانا، وكذلك حزن كثيرون على وفاة الملكة إليزابيث على الرغم من أنهم لم يقابلوها أبداً، وعلى الرغم من تقدمها في السن. وقد ارتبط كثيرون بالملكة من خلال القيم التي تمثلها، وتفانيها ودبلوماسيتها بغضِّ النظر عن دورها الرمزي كملكة.

عبَّر الملايين من البريطانيين عن حزنهم الشديد لوفاة الملكة إليزابيث مع أنهم لم يعرفوها شخصياً- وكالات

ولكن كاتب المقال لا يتفق كثيراً مع الصورة الإيجابية التي رسمها تشولبي للحزن. فهو في الأصل ليس أداة لتطوير الذات على الرغم من أنه يمكن أن يعمل بهذه الطريقة في مناسباتٍ نادرة. ويشير واربورتون إلى أن وفاة شخص نحبه هي واحدة من المآسي المؤلمة التي لا مفر منها في وجودنا.

وسيعاني معظمنا مرغمين من فيضٍ هائل من العواطف المؤلمة، وسيكافح من أجل التكيف مع هذه الخسارة. فالحزن لا يمكن أن يتلاشى تماماً، وهو يعود ليعصف بالمرء في أوقاتٍ لا يتوقعها. وعندما يحزن المرء على أحبائه الذين توفوا فهو يحزن لأنهم لم يعودوا موجودين، على عكس ما كان يفترض، ولذلك يسهل التعامل مع هذا الشعور عندما يكون المتوفى قد عاش عمراً مديداً.

اقرأ أيضاً: ماتت الملكة.. عاش الملك!

يمكن لطقوس الحداد أن تكون بمثابة إعلان عن هذه المشاعر، لكن جذوة الحزن الداخلي تدوم طويلاً، وتحافظ على ذكرى المتوفى حية، وذات مغزى. ولكنها في الوقت نفسه يمكن أن توصل من يحملها إلى حافة اليأس، وهي طريقة للحفاظ على الارتباط مع الشخص رغم وفاته، وطريقة للاستمرار بالاهتمام به، ومزيج من الشعور بالخسارة والألم الحقيقي والحزن.

وفوق كل ذلك هي تذكير دائم بما ينتظرنا جميعاً، وكيف سيؤثر موتنا على من نحبهم ويحبوننا، كما قالت الملكة إليزابيث نفسها: “الحزن هو الثمن الذي ندفعه مقابل الحب”.

المصدر: ذا نيو يوروبيان

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات